الأحد  15 كانون الأول 2019
LOGO

قال لي الأطباء إنني مريضة نفسيا.. وبالواقع أنا مريضة بـ "فراشة الأمل"

2018-12-23 06:48:55 PM
قال لي الأطباء إنني مريضة نفسيا.. وبالواقع أنا مريضة بـ
مصابة بمرض اللوبس (أرشيفية)

 

الحدث- ريم أبو لبن

قالت الشنطي: "شخصني الأطباء بأني مريضة نفسياً… واكتشفت بأني مريضة بـ فراشة الأمل".

قيل أدبياً إن أثر الفراشة لا يُرى ولا يزول، فكيف يزول من يطلقون عليه مجتمعياً لقب "فراشة الأمل"، هذا اللقب الذي التصق بالممثلة والمغنية المؤلفة الأمريكية سيلينا غوميز ما بين عامي (2012-2014)، وفي عام 2017 أجريت عملية زراعة كلى بعد تبرع إحدى صديقاتها المقربات.

لقب أطلق على مرض مناعي ذاتي، ُيحدث خللاً في أجهزة الجسم المختلفة، ويسمى علمياً (لوبس ) Lupus أو (الذئبة الحمراء)، وبه يقوم جهاز المناعة بمهاجمة الجهاز الهضمي والجلد والعظام والمفاصل والدم وغيرها.

عند الحديث عن أي مرض مناعي قد نلجأ تلقائياً ودون معرفة مسبقة إلى ربط كلمة "مناعة" بمرض العوز المناعي المكتسب " الإيدز"، مما ينجم عن هذا التفكير من ضرر جسدي ونفسي قد يلحق بأي مريض مصاب بمرض "مناعي". وهذا بحسب ما أكدته لـ"الحدث" المريضة اسلام الشنطي (33)عاماً من قطاع غزة، فهي مصابة بـ "اللوبس" منذ سنوات.

   

"اللوبس.. عنف مجتمعي"

"كان الأمر متنقدا، حتى إن لدي مركزا للتجميل وقد تضررت من الأمر، لاسيما وأن نساء المنطقة أصبحن يترددن بالدخول إليه لكوني مريضة مناعة، هم لا يعلمون بطبيعة مرضي ويتم ربطه مجتمعيا بمرض الإيدز". هذا ما أشارت إليه الشنطي.

وبجملة يعتصرها الألم، قالت: "كانوا يقولون لي أصلحي وجهك ومن ثم اعتني بنا... شيء مؤلم".

وعليه، فقد عمدت الشنطي مع عدة نساء مصابات بالمرض على إنشاء صفحة إلكترونية توعوية بالمرض على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" وتحمل اسم " فراشة أمل Lupus in Palestine"، حيث لقيت دعماً من بعض المؤسسات والشخصيات التي تعنى بالمرض.

فيما أوضحت بأن سبب إنشاء الصفحة هو منعها عن البوح بمرضها، لاعتباره بالأمر "المعيب" وقد يضر بها وبعائلتها.

قالت: "يقال لي لا تتحدثي عن مرضك... خلص اسكتي، الناس لا يفهمون وقد يعتبرونه وراثي".

وقد أشارت بأنها ستنشأ حملة ضد محرك (جوجل) و (يوتيوب)، وذلك لربطهما كلمة "مناعة" بمرض الإيدز، وبهذا فإن الباحث عن المرض لا يدرك بأن اللوبس مرض مناعي تختلف ظروفه الصحية عن الإيدز وأي مرض مناعي آخر.

وعن تأثير الكلمة المرافقة للمرض، قالت "في غزة توفيت فتاة بسبب تلك الكلمة بعد معاناة 10 سنوات مع مرض (اللوبس) واعتقد من حولها بأنها مريضة بالإيدز... ولن أكمل الحكاية..".

وعن عدد الحالات المرضية التي انضمت لصفحة "لوبس" منذ إنشائها في شهر سبتمبر الماضي، قالت الشنطي: "عددهم حتى اللحظة 20 حالة في غزة".

أضافت: "توجهت إلى مستشفى الشفاء كيف أحصل على عدد الحالات المصابة بـ اللوبس، لم أجد سوى رجلا واحدا".

هنا كانت البدايات...

"في البداية، تم تشخيص مرضي على أنه مرض نفسي وربطه بالتهيئات، وليس له علاقة بالمرض المناعي" هذا ما قالته مريضة (اللوبس) اسلام الشنطي، موضحة بقولها قلة وجود الخبراء والمختصين بهذا المرض.

أضافت: "أجريت عدة فحوصات وتحاليل، حتى الأطباء في قطاع غزة والمشرفين على حالتي أكدوا لي بأني سليمة ولا يوجد أي مرض، وكانوا يقولون لي (عليك بالمقويات والحبوب المهدئة)".

واستكملت حديثها: "أحد الأطباء في غزة المختصين بقسم الدم كتب لي تقريراً يحمل عنوان  (مريضة نفسية)".

وبعد 3 سنوات من المماطلات، اكتشف المرض، وقالت: "بعد 3 سنوات علمت بإصابتي بمرض (اللوبس) المناعي، حيث ظهرت لدي بعض الأعراض مثل انتفاخ في الوجنتين، وبروز الحبوب على الجلد، وارتفاع درجة حرارة جسدي".

فيما أجرت تحليل المناعة (ANA)، ومن خلاله تأكدت بأن لديها مشكلة صحية في جهاز المناعة.

واستكملت حديثها موضحة أعراض المرض: "درجة حرارة جسدي قد تجاوزت 40، وازداد الطفح الجلدي، وكان لا بد من الحصول على تحويلة طبية وبعد مماطلات طويلة ورفض أمني لأكثر من 6 مرات حصلت على تحويلة لأحصل على العلاج في مستشفى النجاح بنابلس".

"العلاج اليولوجي هو محاولة.."

"أحد الأطباء في مستشفى النجاح وبعد أجراء الفحوصات أكد لي إصابتي بمرض (الذئبة الحمراء) أو بما يمسى (اللوبس)، حيث يصيب المرض إما الجلد أو الجهاز المناعي، وما أصبت به هو النوع الثاني والذي يدمر جميع أجهزة الجسم". هذا ما قالته الشنطي لحظة اكتشاف المرض.

أخصائي أمراض الباطنية د. محمد خراز والعامل لدى مستشفى النجاح،  هو من اكتشف إصابة الشنطي بمرض (الذئبة الحمراء) وبعد سنوات ومماطلات من التشخصيات الطبية الخاطئة.

قال خراز لـ"الحدث" : "الشنطي مصابة بمرض اللوبس (المعاند) وهي تخضع الآن لعلاج بيولوجي لاسيما وأنها قد وصلت  بمرضها إلى درجات متقدمة".

فيما أوضح د. خراز بأن مرض (اللوبس) منتشر في الأراضي الفلسطينية وقد سُجلت العشرات من الحالات، لاسيما وأنه كان قد سجل لديه (6) حالات من قطاع غزة، بجانب المحافظات الأخرى أما طولكرم فقد حصدت الرقم الأعلى من بين تلك المحافظات وسجل فيها (10) حالات.

أضاف : "هناك العشرات من الحالات، وعليه يتم الآن دراسة المرض وإجراء بحث حول علاقته بالجينات الوراثية، وما هي أسبابه".

واستكمل حديثه: " نحن نرصد 11 عرضاَ  للمرض حتى نتأكد من إصابة المريض بـ اللوبس، غير أن الشنطي قد ظهر عليها 8 أعراض منها طفح جلدي، آلام في المفاصل والكلى والكبد، وتقرحات في القم ، بجانب الشعور بالتوتر والتشنجات".

وفي ذات السياق، قالت الشنطي : "أنا الآن أعالج يبولوجيا (دواء كيميائي) وهذا العلاج هو محاولة لوقف الهجمات فقط، حيث لم يُكتشف له علاج حتى اللحظة، وقبل ذلك كنت أحصل وعلى مدار سنتين دواء كيماوي يدعى مايفورتك (myfortic)، وقد سبب لي مشكلة في الكلى".

فيما أكدت الشنطي بأنها تحصل على 9 أدوية صباحاً ومساءً و من أنواع مختلفة، غير أنها تحصل على جرعة من العلاج الكيميائي كل 3 أسابيع، لاسيما وأن كل جلسة للعلاج تستغرق 17 ساعة على غير عادة.

أضافت: "لحظة حصولي على الجرعة الكيماوية كنت أتحول لشخص آخر، شخص كئيب ومتعب.. ما الذي أوصلني لهذه المرحلة؟ لماذا لم يتم تشخيص حالتي منذ البداية".

الدكتورة عرين حاج يحيى، وهي طبيبة عائلة وسكري لدى صندوق المرضى بالقدس، كانت قد أشرفت على الحالة الصحية للشنطي، حيث تعرفت على حالتها أثناء زيارة قامت بها لغزة وضمن جولات منظمة الأطباء لحقوق الإنسان.

للشنطي، وقالت د. عرين لـ"الحدث": "سلام مصابة بـ اللويس المتقدم ومنذ عامين، وتم اكتشافه من قبل الطبيب عند ارتفاع درجة حرارة جسدها وبشكل أسبوعي حتى وصلت لـ 40 درجة مئوية، وبروز الطفح والحبوب على وجهها".

وعن توفر العلاج في غزة قالت: "مريض اللوبس يحتاج إلى علاج بيولوجي وهذا غير متوفر في غزة، بجانب علاجه بـ الكورتيزون، لاسيما وأن أخذ الكورتيزون وبكثرة قد يتسبب بمرض السكري وهشاشة العظام".

أضافت: "هناك العديد من الحالات المصابة باللوبس في غزة ولكن لا يوجد إحصائيات واضحة حول هذا الأمر، إلا أنني وفي الشهر القادم سوف أزور غزة ضمن الوفد الطبي وسنحاول حصر العدد وتقديم العلاجات المطلوبة".

وكيل وزارة الشؤون المدنية في غزة صالح الزق قال لـ"الحدث" : " الشنطي هي الحالة الأولى التي تمر علي كسؤول في التنسيق وكمصابة بـ الذئبة الحمراء، لاسيما وأن أغلب من يتم تحويلهم من غزة لتلقي العلاج في الضفة الغربية والقدس المحتلة هم من مرضى الكلى والسرطان والقلب، وعددهم كبير".

أضاف : " لم تتمكن الشنطي من السفر بحجة المنع أمني، ولكن وبعد تدخلات تمكنا من حل المسألة لخطورة وضعها الصحي، غير أنه تم منحها تصريح ولمدة 3 أشهر لتلقي العلاج داخل الضفة، وهذه التصاريح تعطى بموافقة اللجنة التابعة للجانب الإسرائيلي وبعد اطلاعهم على التقارير الطبية الخاصة بالمريض وتقييم وضعه الصحي".

 

"المرض ليس وراثيا"

"مرض اللوبس هو مرض مناعي وليس وراثي فهو يهاجم جميع أعضاء الجسم (الكلى، الأوعية الدموية، الجهاز العصبي، والقلب والدماغ كذلك". هذا ما أكده لـ"الحدث" د. سامر عصام كمال وهو أخصائي أمراض باطنية، موضحاً بأن ما ينتشر بين الفلسطينيين هو (اللوبس) الذي يصيب منطقتي المفاصل والكلى.

فيما أوضح كمال بأن مرض (اللوبس) منتشر بنسبة قليلة بين أوساط الفلسطينيين لاسيما وأن أماكن انتشاره مرتبطة بالدول الأوروبية على وجه التحديد، غير أن النساء هن الأكثر إصابة بـ المرض من الذكور، وتحديداً عندما يبلغن الثلاثين من العمر.

قال: "اللوبس قد يكون جلديا وينشأ عند ظهور طفح جلدي على الوجه وتحديداً الوجنتين وقد يظهر هذا بشكل أكبر عند تعرض المصاب لأشعة الشمس وحينها نطلق عليه لقب (طفح الفراشة)، ويميل لون الحبوب للون البنفسجي حيث لا تزول الا بعد أسبوعين أو أكثر، وهذا النوع من اللوبس لا يصاب به الكثيرون".

أضاف: "النوع المنتشر هو ما يصيب المفاصل، وما يحدث فشلاً كلوي".

وبالحديث عن أعراض مرض (اللوبس)، أوضح د. كمال بأن أكثر ميزة قد يعرف بها (اللوبس) هو بروز الطفح الجلدي، ووجود التهاب في المفاصل، وأحيانا قد يتعلق الأمر بارتفاع درجة حرارة الجسم.

وعن علاج المرض، قال د. كمال: " هناك أدوية جديدة يمكن أن يتم استخدامها وتدخل ضمن إطار العلاج البيولوجي وهو مكلف جداً، ومن يلجأ للعلاج الكيماوي قد تعرض للمرض وبشكل شديد".

أضاف: "لقد سجل لدي حالتان من مرضى اللوبس، غير أن المرض يصنف من الأمراض الروماتيزمية لأنه مناعي".

إذا فإن مرض "لوبس" أو ما يعرف بـ "الذئبة الحمراء"، وما يطلق عليه باللغة الإنجليزية (LUPUS) هو لم يتسبب بعطب في الجهاز المناعي لدى من يصاب به، وإنما قد يشكل هاجساً مجتمعياً ليصعب الأمر على المرض ذاته، لاسيما وأن البعض لم يدرك مفهوم "المناعة" بعد.