الخميس  17 تشرين الأول 2019
LOGO

صحافة الجدران في فلسطين

2019-08-22 12:24:02 PM
صحافة الجدران في فلسطين
صحافة الجدران في فلسطين

الحدث - مي هماش

تجد على الجدران الفلسطينية كل ما يملكه اللاجىء في وعيه ولا وعيه، فنرى دينه وانتماءه وجنسه، نرى حبه للوطن، تعلقه بالمكان، أمله وحلمه يرسمها كلها في شعارات لأحزاب وأيديولوجيات يعتقد أنها قد قصرت المسافة بين حلمه وعودته، ولذلك حاول كل فصيل إبراز نفسه، ومنافسة الفصائل الأخرى، ليجسد نفسه في حلم العودة فيذكر بتضحياته وما قدمه من شهداء، وقد يستخدم أحداثا معينة قام بها فصيل آخر كنوع من اللوم وإبراز تخليه عن القضية الفلسطينية وانسياقه وراء مصالحه الشخصية، كذلك يستخدم أبناء كل فصيل كلمات مشهورة لقادتهم للتذكير بهم وبإنجازاتهم، ولكن على الرغم مما نجده من مناكفات حزبية على الجدار إلا أننا نرى إجماعا على قضايا رئيسية مقدسة لا يمكن تجاوزها كقضية الأسرى والشهداء واسترجاع القدس والعودة إلى الوطن والوقوف إلى جانب المقاومة واقتدائهم بفنزويلا والعراق وجنوب لبنان كمثال نموذجي للمقاومة.

سميت صحافة الجدار أو الصحافة الجدارية بهذا الاسم؛ بسبب لجوء الشباب الفلسطيني في مراحل معينة إلى التعبير عن نفسه وتبادل الرسائل المعني إرسالها إلى المجموعات المتقاربة في الأهداف، عن طريق رموز كلمات، أغاني، شعارات، كاريكاتير وصور، يتفنن بها الشاب الفلسطيني حسب المرحلة السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية والثقافية التي كان يمر بها، فيخطها على جدران أزقة المخيم، وساحات المدن، وأسطح القرى، لتكون البوصلة التي توحدهم على نفس الطريق.

تكتسب صحافة الجدار هذا النوع من الأهمية، من أهمية التواصل، وتوحيد الهدف، والتذكير المستمر بالأحداث التاريخية والمعاناة التي تعرضت لها الأرض الفلسطينية وسكانها، ولا بد أن لعامل التعبئة السياسية الأهمية الأكبر بالرغم من الرسالة غير المباشرة التي تقدمها، وأيضا شحن الفلسطينيين بمفاهيم فلسطين والوطن والقرية المهجرة والخيمة الظالمة التي أصبح لها حدود وأصبحت واقعا يغص قلوب الناظرين إليها، وأيضا التعامل مع هذه الجداريات والأخبار والرموز المخطوطة عليها كتاريخ للواقع الفلسطيني، كالقبضة وعلامة النصر، العلم الفلسطيني، البندقية، وصور الرموز الشهداء والأسرى والقيادات الشعبية التي استشهدت نتاج المقاومة.

لقد انتشرت صحافة الجدار وبقوة في فترة الانتفاضة الأولى من سنة 1987م إلى سنة 1991م إلى أن وقعت اتفاقية أوسلو، فانتشرت الرسومات والكتابات التي تدعو للثورة والانتفاضة. قبل بدء الانتفاضة كانت الكتابة على الجدران حكرًا على فصائل منظمة التحرير، وعندما تفجرت الانتفاضة بدأت حركتا حماس والجهاد الإسلام"، الكتابة على الجدران بدون خبرات سابقة وأصبحت هذه الكتابة من نشاطاتها. كانت هذه الكتابات تبدأ بالشعارات التاريخية كما كان يتم اللجوء إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والاقتباس من الأناشيد والأشعار الإسلامية ومن هذا المنطلق فقد أكثرت شعارات حماس من وصف الانتفاضة بأنها "إسلامية" و"مباركة" وأنها "ثورة مساجد" وأنها "حرب عقائدية" وأن استمرارها "قدر رباني" وأن عنوانها الكبير صيحات التكبير وأن الإسلاميين هم الذين "فجروا" الانتفاضة. من الجهة الأخرى لم تركز شعارات القيادة الوطنية الموحدة على إعطاء وصف محدد للانتفاضة.

جاءت هذه الكتابات في ظل غياب وسائل الإعلام التي لم تستطع النفاذ في زمن الانتفاضة إلى الرأي العام الفلسطيني نظراً للممارسات الشديدة التي قامت بها سلطات الاحتلال عليها من اعتقال للصحفيين وإغلاق أماكن عملهم، وتشديد دائرة الرقابة عليها؛ فكان الجدار المكان الوحيد لنقل مجريات الواقع وأصبحت للجدران وظيفة إعلامية مما جعل جدران فلسطين توصف بأنها جريدة الشارع الفلسطيني وأصبحت القيادات المحلية تستعمله لإيصال الرسائل التي لا تستطيع إيصالها عبر مختلف وسائل الإعلام. وحرصت الفصائل الفلسطينية المختلفة على الإكثار من الكتابات الجدارية لأنها تمثل إحدى علامات الوجود والقوة في منطقة معينة على سبيل شعار "فتح مرت من هنا" و"حماس في كل مكان"، كما أكثرت الفصائل من كتابة أسمائها "مجردة" في كل الأماكن كأسلوب للدعاية وإثبات الوجود. ومن هنا فقد قام البعض في الساحة الفلسطينية بمسح شعارات الآخرين لنفس الأسباب.

لكنّ الصحافة الجدارية تعيد اصطدامنا بالواقع باستمرار، وتؤرخ مراحل المكان، وأسماء الشهداء والأسرى، وتبقى شاهدة على أسماء القرى والمدن المُهجرة. إنَّ تحليل الصحافة الجدراية يعطينا نسقًا ثقافيًا متكاملًا حول كل مرحلة بمرحلتها، فهي تعكس العلاقات الاجتماعية والسياسية، وتبرز القضايا والثوابت الوطنية الّتي ناضل الفلسطينيون من أجلها حتى يومنا هذا، تُبقي كل هذه القضايا أمام نظرنا، وتحول دون إمكانية النسيان.