الأحد  17 تشرين الثاني 2019
LOGO

تجليات الاقتصاد السياسي في فلسطين/ بقلم: لميس فراج

2019-07-22 08:10:49 AM
تجليات الاقتصاد السياسي في فلسطين/ بقلم: لميس فراج
لميس فراج

 

في السياق الفلسطيني، لا يمكن دراسة أو فهم الاقتصاد الفلسطيني، بمعزل عن الاقتصاد الإسرائيلي، أو دون توضيح للعلاقة مع "إسرائيل" المتأطرة في الظاهر ضمن بروتوكول باريس، وفي العلاقات المبطنة والتي تعود إلى ما قبل إعلان الدولة الفلسطينية. وعلى الرغم من الادعاءات أو محاولة تبيان أن (دولة فلسطين) نهضت في اقتصادها شبه المستقل، وأصبح هناك حكومة قادرة على إدارة موازنتها وبتمويل يصل إلى أكثر من 80% من الموازنة من الضرائب؛ إلا أنه لا يمكن تجاهل أن هذه الظواهر ما هي إلا ظواهر غير قادرة على نفي العلاقة بين رأس المال الفلسطيني والسلطة الفلسطينية، ورأس المال الإسرائيلي، والتي أشبه بعلاقات معقدة وسرية يصعب إثباتها بالدلائل الموضوعية، مع العلم أن معظم الفلسطينيين يدركون تلك العلاقة.

تسعى هذه الورقة إلى تقديم بعض المقتطفات حول شكل العلاقة بين رأس المال الفلسطيني، السلطة، ورأس المال الإسرائيلي، وتطور تلك العلاقة، علما بأن هذه الورقة تقدم فقط مقتطفات بسيطة لتلك العلاقات، في حين أن هناك عدة أشكال للعلاقة، تعاقد الباطن، مثل سماسرة التصاريح، المقاولين في إسرائيل، الاتفاقيات الثنائية، الاستثمارات العابرة للحدود وغيرها، لم يتم تغطيتها ضمن هذه الورقة والتي تحتاج إلى التعمق والبحث فيها.

الاقتصاد السياسي، من منظمة التحرير إلى السلطة الفلسطينية

يعتبر الاقتصاد السياسي مفهوما متشعبا، تعددت الكتابات حوله، وتعددت التعريفات؛ حيث قدم العديد من الأكاديميين والباحثين والمفكرين تعريفات متعددة لمفهوم الاقتصاد السياسي، تعرف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الاقتصاد السياسيين بأنه تحليل يهتم بتفاعل العمليات السياسية والاقتصادية في المجتمع، من حيث توزيع القوة والثروة بين المجموعات والأفراد المختلفين، والعمليات التي تنشأ وتديم وتحول هذه العلاقات مع مرور الزمن[1]. في حين اعتبر انجلز أن "الصفقات الاقتصادية لا تحدث بين الأشياء، بل بعلاقات بين الأشخاص، وفي التحليل الأخير بين الطبقات"، واعتبر خليل نخلة في كتابه " فلسطين: وطن للبيع" أن التفاعل بين الاقتصاد والسياسة ليس جديداً في التاريخ البشري. فهدف كل طرف في هذه العملية هو استخدام الطرف الآخر لمساعدته في زيادة تكديس رأسماله سواء كان رأس المال هذا ماليا، أو سياسيا، أو اجتماعيا."  [2] وبالتالي من الممكن الاستدلال بأن الاقتصاد السياسي هو تحليل وفهم العلاقات بين نهج الاقتصاد المتبع وأدواته، ورأس المال، وتجليات هذه الأدوات.

رأس المال الفلسطيني قبل وبعد أوسلو

تطورت أشكال ومظاهر الرأسمالية في فلسطين تبعا للتطور الموضوعي والمرتبط بشكل العلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي، وتحديدا في تهجير الفلسطينيين، وما تبعه من تشكيل لنوعين من الرأسماليين، (الرأسماليين المحليين) والذين يعبرون عن مجموعة من الملاكين الذي يملكون بعض من المصانع متوسطة الحجم، و(رأسماليين الشتات)، والذين تشكلت ثروتهم خارج حدود الدولة الفلسطينية. أما الفئة الأولى فتعبر عن المستثمرين والذي كان لهم استثماراتهم قبل عام 1948 أو نشأت بعد ذلك، في المناطق الفلسطينية، والتي تحددت علاقاتهم مع الإسرائيليين من خلال تعاقد الباطن، تحديدا في صناعة المنسوجات والجلود والأحذية. في حين أن الفئة الثانية وهي التي تجسد الاقتصاد السياسي المتبع في فلسطين هي الفئة المهيمنة، والتي برزت استثماراتها وملكياتها خارج فلسطين، وتنوعت استثماراتها وتطورت تبعا للتطور في العالم، الأمر الذي يستدعي دراستها لما لها من علاقات اقتصادية واضحة مع الإسرائيليين ولتأثيرها البارز على الطبقة السياسية الفلسطينية [3].

مقتطفات "رأسماليو الشتات ومنظمة التحرير"

 تداخلت العلاقة بين رأس المال الفلسطيني (رأسماليو الشتات) والنخب السياسية، حيث كان للعديد من كبار المستثمرين الفلسطينيين، المناصب، والعلاقات المباشرة وغير المباشرة مع منظمة التحرير، بالرغم من تحفظات واعتراضات بعض الفصائل في منظمة التحرير على تلك العلاقة، أو حتى على أن يتم دمج الرأسماليين في منظمة التحرير. كان لهذا التداخل كما أي علاقة تكاليف مصالح مزدوجة، ساهمت في تحديد العلاقة الظاهرة في يومنا هذا. ومن الأمثلة البارزة التي تشير إلى تلك العلاقة:

  • البنك العربي، واحدة من أكبر المؤسسات المالية في العالم، تأسست في القدس عام 1930، وانتقلت إلى الأردن، بعد عام 1948، الأمر الذي ساهم في نجاح البنك وتمدده، وتحديدا مع الإدارة الجيدة التي حققت هذا النجاح بالرغم من الأزمات السياسية والعسكرية في المنطقة. كان شومان أول رئيس للصندوق القومي الفلسطيني، المؤسسة المالية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وخلال عامي 1980 و1990؛ أدار البنك العربي عشرات الملايين من الدولارات لمنظمة التحرير الفلسطينية، ويشاع أن قروض شومان أنقذت السلطة الفلسطينية من الإفلاس. كما استطاع شومان أن يساهم في إنقاذ الأردن خلال الأزمة الاقتصادية عام 1989، من خلال دعمه للدينار الأردني. ومن أبرز إسهاماته أنه استطاع إخراج منظمة التحرير من الأردن بدون أي أذى، في ظل أحداث أيلول الأسود، بالتعاون مع منيب المصري، صاحب مجموعة "ادجو" النفطية العالمية، والذي كان يشغل منصب وزير الأشغال في الحكومة الأردنية.
  • مجموعة شركة اتحاد المقاولين، حسيب صباغ، تأسست في حيفا وانتقلت إلى بيروت بعد 1948 ثم إلى أثينا، شركة عالمية متعددة الجنسيات، تشمل مشاريعها بناء سجن أبو غريب، توسعة مطار رونالد ريغن في واشنطن. كان صباغ عضوا في المجلس الوطني الفلسطيني، والمساهم الأول في الحوار مع الولايات المتحدة.

مرحلة ما بعد أوسلو:

يعتبر الباحث والأكاديمي الدكتور طارق دعنا في ورقته "الرأسمالية الفلسطينية المتمادية"، أن علامات النفوذ الرأسمالي في السلطة الفلسطينية تبرز في المادة 21 من القانون الأساسي، والتي تنص على "أن يقوم النظام الاقتصادي في فلسطين على أساس مبادئ الاقتصاد الحر" بالرغم من أن دستور الولايات المتحدة، يسمح بتبني استجابات مختلفة لظروف اقتصادية محددة. [4]كما تعتبر دراسة أعدتها مؤسسة مفتاح وبالاستناد إلى مؤشرات عدالة الضرائب؛ أن النظام الضريبي القائم في فلسطين لا ينسجم ومعايير العدالة الاجتماعية. في حين كتب خليل نخلة في كتابه "فلسطين: وطن للبيع" أن قانون تشجيع الاستثمار، جاء منحازا للشركات الكبيرة، وبالتالي عزز من احتكارات الجماعات ذات النفوذ السياسي".

الاقتصاد الحر في فلسطين:

خلال مرحلة بناء الدولة، والتي انطلقت من اعتبار أن الاقتصاد الفلسطيني قائم على الاقتصاد الحر، وأن بناء الدولة يتطلب دعم القطاع الخاص، بما ينسجم وبروتوكول باريس، وما ترتب عليه من سن قوانين مثل قانون تشجيع الاستثمار، وقانون تنظيم أعمال الوكلاء التجاريين، ومنح للاحتكارات، ظهرت الاحتكارات الخاصة، والاحتكارات العامة، والتي عززت من قدرة كبار الرأسماليين في التأثير في السياسات العامة، بما ينسجم ومصالحها.

كما منحت الحكومة الفلسطينية حقوقا حصرية لبعض من المستثمرين الكبار، بمعنى أقصت أي مستثمر آخر عن التفكير في أي استثمار مشابه، وجعلت التحكم في يدي المحتكرين، الأمر الذي تجاهل المستهلك الفلسطيني، وكبله بتحكم المحتكرين، حيث بدأت هذه الاحتكارات بتأسيس شركة الاتصالات عام 1995، التي تتبع لشركة باديكو المرؤوسة من قبل صبيح المصري، والتي منحت ترخيصا لمدة 20 عاما، وفي عام 2016 تم تجديد رخصتها مرة أخرى.

أما الاحتكارات العامة، والتي عبارة عن احتكارات تملكها الحكومة، فتجسدت من خلال صندوق الاستثمار الفلسطيني، وملكياته، والتي أبرزها شركة سند للإسمنت، إضافة إلى شركات تساهم فيها الحكومة الفلسطينية بنسب متفاوتة. فعلا سبيل المثال يساهم صندوق الاستثمار في حوالي 17% من شركة أبيك، شركة أبيك وهي التي تمثل المجموعة الأم لسبع شركات متنوعة، التي تم تأسيسها من قبل عمر العقاد، ومملوكة من مجموعة من المستثمرين تشمل عمر العقاد، وحسيب الصباغ، ومجموعة من الشركات السعودية، وغيرها. يوضح هذا المثال العلاقة بين التزاوج بين رأس المال الفلسطيني والحكومة الفلسطينية، وتحديدا الرابط السيد محمد مصطفى والذي كان اسمه أحد الأسماء في مجموعة أوراق بنما.

ومن الأمثلة التي تشير بشكل واضح على تأثير رأس المال الفلسطيني وتحكمه في العلاقة مع الإسرائيليين؛ ما حدث عام 1997، حيث قام وزير الشؤون المدنية (جميل الطريفي) بالتنسيق مع الإسرائيليين لإغلاق الحدود بين الأردن وفلسطين، لتحقيق مصالح شركة الطريفي المستوردة للإسمنت. إضافة إلى احتكار استيراد الدقيق والذي تم من خلال محمد جرادة الذي كان مستشارا لوزير المالية، حيث إنه اتهم باحتكار استيراد الدقيق من خلال شركاته وبالتعاون مع وزارة التموين. [5]

بروتوكول باريس والعلاقة مع الإسرائيليين:

نظم بروتوكول باريس العلاقة الاقتصادية بين الجانب الفلسطيني والجانب الإسرائيلي، والذي حدد كافة الجوانب على شاكلة ما كان مفروضا ما قبل توقيع اتفاقية أوسلو، إلا أنه تم تحويله إلى علاقة تعاقدية بموافقة الطرفين.  تم تحديد العلاقة بناء على نظام الاتحاد الجمركي، والذي يعني سوق للتجارة الحرة بين الدول الأعضاء، وتحديد استراتيجية مشتركة بشأن السياسة التجارية مع الدول غير الأعضاء. والتي هي سياسة تجارية واحدة تجاه الأطراف الأخرى مع بعض الاستثناءات.

أثر بروتوكول باريس على كافة الجوانب الاقتصادية والاجتماعية الفلسطينية، بدءا من التأثير المباشر على الضرائب غير المباشرة، والتي تم تحديدها بحسب الضرائب في إسرائيل بفرق هامش بسيط جدا، إلى فرض العلاقات التجارية التي تجبر الفلسطينيين بشكل غير مباشر على الاستيراد من خلال الوكلاء الإسرائيليين تبعا لعدة عوامل (الكوتا، قوة الاقتصاد الفلسطيني، السيطرة الإسرائيلية على المعابر...) كما عمل بروتوكول باريس على شرعنة العلاقة بين المستثمرين الفلسطينيين والإسرائيليين والتي مرت في مراحل متعددة، ولاقت هجوما في محطات تفاعل حملات مقاطعة الإسرائيليين.

كما برزت الاستثمارات الفلسطينية في "إسرائيل والمستوطنات"، حيث وفي إشارة للاستثمارات الفلسطينية في إسرائيل والمستوطنات، فقد كتب دعنا "تفيد إحدى الدراسات بأن رأس المال الفلسطيني المستَثمر في إسرائيل ومستوطناتها غير القانونية يفوق بكثير رأس المال الفلسطيني المستَثمر في الضفة الغربية - ما بين 2.5 و5.8 مليار دولار مقابل 1.5 مليار دولار فقط في الضفة الغربية. وقد اتهمت وزارة الاقتصاد الفلسطينية الدراسة بأنها تفتقر إلى الدقة والموضوعية، في حين وصفها بعض الاقتصاديين بأنها تعاني من مشكلات منهجية بالغة. ومع ذلك يبقى فحواها جدير بالذكر. وقد قال مصدرٌ في وزارة الاقتصاد للكاتب إن "الكثير من رجال الأعمال الفلسطينيين يستثمرون في المستوطنات الصناعية مثل بركان ومعاليه أدوميم وغيرها من المجمعات الصناعية الزراعية في غور الأردن"[6]

كما أشار إلى أن هناك دراسات خلصت إلى أن هناك علاقة بين شركات فلسطينية وشركات إسرائيلية تحديدا داخل المستوطنات قائمة على وضع علامة "منتج فلسطيني" على منتجات المستوطنين لتسهيل تصديرها إلى الأسواق الدولية وتحديدا منتجات غور الأردن. ومن أبرز الأمثلة اللافتة للانتباه هي مشروع "صدارة" القائم في رام الله، حيث يمثل هذا المشروع التعاون المشترك مع الشركات الإسرائيلية في مجال التكنولوجيا، الذي تم تأسيسه من قبل سعيد ناشف ويادين كوفمان ويديره فريقٌ من الخبراء الإسرائيليين والفلسطينيين في مجال التكنولوجيا وخدمات الإنترنت.

رأس المال الفلسطيني ودوره في السياسات الفلسطينية

كان لرأس المال الفلسطيني الأثر الواضح على التأثير في السياسات الاقتصادية، وبما يخدم مصلحته، ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال بعض الأدلة السريعة، فعلى سبيل المثال:

  • تم إقرار قانون الوكالات عام 1996، بهدف زيادة الاستيراد، وبالتالي زيادة الإيرادات عن طريق الجمارك، إلا أن هذا القانون يتطلب من كل شركة تعمل في الأراضي الفلسطينية أن يكون لها ممثل أو وكيل حصري واحد، وبالتالي نتج عن هذا القرار أن سهل لكبار المستثمرين احتكار استيراد بعض المنتجات من الشركات العالمية الضخمة، مثل شركة باديكو، وأبيك. في حين لم يكن هناك فرصة لصغار المستثمرين ما يمكنهم من الحصول على الوكالات، وعلى العكس من ذلك أدى هذا القانون إلى زيادة المنافسة على البضائع ذات العلامات التجارية المستوردة في السوق المحلية، الأمر الذي أثر سلبا على المنتجات المحلية وقدرتها على المنافسة من جانب، وأقصى الرأسماليين المحليين، وساهم في تمكين نفوذ كبار الرأسماليين.[7]
  • مؤتمر الاستثمار الفلسطيني 2008_2010، عقد هذا المؤتمر عدة مرات خلال الأعوام المذكورة، حيث شارك في هذا المؤتمر مستثمرون فلسطينيون وإسرائيليون، وغيرهم من الأجانب، كان هذا المؤتمر برعاية سلام فياض، والذي دعا إلى تشجيع الاستثمار، والنهوض في التطور التكنولوجي، وتطوير العلاقات الاستثمارية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي. نتج عن هذا المؤتمر مقترح مدينة روابي، المناطق الصناعية المشتركة، ومنح امتياز لبنك فلسطين.
  • ضريبة الدخل: خلال عام 2012، وزيادة العجز في الموازنة العامة؛ ارتأى سلام فياض زيادة الشرائح الضريبية، على الدخول المرتفعة، إلا أن هذا الرأي تمت مواجهته بشدة، من جانب المستثمرين، ومن جانب حركة فتح، الأمر الذي أفشل هذه المحاولة، ومع تزايد الضغط على سلام فياض، قدم سلام فياض استقالته، [8]ومن ثم أصبح رامي الحمد الله رئيسا للوزراء، الذي أصلا كان رئيس جامعة النجاح التي تتبع لعائلة المصري، وبالتالي فإن السياسات التي جاءت على اثر رامي الحمد الله كانت منسجمة تماما مع مصالح المستثمرين، وما قدم من تسهيلات كانت نتائجها البادرة إنشاء منطقة روابي.

هذه بعض الأمثلة التي تشير إلى العلاقة ما بين رأس المال الفلسطيني والسياسات المالية المتبعة، وقد تكون هناك العديد من الأمثلة التي توضح السياسات التي أسهمت في مقايضة المصالح الاقتصادية بالحقوق الوطنية.

 


[1] Political Economy Analysis How to Note, department for international development 2009

[2]نخلة، فلسطين وطن للبيع، 2010

[3] المصدر السابق

[4] دعنا، الرأسمالية الفلسطينية المتمادية، 2014

[5] Markus Bouillon, 2010, Mediterranean Politics, The Failure of Big Business: On the Socio-economic Reality of the Middle East Peace Process

[6] دعنا، الرأسمالية الفلسطينية المتمادية، 2014

[7] Markus Bouillon, 2010, Mediterranean Politics, The Failure of Big Business: On the Socio-economic Reality of the Middle East Peace Process