الإثنين  16 أيلول 2019
LOGO

عِظَةُ الوَاديْ

عبد الرحيم الشيخ

2019-08-22 12:48:31 PM
عِظَةُ الوَاديْ
عِظَةُ الوَاديْ

 

للفلسطينيِّ علاقة بالماء، غاب أو حضر، لا يسبرها إلا فلسطينيٌّ استبطن ذاتَ الماء، واستبطن الماءُ ذاتَه، فتساكَنَا، وصارا وحدة وجود تتأمَّل ذاتها، من الدَّاخل الشَّفيف، على غفلة من سطوة الخارج الكثيف بنُظُم العلاقات الطَّاردة للأمل والتَّأمل، في آن معاً، عن مركز الحياة.

لكنَّ هذه العلاقة بالكثيف، علاقة الفلسطينيِّ بالعناصر (تراباً، وناراً، وهواءً، وماءً)، انحكمت بكونها علاقة فرجويَّة بحكم صراع الفلسطينيِّ مع عدوٍّ يسعى للسَّيطرة حتَّى على فعل الفُرجة، وأمكنتها، وأزمنتها، وقوانين أدائها… فصار القتال الفُرجويُّ ضرورةً سياسيَّة، ووجوديَّة، وإن لم يكن ضرورةً جماليَّة. وبذا، فقد حرم العدوُّ الفلسطينيَّ لا من الحقِّ في عناصره وحسب، بل ومن حقِّ تأمُّل العناصر دون أن يعلَق بها غبار السِّياسة، أو تعلَق هي بغبار الحرب المفتوحة على الأحرار والحريَّة والتَّحرير. 

ولذا، فقد انشغل الفلسطينيُّ بامتداد العناصر كجزء من قتال عدوِّه على جوهرها، فسقطت أسماء الماء، من ضمن ما سقط، شهيدةً في ميدان المواجهة، وصار فواتاً معرفيَّاً لدى الفلسطينيِّ أن يعلن أنَّ الماءَ: حرٌّ، ومتواضعٌ، وحالم، ومؤثِّر، وكريم، وعصاميٌّ، وصبور، ومتذكِّر، وعزيز، وصارم، وحليم، وجَسورٌ، وطيِّب، وغنيٌّ، ومستقلٌّ… وله أسماؤه الفلسطينيَّة الـحُسنى. 

في فلسطين، يحتجب موضوع التَّأمُّل بقدر احتجاب المتأمِّل، بوصفه بعضاً منه، ويبقى فعل التَّأمُّل دليلاً وحيداً على فاعله موزِّع الهوى بين تحريض الشَّاعر على أنَّ الثِّقة تعيد للكائن مواطنَتَه السَّالبة-«ثِقُوا بالماء يا سُكَّانَ أُغنيتيْ»؛ وتوكيد الفيلسوف على أنَّ الكينونة تعيد للكائن معانيه الغائبة-«كُنْ شلَّالاً وكُنْ سمكة». لكنَّ في ثنائيَّة محمود درويش وحسين البرغوثي، ما يشي أنَّ الثِّقة بالماء هي عتبة إدراك الوجود سواء بهيئة الشَّلَّال أو هيئة السمكة، إذ دون الثِّقة بالماء، بوصفه علاقةَ وجود مفتوحة، لن نتمكَّن من صياغة الأغنية، ولا حتَّى ترديدها، إن صاغها غيرُنا. 

عبر هذا الكتاب، يقتادنا الفلسطينيُّ أبو علاء منصور (مقاتلاً وشاعراً، واثقاً بالماء وساكناً أغنيته، شلَّالاً وسمكةً) من قلوبنا إلى الماء الذي ليس لنا أن ندرك فاعليَّته الاجتماعيَّة إلا بمراقبة علاقته بالموجودات الصَّمَّاء، ونحن منها، لنقع في حبِّ الماء من أول لـمسة: فنكوْنُه ويكوْنُنا، دون أن يباغتنا العدوُّ بادِّعاء أصالةٍ، أو زعم جدارة… فكتاب «الماء لا يتعثَّر بالصُّخور» دليل المقاتل الشَّاعر في ملابسة فعل «التَّغيير المحايد» الذي تمليه سماحة الماء من غير سوء، حين يعزُّ القتال ويحتجب الشِّعر، لكنَّه كذلك، بيان الفلسطينيِّ الذي لم يشغله القتال، بالبندقيَّة، دفاعاً عن امتدادات العناصر، عن التَّبشير، بالفكرة، دفاعاً عن جواهرها. 

في الثَّاني من حزيران من العام 2011، خلال إطلاق رواية الأسير الفلسطينيِّ حسن فطافطة… صادفت منصور، وسألني عن الكتابة، وكنت، حينها، أحاول تأمُّل «سماحة الماء» التي رأيت فيها محاولة قد تدفع شبهة العنف، وما هو بشبهة وما ينبغي له، عن الماء بعد «موجات المدِّ البحريِّ»، على ما في التَّسمية من إشكاليَّة، في العامين 2004 و 2011 والتي وصفت بـ«أعنف أفعال الطَّبيعة» منذ فجر التَّاريخ.  باغتني بالقول إنَّه ينجز كتاباً حول الماء، لا سماحته وحسب، فتوقَّفتُ عن الكتابة، وواصل هو… ووصل. 

بلا تأنُّق بلاغيٍّ، ولا ادِّعاء سياسيٍّ، صاغ منصور كتابه الفريد مزاملاً الشِّعر وغير مدَّع للفلسفة، بل مسجِّلاً، محض تسجيل، تواضع العارف في مُلابسة سرِّ الحياة في أوَّلها وآخرها. من شكل الماء اشتقَّ منصور شكل الكتابة: قطرةً قطرةً، فأتت على هيئة شذرات لا يداني حسنها إلا حسن بَاْشُوْ في «الدَّرب الضَّيِّق إلى الذَّات»؛ ومن بنية الماء العاشقة، في عُنصريَهِ الهوائيَّين ومسارات تحوُّلاتهما، اشتقَّ منصور، فحوى الكتابة: زفرةً زفرةً، فأتت الكتابة على هيئة حقائق لا يداني حزنها إلا حزن يسوع في «عظة الجبل». بين حكمتين مشرقيَّتين، زِِنِّ الهايكو ورعويَّة الإنجيل، خطَّ منصور «عِظَةَ الوَادِيْ» حين قرَّر أنَّ «الماء لا يتعثَّر ُ بالصُّخور»، لكنَّه «يُفتِّتها» حين «يواصل الإنشاد عبر الوادي». 

ببساطة لا ينقصها البريق، ابتعدَ منصور عن تجربته اللَّافتة في توثيق مسيرة الثَّورة الفلسطينيَّة، التي كان ولا يزال مقاتلاً لامعاً في صفوفها، واتَّخذ من الماء أمثولةً في إعادة النَّظر في المفاهيم دون خَطابة عالية، ودون ادعاء فرجويٍّ، ودون وقوعٍ للحافر على الحافر، وإن كثر تقاطُر التَّناص إلى مغناطيس الحكمة.  في هذا الكتاب درس كبير في التَّأمُّل، بما يحيل إليه فعلُ التَّأمُّل من ازدواج النَّظر والأمل: فيعلِّمنا كيف ننظر إلى الماء وكيف نُعلِّقُ أقمار آمالانا على ما فيه من عنف رمزيٍّ سيؤدِّي يوماً مهمَّة التَّغيير التي لم تنجزها «شريعةٌ»، ولم يجترحها «ناموس»… وفي الدَّرس، دون شكِّ، ما يغوينا بكتابة عنه لن تكتمل.

مقدمة كتاب "الماء لا يتعثر بالصخور. عمان: الدار الأهلية للنشر والتوزيع. 2019"

  • ولد محمد سليم يوسف، "أبو علاء منصور"، في العام 1949 في قرية بلعين-رام الله، وتنظَّم في حركة التحرير الوطني الفلسطيني-فتح على يد نادر القدومي العام 1968.درس منصور الرياضيات في جامعة بغداد حتى العام 1972. وإثر عودته إلى فلسطين، عمل منصور أستاذاً لمدة عامين، حتى انكشف أمر خليته التي نفَّذت "عملية بنك لئومي" ذائعة الصيت في شارع ركب بمدينة رام الله بتاريخ 8 تشرين الثاني 1973، وتمكَّن من "عبور النهر" إلى الأردن يوم الإثنين الموافق 22 نيسان 1974. عمل منصور في الصف الأول من قيادة حركة فتح وصار عضواً في قيادة "لجنة التنظيم 77" التابعة للقطاع الغربي في حركة فتح منذ العام 1977، ومسؤول مكتب "لجنة التنظيم 77" في سوريا، التي اعتقل فيها مرتين، ومن ثم مديراً لمكتب الانتفاضة في العام 1990... وقبل عودته إلى فلسطين، التي تأخرت سنتين على عودة قيادات وكوادر منظمة التحرير الفلسطينية بسبب الممانعة الإسرائيلية، أصبح منصور أمين سر منطقة الوسط (القدس، ورام الله، وأريحا) في حركة فتح (1990-1996)، وأمين سر منتخب لإقليم حركة فتح في رام الله والبيرة (1998-2007). وقد طورد منصور من قبل قوات الاحتلال الصهيونية خلال انتفاضة الأقصى سوية مع رفيق دربه الأسير النائب مروان البرغوثي. ومن كتبه: "بلعين في المقاومة الشعبية" (2007)؛ "انتفاضة المقهورين" (2009)؛ "عبور النهر" (2011)؛ "رحلة لم تكتمل: محطات على طريق المقاومة" (2018).