الثلاثاء  23 نيسان 2019
LOGO

هل من مصلحة حماس الذهاب لاتفاق كبير بخصوص قطاع غزة؟

تحول الفعل المقاوم من موقف المبادرة والدفاع إلى موقف الدفاع

2019-04-04 05:33:36 AM
هل من مصلحة حماس الذهاب لاتفاق كبير بخصوص قطاع غزة؟
هنية مع الوفد المصري (الحدث)

الحدث ــ محمد بدر

بعد سيطرة حركة حماس على قطاع غزة عام 2007، وجدت الفصائل الفلسطينية نفسها أمام واقع أمني وسياسي مختلف، وفي مقابل تصاعد قوة المقاومة الفلسطينية من ناحية العدة والعتاد بسبب قيام حركة حماس بفتح المجال أمام عمليات تهريب وتخزين وتطوير السلاح وبناء المعسكرات التدريبية، أصبح استخدام القوة مقننا ومرتبطا بشكل أساسي برؤية حماس السياسية التي انعكست بدورها على عقيدتها القتالية، وتحول الفعل المقاوم من موقف المبادرة والدفاع إلى موقف الدفاع فقط.

 ويبدو هذا التحول لدى الحركة نابعا من كونها حاكما فعليا لجغرافيا القطاع، وبالتالي سعيها لتكريس مبدأ "تحقيق الاستقرار" في مقابل مبدأ "تحقيق السلام"  الذي تنادي به السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، ولأن مبدأ "تحقيق السلام" يترتب عليه تنازلات سياسية واتفاقات سياسية وعلاقات مباشرة مع الاحتلال، كانت حماس تنأى بنفسها عنه حفاظا على تمايزها عن نقيضها السياسي (حركة فتح)، وخوفا من فقدان شرعيتها التي استمدتها من المقاومة وحاولت أن تستفيد منها في مسائل الحكم وتحقيق السيطرة.

في ظل كل هذه المتغيرات التي يبدو بعضها نقيضا للآخر، كانت حركة الجهاد الإسلامي تبني نفسها بشكل مضاعف عسكريا وسياسيا وجماهيريا في قطاع غزة، ولكن سلوك هذا البناء ظل محكوما بعقيدة حماس القتالية، وبقواعد الاشتباك التي تغيرت تدريجيا من اتفاق القاهرة عام 2005 وحتى يوما هذا، وذلك لأسباب عدة، أهمها: أن الحركة كانت على حدود التورط في صراع عسكري مع حماس في مراحل ما، بسبب ممارستها لنشاطات عسكرية وأمنية خارج القواعد العامة التي رسمتها حماس وبالفعل وقعت اشتباكات وضحايا في بعض المراحل، كما أن الحصار الإسرائيلي بدأ يشتد أكثر ومفعوله أخذ يتضاعف أكثر، وأصبحت احتياجات الناس المعيشية محل ابتزاز إسرائيلي، وخلقت "إسرائيل" نظرية عملية مجردة؛ يناقض العمل المقاوم فيها الحاجة اليومية للمواطن.

وجاء صعود الإخوان المسلمين في مصر وتونس إلى السلطة، ليراكم الملكية والنرجسية في رؤى حماس لتصوراتها وفي سلوكها تجاه نفسها والآخر، ولكن ذلك سرعان ما تلاشى مع سقوط حكم الإخوان المسلمين وتراجع حضورهم السياسي، وقناعتهم المتأخرة بضرورة تحقيق السلطة لا من خلال السلطة بل من خلال الحوار وجمع المكونات السياسية المختلفة على قواسم مشتركة، ومن هنا بدأ سلوك حماس يتغير شيئا فشيئا عبر تفعيل دور القوى الوطنية والإسلامية وتفعيل الحوارات الفصائلية وغيرها من الانعكسات.

مسيرة العودة.. خطوة أخرى لتفعيل المشاركة السياسية

كان تفعيل دور الفصائل والقوى في اتخاذ القرار وبناء السياسات بالنسبة لحركة حماس اختبارا ناجحا، وفي غضون سنوات قليلة تمكنت الحركة من ضمان نفسها في محور فصائلي معين يضم بشكل أساسي حركة الجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وهذا المحور أخذ دور النقيض لسياسات السلطة الفلسطينية، وانخرطت هذه الفصائل بأدوار نقيضة للسلطة، فمثلا: قادت الجبهة الشعبية حراك ارفعوا العقوبات عن غزة ورفضت المشاركة في جلسات المجلس الوطني ودعت لمقاطعته، بينما تتبنى حركة الجهاد في الآونة الأخيرة مبدأ التشكيك بشرعية المنظمة كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، وهكذا استطاعت حماس تفعيل قطاعات مواقفية مشتركة بينها وبين هذه الفصائل بنجاح وذكاء.

ورأت حماس أن هذا التفعيل يحقق وجودا لأهدافها على حساب وجودها البارز المباشر، فدخلت مرحلة أخرى من بناء العلاقات التشاركية مع مكونات الشعب الفلسطيني وتحديدا في قطاع غزة، وساهمت بشكل أساسي وكبير في انطلاق مسيرات العودة، والتي يمكن اعتبارها على أنها إشراك ودمج للناس في صنع القرار وتنفيذ السياسات وكذلك تحقيق الإنجازات. إن حماس كانت تعلم أن الجماعات السياسية يمكن أن تنحاز في لحظة ما إلى احتياجات قواعدها الجماهيرية وقواعدها الاجتماعية، لذلك سعت إلى تجنيد هذه القواعد في عملية سياسية ونضالية مشتركة، على أن يتحقق لهذه القاعدة الحضور ولقيادتها التمثيل. وبعد سنوات من تعطيل الدور السياسي للفرد في القطاع، أصبح هذا الفرد ينطلق للحدود ليمارس دورا سياسيا أساسيا، ثم يعود لبيته في انتظار الإنجاز الذي تحقق من خلاله وغيره.

السياق يضغط حماس

في مرحلة متأخرة من مسيرة العودة، أصبحت حماس على قناعة أن النضال يحتاج إلى الشراكة ولكن التفاوض يتم بالتفرد،  لأن التفاوض في ظل وجود أطراف كثيرة ومواقف متعددة قد يفسد النتائج والعملية التفاوضية ككل. وذهبت الحركة في مرحلة ما، باتجاه التفاوض المنفرد سواء مع المصريين أو غيرهم. لكنها اكتشفت أنها لا تستطيع أن تعيد التاريخ للوراء، وأصبح الفرد يرى بنفسه فاعلا ويستطيع التغيير على المستوى الداخلي والخارجي (جزء من التفسير لحراك بدنا نعيش)، وكذلك الجماعة السياسية أو الفصيل الذي أخذ ينفرد كذلك بمواقف وسلوكيات خارج إرادة الحاكم الفعلي (جزء من التفسير لقصف الجهاد الإسلامي لمستوطنات غلاف غزة خارج إجماع الغرفة المشتركة)، وحتى محاولة حماس لخلق معايير أخلاقية جديدة للعمل المقاوم من خلال تعبيرات جديدة كغرفة العمليات المشتركة أو الإجماع، لم تسعفها في بعض الأحيان من خروج الجهاد الإسلامي كمثال على هذه "المعايير الأخلاقية" وتنفيذ عمليات قصف في إطار رؤيته الذاتية.

إن هذه المتغيرات الجديدة تجعل من الصعب جدا إمكانية استمرار أي اتفاق كبير يخص القطاع أو حتى الوصول إليه، إلا إذا راعت حماس تطلعات ومواقف كل الأطراف، وهذه عملية معقدة يمكن أن تؤخر أي اتفاق بخصوص القطاع، ولذلك فإن حماس مضطرة اليوم للتعامل بحذر مع خياراتها ومواقفها، وأن تعتمد أكثر على الاتفاقات التكتيكية البسيطة للحفاظ على حالة من الاستقرار الداخلي، لأن هذه الاتفاقات البسيطة تخفف من الضغط الداخلي على مستوى الجماهير، وتخفف من حدة المواقف النقيضة على مستوى الفصائل.