الأربعاء  22 أيار 2019
LOGO

أبرز أشكال العمل اليدوي والحرف التي كانت سائدة

2019-03-12 09:33:15 AM
أبرز أشكال العمل اليدوي والحرف التي كانت سائدة
الحراثة

 

 الحدث الثقافي 

 فيما يلي استعراض لأشكال العمل اليدوي والحرف التي كانت سائدة، ونبدأها أولاً بالفلاحة والرعي باعتبارهما مهنتين متكاملتين وأساسيتين في حياة الفلاح الفلسطيني.

 الفلاحة:

 حينما يحرث الفلاح الأرض في المرة الأولى تسمى "الكراب"، أما المرة التي تليها فتسمى "ثناية"، ومن الممكن أن يحرثها ثالثاً "ثلاث"، وأما الأرض ذات الشجر فيحرثها من أجل فتحها للمطر والقضاء على الأعشاب، وتفضل الأيام كثيرة الهواء والمطر لتموت الأعشاب فوراً ولا تعاود النمو من جديد.

ويحرث الفلاح أرضه مرة بالطول ومرة بالعرض لضمان فتح كل الأرض للمطر وتفتيت كل الكدر، ومهنة الحراثة مهنة ليست بالسهلة؛ فهي تحتاج لسيطرة على الحيوانات والمحراث والعمق ومراقبة الصخور السفلية، وفي العادة يحرث الفلاح لعمق لا يزيد عن الخمسة عشر سنتمتراً ويواصل ضرب الكدر(كتل التراب المتماسكة) بالمنساس ويفتحه برجليه أحياناً.

 أما المحراث نفسه والذي يسميه الفلاح عود الحراث فيتألف من:

يد بأعلاها كابوسة

رجل أو برك موصول بالسكة.

ذكر وسكة معدنية أو خشبية بآخرها رأس معدني.

وقبل أن يبذر الفلاح حبوبه يختار الوقت المناسب وعندما تكون الرطوبة على عمق ثلاثين سنتمتراً. ولا تخلو عملية البذار من المخاطر؛ وذلك لأنه في البذار البدري يخشى على الحب أن يموت بفعل الصقيع أو الجفاف، وكذلك، فإن البذار "الوخري" (المتأخر) يعرض الحبوب للجفاف إذا انحبس المطر، ويحمل الفلاح البذار بحجر ديمايتة الشقبان ويلقي الحبوب بمهارة، بحيث لا تكون متلاصقة كثيراً ثم يحرث ليدفن الحب ويقول:

بذرنا الحب وتوكلنا على الرب.

ويستعمل الفلاح الفلسطيني البقر بصورة رئيسة للحراثة، من الممكن استغلال الجمال والحمير والبغال، ومن أسوأ أنواع الحراثة استعمال ثور وحمار في آن واحد، وفي هذه الحالة لا يستقيم الثلم وذلك ناتج عن عدم تعاون الثور والحمار فكل منهما يشد العود باتجاه مختلف.

التعشيب:

 يبدأ في شهر نيسان تعشيب المزروعات الشتوية أي اقتلاع الأعشاب الضارة، وهي عملية بطيئة ومتعبة وعادة تقوم بها النساء، وفي الماضي كان التعشيب مسموحاً به لمن شاء من أهل القرية واقتصر الأمر أخيراً على أصحاب الحقل لإطعام حيواناتهم من العشب، ومن الأعشاب: النباتات القرنية التي تصلح قرونها للأكل مثل: الاسيسعة، والسيبعة التي تسمى الجلتون، وتؤكل طازجة أو مسلوقة.

ويعلق الناس أهمية كبيرة على التعشيب لدرجة أنهم يقولون: العشاب غلب الكراب أي تعشيب الحقل المزروع بالقمح مثلاً ربما كان أهم من الحراثة (كرب الحقل حرثه مراراً).

ونقرأ في ديوان الشعر العربي الفلسطيني لدالمان، هذه المقاطع الغنائية عن التعشيب:

ياريت الشوك ما بان

ولا تخلق ولا كان

 عمنه تعب الزين

 وراح الزين حردان

يا غلمان ردوه

سمن وبيظ غدوه

الحصاد:

 من خلال المأثورات الشعبية وخاصة الأغاني الشعبية؛ لا نحس بأن الحراثة مهنة محبوبة، وهي عملية مملة تستغرق وقتاً طويلاً، ويقوم بها الحراث وحده وذلك خلافاً لمهنة الحصاد التي تتم بصورة جماعية وتؤدي فيها الجماعة أغانٍ معروفة ذات نغمة تحث على العمل والسرعة في الإنجاز، ويوصف قائد عملية الحصاد - الشاقوق – بأنه خيال وذيب المنجل إذا كان ماهراً وقد يهزج هذا القائد معتزاً بنفسه:

أنا خيال المنجل

والمنجل خيال الزرع

وكانت عملية الحصاد في أول الأمر مجرد قلع للسنابل، ثم عمم النور (القالوش) الذي يقطع بأسنانه سوق السنابل يضع الحصاد وزرة من الجلد لتقية من السنابل وهو يفطر خبزاً ولبناً، ثم يتناول الصبوح عند الظهر والغداء في حدود العصر، ويستريح الحصّاد (5) مرات وهي:

1. راحة شربة الحومة

2. راحة الصبوح

3. راحة شربة الصبوح

4. الراحة للغداء

5. شربة الغداء

وإذا كان الحصاد قد اشترط تقديم الطعام على المعلم فأنه يسمى ممون وبعكس ذلك فهو مكمم.

يقال إن الحصيدة من النار، بمعنى أنها متعبة ومرهقة وتأتي في الأيام الحارة بعد نهاية الربيع، ولذلك؛ فإن الغناء الجماعي أثناء الحصاد يقوم بمهمة التخفيف من العمل والتسرية عن النفس مما تعانيه من متاعب ومكابدة الحر.

 ومن أجل خلق جو من التعاون والتناغم بين الحصادين يغني أحدهم فيرد الآخرين:

يا حلو لبني في زينك ما طلعت البر ولا حصدت الحصايد في نهار الحصر

يا ريتني غيمة وارد الشمس عنكو

والا مطر صيف وارد الربيع الكو

يا حلو دربك سند والرجل ثقلانة

واقعد تسليك يا أبو عيون نعسانة

هذا النوع من أغاني السامر بطئ في لحنه ويحمل معنى التهدئة وبث الراحة في النفس. ويجوز لنا الاعتقاد أن هذا الغناء كان يتم كدعوة للاستراحة أو عندما يحس الشاقوق بأن الحصادين قد تعبوا، أما في ساعات الصباح، وعندما يكون نشاط الحصاد في أوجه؛ فإن أغنية جماعية مثل "منجلي يا منجلاه" تساعد على بث المزيد من الحماس للعمل في أنفس الحصادين:

منجلي يا منجلاه

راح للصايغ جلاه

ما جلاه إلا بعلبة

 ريت ها لعلبة عزاه

منجلي يا أبو رزة

وشو جابك من غزة

جابني حب البنات

والخدود الناعمات

منجلي يا ابو الخراخش

منجلي في القش طافش

أثناء الحصاد تقوم مجموعة من النسوة بجمع حزم القمح التي يتركها الحصاد بعد قطعها، وتسمى هذه الحزم غمور (جمع غمر)،والمرأة غمارة، ويتألف الغمر من مجموعة من حزم المحصول ويسمى واحدها "الشمال" والشمال حزمة تستطيع اليد امساكها ويتم لفها بشيء من المحصول نفسه، وتجمع الغمور في كومة مكعبة ضخمة تسمى الحلة وتحصل الغمارة على الجحر التالي:

1. كيل وعلبة قمح.

2. مركوب.

3. منديل أحمر – شطفة ليقي حطتها من القش.

وتقوم واحدة من الغمارات بجلب الطعام للحصادين وتتناوب في ذلك مع زميلاتها ويحق للغمارة أن تلقط من بيت الغمور.

يقوم الجمالون بنقل حزم القمح إلى البيادر، وتسمى العملية (شيل) وكنت ترى في موسم الحصاد الجمال مقطورة واحدة في أثر آخر ويقودها الجمال الذي يركب حماره في المقدمة.

وفي هذه الأثناء ينشط اللقاطة لجمع السنابل المتناثرة بين الغمور، وبعد التعمير ووراء الجمال التي تحمل خز القش إلى البيادر، وسمي هؤلاء الضيافة أو البعرة وكلما جمع اللقاط ما يملأ يده من السنابل ربطه ليصنع ضمة وتدق هذه بقطعة خشبية تسمى مخباط لفصل الحب عن الزيتون.

وبعد نقل كامل القش إلى البيادر تقوم صبايا القرية بمهمة التقشيش أي الحصول على قش جيد لتصنع منه أواني البيت مثل: أطباق القش، وأدوات أخرى لتوضع فيها بعض الثمار، وتصيغ النساء بعض القش لتتكون هناك عملية تشكيلية في الأطباق والأواني تحمل انطباعات المرأة عن النواحي الجمالية والزخرفية، وعملية التقشيش تحمل معنى إظهار الفتاة لمفاتنها، أما المشتغلين بنقل السنابل ودرسها وهي فرصة لإظهار الود من جانب الشباب إزاء الفتيات بالسماح لهن بجمع القش الصالح للنسيج من أفضل أنواع السوق القمح.

ويصنع الفلاح طرحة من سنابل القمح أو الشعير على البدر بقطر 15- 30 قدماً وارتفاع ثلاثة أقدام تكون الطرحة دائرية ويسير فوقها زوج من البقر أو بغل أو حصان قديش وربما حمار ويجر لوح الدراس الذي يحمل في جزئه الأسفل حجارة قاسية تساعد على درس القش وفصل الحبوب عن القش، بعض الناس يكممون الحيوانات حتى لا تأكل الحب.

ويتم تقليب الطرحة بالدكران (الشاعوب) ويعاود العمال درسها حتى تصبح ناعمة وجاهزة للذراوة أي فصل الحب عن التبن والموص والقصول، ويتم خزن الحب بأكياس تصنع في البدء من شعر الماشية، أما التبن فيحفظ ليقدم للحيوانات ويبقى الموص وهو التبن الناعم جداً ويستخدم بمزجه بالطين لعمل المواقد ووعاء الطابون (القحف)، وفي سنوات القحط يقدم طعاماً للحيوانات، وأما القصل فهو أكثف ماينتج عن الذراوة بعد الحب ويستعمل كوقود للطابون أو يمزج مع الطين لعمل أرض للبيت وخوابيه.

ومن الجدير بالذكر أن بعض المحاصيل لا تدرس في البيدر بل تدق بالمخباط وهي مثل العدس والكرسنة..الخ

والمهم أن عملية الدرس و الذراة مهمة لأنها العملية الأخيرة قبل ظهور المحصول الحقيقي وهي عملية تحمل طابع الامتاع والزهو؛ لأنها العملية القريبة من الحصول على ثمار حصدها العام وفيها يغني العاملون داعين الله لطرح البركة:

يا مذرايتي

وين بتباتي

في العرماتي

يلله البركة

بركة ربي

في ها لشوبى

بركة حيدرة

في ها لبيدر

هي دايم

يلله دايم

***

دق الدكران

أبو البنيان

في الجرن يبان

يا هور بهور

ريحة بخور

من قرن الثور

مسك وعطور

يا مرة زيدي العجين

خيل أبو جرار اجين

ع العلايق دايرات

ع العلايق والعليق

تعطي هذه الأغنية تحمل طابع المرح والانبساط والحث عل المزيد من التوجه إلى الله بالتوفيق وطرح البركة في المنتوج، ومن الجدير بالذكر أن الذراة تعتمد على هبوب الريح الذي يساعد في فصل أصناف المنتوج واحد عن الآخر، وبذلك يقولون إن طاب هواك ذري على لحية جارك

أي إذا توفرت حركة الريح فبادر بالعمل حتى لو كان جارك واقفاً باتجاه الريح.

وتأتي آخر مرحلة من العمل وهي غربلة الحب الناتج عن الذراوة لفصله عن القصل والرمل والحصى ويتم ذلك أولاً، بكربالة، وثانياً، بغربال، ثم يتم خزن الحب في الخوابي أو المطامير.

الرعي:

العلاقة بين الراعي ومالك القطعان هي علاقة بين عامل يؤدي مجهوداً، وبين مالك وسائل الإنتاج التي هي في حالة رعي الغنم أو البقر أو الجمال، لكن هذه العلاقة تختلف عن العلاقة بين مالك الأرض والفلاح أو الحراث أو العامل الزراعي، ومن حيث علاقة الراعي بمالك القطعان فإنها ذات حساسية كبيرة؛ ففي حين لا يستطيع الحراث أن يهمل عمله كماً يمكن أن يفعل الراعي، فإن إهمال الراعي لحظة واحدة لمهمته يمكن أن يبدد القطيع بعدوان الذئب أو تعريض القطيع للغرق بالسيول أو الضياع أو ما شابه ذلك، ولذلك فإن الراعي يظل محط عناية صاحب القطيع، وبالإضافة لأجر الراعي المقرر يحصل الراعي على إكراميات وامتيازات كثيرة لا يحصل عليها الحراث، يحصل الراعي على خروف عن كل عشرة نعاج في كل سنة قمرية كما يحصل على جدي عن عشرة أعنز نصفها ذكور والنصف الآخر إناث، وكذلك ثوبين في العام وحطة وعقال وعباءة وفروة جوبشتاً ووطا ً(حذاء) هذه الثياب يحصل عليها الراعي كجزء من الأجر إرضاء له لأن عمله مستمر طوال أيام العام صيفاً وشتاءً وربيعاً وخريفاً وفي أيام الأعياد وسواها، ويستطيع أن يتناول الحليب واللباء والجبن متى شاء. تقدم زوجة صاحب القطيع للراعي طعامه وتغسل ثيابه ويسهر الراعي معززاً مكرماً في ديوان مالك القطع ترضية له، كما أن أسوأ يوم في حياة صاحب القطيع هو اليوم الذي يمتنع فيه الراعي عن العمل بسبب المرض أو لأي سبب؛ فمعنى ذلك البحث عن راعٍ آخر أو القيام بمهمة الراعي.

وتذكر سارة جراهام أن أجرة الراعي حتى عام 1923، كانت 10-15 جنيهاً إنجليزياً في العام، بالإضافة للطعام والثياب وقد يقوم الراعي برعي أبقار وحيوانات مختلفة لأناس مختلفين في القرية، وفي هذه الحالة يحصل على أجرة من 2-3 قروش عن راس الغنم و 10-15 عن راس البقر شهرياً.

أهمية الماشية: تحتل الماشية أهمية كبيرة في حياة الفلاح الفلسطيني فهي مصدر قوته وكسائه وفراشه ويستعملها كوحدة تبادل، مهر للزواج وبها يفتخر كرأسمال وثروة وبها يدفع الدية، ويقدم الأضحية والوليمة والقربان ….. الخ وورد في المأثورات الشعبية أن أحد أمنيات الإنسان أن يكون له قطيع غنم.

* "والخامسة يارب خمس قطيع أغنام بالدار واطلع بهن على روس المناسف خطيب"

* "ع اليوم يا بقرتي لنك روباعية واحلب واملي القدح واسقي لفندية".

النظرة للراعي: تفضل البدوية راعي البعارين؛ انطلاقاً من تعصبها لابن عمها وكره البدوي للفلاح الذي لايعتني بالجمال إلا للنقل:

يا راعي الغنم لارعاك الله

ماريت راعي البعارين

**

راعي الغنم ياخفية

دشر عصاة الرعية

***

راعي الغنم ما ريت راعي الشلية

يا هدب عينو ياقذلة ابنية

أما الفلاحة فتفضل راعي الغنم على راعي البقر؛ فالأول أكثر لطافة وأنسا من راعي البقر الفظ. بحكم تعامل راعي الغنم مع حيوانات أكثر ألفة وحساسية، فضلاً عن أن راعي الغنم يتصل عمله بالحياة اليومية للناس؛ بينما راعي البقر يتعامل مع الأبقار الزائدة عن حاجة العمل وفي فترات متباعدة من السنة:

راعي الغنم شبب تغنى لك

راعي البقر شوشح بمنديلك

راعي الحمير غدة ترسى لك

***

إن كان راعي غنم شبب تغنيلك

وإن كان راعي بقر غدة ترسي لك

وفي رواية أخرى وان كان راعي بقر يخرط مصارينك.

أجداد الزيتون: هو أحد المواسم الرئيسية في حياة الفلاح الفلسطينية والتي تضاهي موسم الفلاحة بل تفوقه في بعض البيئات الجبلية التي تعتمد في معاشها على الزيتون والتين والكروم، وتشكل زراعة الحبوب والبقول فيها مسألة هامشية، في هذا الموسم تكون القرية في حالة استنفار شبه كامل؛ فالملاك يجندون الفعلة في أعمال جمع الزيتون ونقله وعصره، وبصفتهم مالكي وسائل الإنتاج، الأرض الشجر والمعصرة يحصلون على غالبية المحصول العظمى ولا يحصل "الطياح" الذي يبدأ في قطف المحصول من اليوم الأول حتى نهاية الموسم الأعلى "جرة زيت واحدة " ومكافأة تافهة "شوية رصيع"، والآخرون الذين لا يمكلون الكروم ولا يجدون فرصة العمل فأنهم يحاولون التقاط ما يتخلف من حب على الفروع أو يجمعون "الكركيع".

النقل:

احتل الجمل مكانة بارزة في قطاع النقل في الحياة الشعبية، فبواسطته كان الحجاج يزورون بيت الله وعلى ظهره انتقلت التجارة ومحاصيل الحبوب والزيتون …….الخ، وكان الجمال يحتل مكانة سائق السيارة اليوم، فهو الذي يسافر ويعود بالجديد والغريب من الهدايا، تقول الأغنية الشعبية:

ياريت من توخذ الجمال يسعدها

باليمن يما

يجيب الهدية وتالي الليل يقعدها

بالهناء يا روح

فالجمّال يغيب وقتاً طويلاً ويعود محملاً بالهدايا لزوجته، سيدة بيتها وذلك على عكس زوجة الحراث التي تشقى في العمل طوال السنة وتحصل فقط على لقمة الخبز لذلك تكمل الأغنية:

ياريت من توخذ الحراث ما تسعد

باليمن يما

تحمل قدحها تدور في البلد تشحد

وليس أدل على سعادة الجمال بمهنته من هذه التروايد التي تعكس الفرحة التي تعبق بها كلمات الجمالين الذين يغنون لمراكبهم:

ع باب يافا حنحنت لجراس

مراكب وارخي لها المراسي

يا ما احلى نومة بنامها

بين لعرى متوسد سنامها

وعليش قبلن تشتري

عليش ما قبل تشتري

أمد ملج الدرعان حلو المبسم

الحلاق:

 يقول العمرون أنه في أوائل هذا القرن كان الكثير من الرجال لا يحلق ذقنه طول حياته، ويندر أن ترى رجل تجاوز الأربعين دون أن يربي لحية طويلة، وأما الذين كانوا يحلقون ذقونهم فكانوا يزورون الحلاق مرة في الأسبوع؛ أما الوجهاء فكان الحلاق يزورهم في بيوتهم، وبعد أن يقوم الحلاق بمهمته كان الوجيه يقدم الطعام والحلويات للحلاق ويملأ كيس التبغ أو يقدم به "صندوق دخان"، وكان الحلاق يحصل على أجرة سنوية مقدارها ثلاثة صاعات من القمح يستوفيها بعد الحصاد، ذلك لمن كان يحلق ذقنه أسبوعياً، وصاعين من القمح لم كان يحلق شهرياً، وكان الحلاق يحلق الذقن ويقص شعر الرأس ويقدم موسي لمن هو أهل للتقدير للاستعمال الخاص.

الناطور:

 شخصية تقدم خدمة جماعية للقرية فضلاً عن كونها وسيلة للإعلام والتعميم والتبليغ والمناداة، والناطور هو المراسل الخاص للمختار وأداته في التبليغ، يذهب الناطور كل صباح إلى ديوان المختار ليصنع القهوة ويخدم ضيوف المختار الرسميين ومثل همزة الوصل بينهم وبين أهل البلد من المطلوبين للعدالة أو المطلوب منهم ضريبة ما لخدمتها عموماً طاف بالفلاحين الملاك ليجمع لأولئك طعامهم، وهو يحصل على طعام للغرباء من الملاك، ويستعمل قضيباً من الخشب عليه أقراص كتب عليها أسماء الملاك لحفظ الترتيب.

وكان صوت الناطور يدوي في أزقة القرية لإبلاغ الناس مضمون ما يراد إبلاغه لهم من جانب السلطة، وكان يتوجه للناس بصيغة:

يا فلاحين، يا أهل البلد

أو

يا سامعين الصوت صلوا على النبي.

أولكم محمد وآخركم علي

يامن حس …. ويا من شاف

عنزة ؟ سودا قصوبية

ومعلمة بذنيها الثنتين

واللي ينكرها

يعدم امواله واعياله

يجعل داره خراب

 ما يسكنها غير البوم والغراب

وما يظل بداره الاهي

وبدلا من عبارة التهديد الأخيرة قد يقول:

والحلاوة والبشارة

خمس قروش حلال زلال

أو

والحلاوة والبشارة

بالصلاة على النبي

ومن الممكن أن تكون صيغة النداء على النحو التالي:

بعد الديباجة

بكرة التطعيم ضد الجدري

في ديوان المختار

ولازم حضور الجميع

ازغير واكبير

والحاضر يعلم الغايب

واللي يتأخر

لا يلوم ولا يعتب الا على حاله

وباختصار؛ فالناطور كان وسيلة الإعلام الوحيدة، وكان يستحق من كل شداد ثلاث صاعات من كل نوع من الحبوب عن كل سكة (4/1 فدان) ربع فدان، وفي وقت الحصاد كان يمر بالحصادين فيحصل على حمل حمارة من الغمور الممتازة وفي العرس يحصل على وعاء طبيخ لأولاده.

إن الاستطراد في دراسة مناحي العمل والإنتاج في المأثورات الشعبية الفلسطينية يقود إلى الحديث عن أدق تفاصيل الحياة اليومية، ويتطرق إلى أعمال خزن المؤونة وصناعة الغذاء واللباس والبساط والحصير والصيد، إلى غير ذلك من وسائل كسب العيش، ويحتاج ذلك إلى مؤلف مستقل.

الدوار:

اسم يطلق على البائع الذي لا يستقر في دكانه وإنما الذي يطوف على زبائنه، وتطلق على البائع الذي يبيع الخضر أو الزيت على ظهر حماره، وإذا كان البائع يتعامل بالقماش حمل اسم البرجاوي، وقد يحمل البرجاوي القماش على كتفه أو على حماره أو في حقيبته.

 النجار:

 في معظم القرى نجار يقوم بصناعة الأدوات الزراعية والأبواب والشبابيك والصناديق، التي تستعملها النساء لحفظ الثياب والحاجات الشخصية، واستعمل النجار أدوات بدائية، مثل بعض المناشير الصغيرة والشواكيش والمثاقب، وكان النجار في أغلب الحالات يستعمل الأرض بدل الطاولة، كان النجار يحصل على أجرته بعد موسم الحصاد وذلك لقاء عنايته بعيدان الحراثة.

صنع الجير:

يتوفر الحجر الكلسي في فلسطين، ومن هذا الحجر كان يصنع الجير وتسمى الأفران التي تشوى فيها هذه الحجارة باسم "الآتون"، أو اللتون، أو الكبارة وهي عبارة عن فتحة دائرية في الأرض قطرها يتراوح من 10-15 قدماً، يبنى الحجر فوق الفتحة على شكل قبة، ويغطى بالتراب لإبقاء الهواء الساخن، تكون هناك فتحة لإدخال الوقود – الحطب، وأخرى لدخول الهواء الطازج وتستمر النار مشتعلة ليل نهار في الآتون ويضطر الرجال للمبيت في منطقة الآتون، وتأتيهم نساؤهم بالطعام وتعاونهم في جمع الحطب من الغابة، وتشتعل النار في التون مدة أسبوع تقريباً، ويحتاج إلى ثلاثة أيام ليبرد وبعد ذلك يجمع الكلس في أكياس ويجهز للبيع.

مقالع الحجارة:

تتوفر مقالع الحجارة في أماكن عديدة في المناطق الجبلية الفلسطينية، ويتم تمزيق الصخور الجيرية الكبيرة بقوة ملح البارود المشتعل ليصنع الحجًار فتحة في الصخرة بواسطة أداة حديدية اسمها "نخل" "مخل" أو "بينسة" أو "كوب"، ثم يملؤها بملح البارود ويغلقها بفتات الصخر والقماش ويوصلها بفتيل ليتم إشعال البارود من مكان بعيد، وقبيل تفجير اللغم يصيح الناس "بارود" لتحذير المارة، وبعد تفجير اللغم تقطع الحجارة إلى قطع مناسبة ثم يقوم الحجّار بصنع قطع جميلة من الحجارة بعد تهذيبها.

الدقيق:

وهو الحجّار المحترف الذي يهذب الحجارة القادمة من المقالع، ويصنع منها المقاسات التي يطلبها البناء بالاستعانة بأدوات يدوية مثل الإزميل والشواكيش والزوايا والشواحيط والمدقات.

عمل الفحم:

 يستعمل الفحم في التدفئة والطبخ. وهو يجهز بحرق خشب البلوط في "المشحرة": وهي عبارة عن حفرة يحرق فيها الخشب ببطئ بمعزل عن تيار من الهواء بعد قطع الخشب وتجهيزه، يتم تجهيز الحفرة ويوضع فيها الخشب الذي يغطى بالتراب مع ترك فوهة لخروج الدخان، وبعد التأكد من كفاية النار تغلق الفتحة ولا يتم فتحها إلا عندما تبرد تماماً ثم يجمع الفحم في أكياس.

جمع الملح:

يجمع الملح بتجفيف ماء البحر في برك مجاورة للبحر يجفف الماء منها بحرارة الشمس، وكان عرب التعامرة (بالقرب من البحر الميت) ينقلون الملح إلى الناصرة لاستبداله بالحبوب (الذرة والقمح)، وكان يباع رطل الملح (1945) بقرشين أو يستبدل بالشعير: لكل تنكتين من الملح  ثلاث من الشعير ويسمى ذلك مخامسة وقد يستبدل الملح بما يقبله من الذرة (راس براس –أي مثل بمثل)، وفي حالة استبداله بالقمح تستبدل ثلاث تنكات من الملح بتنكتين من القمح، كما كانت تستبدل تنكتان من القطين بتنكة ملح واحدة.

القولجي:

وهو ناطور الأحراش.

التنجيد:

الندافة وصنع الفراش.

التزود بالماء:

وهي مهنة نسوية على الأغلب؛ إذ كانت المرأة ترتاد النبع أو البئر لتملأ الأواني، مثل: القربة أو الجرة بالماء. ومن المعتقدات المتصلة بهذه المهنة هو أنه إذا التقت امرأة تحمل جرة فارغة برجل مسافر فإنها تدير فوهتها إلى الخلف؛ حتى لا تجلب له سوء الطالع.

التحطيب:

 جمع الحطب من الغابة لتوفير الوقود للطبخ والتدفئة وهي مهمة نسوية بحتة.

الحرفة المتعلقة بتوفير الطعام في البيت: خزن الحبوب: يحفظ الناس في الوسط الشعبي القمح والشعير والذرة والبقول في مطمورة أو خابية، أما المطمورة فهي عبارة عن بئر قليل الغور يحفر في "قاع البيت" أو ساحته وتطلى جدرانه بطبقة من مزيج التراب والشيد والماء لتصبح مانعة للرطوبة، وتصنع له بوابة من الحجر، والخابية عبارة عن صندوق مكعب الشكل من الطين يبنى بين الجدران الداخلية للبيت و"ركبة القنطرة" التي تحمل السقف ويرتفع هذا الصندوق الطيني على قوائم مبنية ومثبتة على أرضية البيت وتكون للخابية فتحة في حجم الرغيف الصغير، تغلق بقطعة من القماش كبيرة، ويوضع القمح في فتحة الصندوق العليا، وعند الحاجة يؤخذ من الفتحة الدائرية السفلى.

خزن منتجات الزيتون: الزيت: يخزن بالجرار أو في مطمورة تشبه مطمورة القمح لكنها "تطين" من الداخل، بحيث تصبح محكمة. الرصيع أو (الرصيص وشالق نيعو): يدق حب الزيتون بحجر على طبق من القش ثم يوضع في محلول الماء والملح(بحيث تطفو البيضة العادية فيه) وقد يضاف إليه الفلفل والليمون. ويحفظ في جرار أو صفائح من التنك المملوح: أو (الكامر أو الزيتون الأسود) يوضع الزيتون الأسود في سلة بعد تمليحه حتى تنزل منه السوائل المرة، ويضغط بثقل كأن يكون ذلك حجراً كبيراً أو من المعدن وبعد ذلك يحفظ على حاله بالملح أو في الزيت.

المشطب: يختار من حب الزيتون ما كان كبيراً وأخضر اللون ويشطب بسكين ثم يحفظ كما يحفظ الرصيع.

تجفيف الخضر: يشمل ذلك البندورة، والملوخية والبامية …….الخ تجفيف هذه المواد على أطباق من القش في حرارة الشمس وتحفظ للشتاء، ليصبح هناك "بندورة منشفة وملوخية منشفة وبامية منشفة"

عمل البرغل:

سلق البرغل يعني الناس في الوسط الشعبي بهذه العبارة سلق القمح ليتحول إلى برغل، وفي صيف عام 1946 شهدت في "السنديانة – حيفا" بفلسطين العربية هذه العملية: "أحضر الأهل حلة – وعاء ضخماً من الحديد مستدير الشكل وعميقاً يكاد يتسع لمتر مكعب واحد من الماء أو أكثر وله عدة حلقات أي مقابض – وثبتوا هذا الوعاء على ثلاثة حجارة كبيرة مكونة من اجرين – أرجل – الموقد"  

والمثل الشعبي يقول "بركبش القدر إلا ع ثلاثة أي لا يوضع القدر إلا على ثلاث حمالات"

وبعد ذلك أخذ الجميع يصبون الماء في تلك الحلة ثم وضعوا القمح "المنقى" أي القمح النقي من الشوائب مثل الحصى و الزوان ونحوهما، وبعد الانتهاء من وضع المقدار المطلوب من القمح، بدأت عملية إشعال النار تحت القدر وتموينها بفروع الشجر وكتل الجذوع – القرامي، وعندما اقترب غليان الماء بدأت عملية التحريك والتقليب حتى ينضج القمح، وبعد أن نضج القمح وتحول إلى "سليقة" انتظرت والدتي حتى بردت – الطبخة – ثم بدأ اغتراف السليقة، في البدء أكلنا شيئاً منها ووزعنا القليل على الجيران، ثم بدأت نقل عملية القمح المسلوق إلى سطح البيت وأخذ الجميع يحملونه ويصعدون السلم ثم يفرشونه على السطح النظيف تمت هذه العملية في المساء، وفي الصباح التالي نصب والدي "خربوشة " أي خيمة من الخيش على سطح البيت وكان علي أنا وشقيقتي الصغرى أن نحرس القمح المسلوق من اعتداء العاصافير والحمام، كما علمونا كيف نقوم بتقليب القمح المسلوق والمفروش على السطح؛ ليجف بفعل الشمس والهواء ويتحول إلى برغل.

يخزن البرغل وهو حب أو يجرش على الطاحونة

[الجاروشة (الطاحونة)]

عمل السميدة: وهو القمح المجروش تحفظ لاستعمالها في الشتاء والفصول التي تقل فيها المنتجات النباتية والحيوانية.

عمل الفريكة: يحصد القمح قبل أن ينضج وعندما يميل لون الحبوب إلى الخضرة وتصنع من السنابل (ظم – جمع – ظمة) وتشوى في النار بطريقة لا تجعلها تحترق، ثم تجمع السنابل المشوية وتفرك بلطف على طبق من القش وباليدين لينفصل الحب عن القشور، ويجفف الحب في الشمس حتى يصبح صلباً وهذا الحب الناتج يسمى الفريكة، تجرش الفريكة على الجاروشة وتخزن لأيام الشتاء

خزن الزيت في بئر: يحفر بئر في الأرض يقصر من الداخل بالشيد الممزوج بالليف المنفوش فتتكون طبقة لا ينفذ منها الزيت، ينشل الزيت عند الحاجة بواسطة دلو.

خزن العسل: يقطع العسل ويحفظ في جرار تغطى بالقماش والطين.

الجاروشة: كانت الجاروشة أداة رئيسية في البيت لدى الناس في الجيل الماضي، وكان الناس يعتمدون عليها اعتماداً كبيراً في تهيئة خبزهم اليومي؛ ففي كل يوم كانت ربة البيت تطحن وجبة من الحبوب ثم تعجنها وتخبزها لأنه لم تشع في ذلك الوقت الطواحين الآلية التي تسير بقوة الماء أو المحروقات.

وهناك حكاية شعبية متوارثة تعكس صورة المرأة التي كانت تقضي وقتاً كبيراً من يومها لتهيئ الطحين على الجاروشة، تقول الحكاية: أن امرأة سافر زوجها وتركها وحيدة، وفي المساء أرادت هذه المرأة أن تقضي الوقت بطحن الحبوب على الجاروشة لتتسلى بالعمل وتأتنس بصوت الجاروشة الذي يملأ الفراغ الصامت من حولها ويبدد الوحشة التي تحس بها، فما كان إلا أن تفاجأت بالغول إلى جوارها الذي أمسك بيد الجاروشة وصار يعاونها في طحن الحبوب وبالطبع امتلأت المرأة خوفاً ورعباً، ولكنها تماسكت ولم تظهر خوفها من الغول بل أخذت تحاول استدعاء جارها بهذه الأغنية الحزينة الرتيبة التي تتناغم مقاطعها مع حركة الجاروشة لقد أخذت المرأة تغني وتقول:

يا جارنا أبو علي يا أبو علي

مطال الليل يطحن معي يطحن

وازغير واله كنزعة

رب السماء ينزعه

وكان أن فطن الجار إلى أن جارته في مأزق فأسرع إلى سيفه وتناوله وذهب إلى جارته المستغيثة وفاجأ الغول الذي ملأ قلبها خوفاً ورعباً فعالجه بضربة من سيفه وقضى عليه.

وعند الجيل الماضي كانت الجاروشة ترمز إلى الثراء والرغبة في تقديم خدمة مجانية في سبيل الله لأهل الحارة، فبعد أن شاع استعمال الطواحين الآلية ظلت الجاروشة تؤدي غرضاً آخر وهو جرش الحبوب والبقول التي تمتلك الجاروشة في بيتها تضعها في فناء البيت أو في العريشة لتستعملها كل من شاءت من الجارات والصديقات، وبالإضافة إلى أن ذلك يدل على كرم ربة البيت، فهو يعتبر أيضاً عملاً خيراً في سبيل الله، ويتناقل الناس أن في بيت فلان "جاروشة" سبيل مهيأة دائماً لكل من يحتاجها تردد النساء عادة على البيت الذي يحوى جاروشة وحول ذلك قول مأثور:

- "اللي ما عندوش مزيونة  يقنى له طاحونة".

لأنه سوف يرى الجميلات كل يوم يدخلن ويخرجن على بيته من أجله، أما الناس الأغنياء فكانوا يطحنون قمحهم في طاحونة عمومية تدار بقوة الماء والهواء أو الحيوانات، وكانت في نابلس طاحونة هوائية لآل بدران دامت لعهد قريب.

المرجع:

موسوعة الفلكلور الفلسطيني الطبعة الكاملة من الألف إلى الياء، تأليف نمر سرحان، الناشر دائرة الثقافة، منظمة التحرير الفلسطينية، الطبعة الثانية – عمان 1989.

المصدر