الإثنين  14 تشرين الأول 2019
LOGO

فلسطينيو الداخل ومسلسل "منى"

2019-09-25 09:22:32 AM
فلسطينيو الداخل ومسلسل
مسلسل منى

 

 الحدث - مي هماش

الحديث عن مفهوم الهوية في التجمع الاستيطاني "الإسرائيلي" يُظهِر إشكاليات وتعقيدات عديدة، تبدأ من تعريف اليهود لأنفسهم، في ظل وجود العديد من التصنيفات العرقية، والّتي تحمل معها عنصرية بأشكال مختلفة، منها ممارسة واستخدام اللغة، والتراث الّذي يحمله معه اليهودي من المنطقة القادم منها، هذا عدا عن التصنيفات القائمة من الأصل العرقي والثقافي نفسه.

لهذا نجد الكثير من التصنيفات؛ اليهود الاشكناز (وهمّ اليهود القادمون من أوروبا الغربية وأمريكا)، واليهود الشرقيون (القادمون من شرق أوروبا وروسيا)، واليهود العرب (الّذين قَدِموا من الدول العربية)، وداخل هذه التصنيفات الأساسية الثلاثة، يوجد تراتبيات عديدة بداخله، ويتم التمييز بين اليهود من خلالها، حيث يُعد تعريف اليهودي إشكالية حقيقية في المجتمع الاستيطاني "الإسرائيلي".

في ظل هذه التعقيدات في وسط المجتمع اليهودي نفسه؛ يبقى وضع الفلسطينيين الصامدين على أراضيهم تحت الاحتلال والمستعمَرات أشد قسوة، حيث إنَّهم واقفون على هامش الهامش في التصنيفات، ويُطلق عليهم اسم "عرب" وكأنَّهم ضمن المنظومة القومية الشاملة في المنطقة العربية، وليست ذوات تحمل هوية واضحة ومحددة بعد تقسيمات سايكس بيكو وسان ريمو، والمشكلة هنا؛ ليست باعتبار الفلسطينيين الصامدين في الأراضي المحتلة عام 1948 عربا، بل بكون هذه التصنيفات العنصرية تنزع بشكل مستمر أي محدد للهوية الفلسطينية، ومُحاوِلَة أنّ تجعل هويتهم هائمة في الوسط لا تتوحد بأي شكل من الأشكال مع الفلسطينيين في مناطق القدس والضفة الغربية وقطاع غزة القابعات تحت الاستعمار.

يمكن أنّ نرى صور البحث عن الهوية الفلسطينية في المناطق الّتي احتلت عام 1948 في السينما، والإعلام والقصص والروايات القصيرة الّتي يكتبها أشخاص فلسطينيون، خلق التشظي الهوياتي لديهم مشكلة في الانتماء، وحدد خيارات التبعية لديهم ضمن تصنيفات ضيقة، ولعلَّ مسلسل منى (מונא)، المسلسل المشترك بين "الإسرائيليين" والفلسطينيين والّذي تم عرضه في شهر تموز 2019 على قناة كان (כאן)  يبين تعقيدات مفهوم الهوية كفكر وممارسة لدى الفلسطينيين في الداخل، وبين الاختيارات المحددة والّتي يفرضها النظام العنصري الاستيطاني، بين أنّ تكون فلسطينيًا بمظهر وسلوك "إسرائيلي" ويمكن قبولك داخل المكان الإسرائيلي، وبالتالي نبذك من قبل مجموعتك الفلسطينية، أو أنّ تكون ضمن المجموعة الفلسطينية المحافظة والّتي يُبين المسلسل هذه المحافظة بصورها البشعة، من حيث تعرض النساء للعنف، والصمت على هذا العنف، وفكرة النبذ الاجتماعي الّتي من الممكن أن تصيب الفلسطيني المتأسرل، على وجه الخصوص إذا كان أنثى.

كما ويعكس هذا المسلسل الثنائية المتضادة من الأفكار الّتي تُصيب الفلسطيني الّذي ينخرط بالمجتمع اليهودي أثناء الحرب، حيث تُعاد هذه الحدود للظهور بصورة فجة بين الفلسطيني و"الإسرائيلي" بمجرد سماع صوت دوي صافرات الإنذار، حيث تدفع غريزة الأمان بالفلسطيني للنزول إلى الملاجئ، لكنه يتذكر ويضبط سلوكه كونه فلسطينيًا، أنَّ هذه الصواريخ مصدرها غزة، والّتي هيَّ جزء ومشكِّل أساسي من هويته وترابطه مع الأرض.

إنَّ حدة النقاشات داخل هذا المجتمع المشترك في فترة الحروب، تُبين هشاشة واستحالة إمكانية بناء علاقات، وهذا طبيعي في ظل الاستعمار، أي أنَّ تطبيع الحالة الاجتماعية المُعاشة من الممكن أن يخترقها الأمن والسياسية في أي لحظة، فينقسم النقاش بين فلسطينيين سيتلقون أسوأ أنواع الشتائم والمسبيات والضرب في حال دعم المقاومة، وتأكيدهم على هويتهم الفلسطينية، كما أنَّهم سيتعرضون لمهاجمة شرسة في حال نظروا إلى مقاومة أهل غزة أنَّها حق وأنَّهم لا يمثلون الإرهاب.

وهذا التناقض يزداد سوءًا في حين قدرة القبة الحديدة على صد صاروخ، ففي نفس اللحظة الّتي يرغب فيها الفلسطيني بالشعور بالقوة أمام هذا المجتمع الاستعماري، لكنَّ غريزة الأمن والأمان تدفعه للفرح بصد هذه الصواريخ، ولكنهم أيضًا مدركون تمامًا أنّه على الرغم من وجود جيش الاستعمار على الحدود وفي الجو ومسيطر بشكل ظاهري على قطاع غزة، إلّا أنَّ  غزة أصبحت موجودة في كل مكان يوجد به "إسرائيلي" أصبحت كالشبح والحلم الّذي يُشكل وعيهم وحياتهم.

تتعرض ميرا عوض كاتبة مسلسل منى إلى فكرة الزواج المختلط داخل المجتمع "الإسرائيلي" والعلاقات المختلطة أيضًا، وإمكانية نجاحها، وقدرتها على إزالة الحدود العنصرية بين الأطراف المختلفة، وهذا يُشير بشكل أو بآخر إلى ذاتية الكاتبة والّتي هيَّ من أم بلغارية وأب عربي، ومتزوجة من "إسرائيلي"، فحاولت أنّ تُبين ما تعيشه هي من انتقادات عنصرية، ونظرة إشكالية حول هذه العلاقات المشتركة من قبل المؤسسة الصهيونية الّتي تحكم حياة الأفراد مجتمعيًا.

حيث إنّ أي تنازل وتغيير داخل هذه العلاقات، يكون محسومًا للأقوى عسكريًا وأمنيًا، حيث على الفلسطيني أو اليهودي العربي والشرقي أنّ يتخلى تمامًا عن هويته من خلال لباسه ولغته وسلوكه، وتمرده على تراثه وثقافته، حتى يجد له مكانَا في الوسط اليهودي و "الإسرائيلي".

شخصية منى في المسلسل كانت تجمع بين التمرد والهزيمة، أي محاولة التمرد على العادات المحافظة واندفاعها وراء مستقبلها في التصوير، وهزيمتها أمام أنَّ مثل هذا الاختيار بالتمرد يحتّم عليها أنّ تكون ضمن التصنيف الآخر المهزوم والمشكك به دائمًا والضعيف أمام "الإسرائيلي".

المسلسل يعكس صورة ليست واقعية تمامًا، لأن الفلسطينيين لا يتعاملون بهذه الحدة من المحافظة الّتي تعمل على قمع الحريات بشكل كامل، أو النبذ، على الرغم من أنَّها موجودة، ولكنها ليست مرتبطة بهم كونهم فلسطينيين مسلمين، فالقمع وخصيصًا تجاه النساء هو موجود في جميع المجتمعات، واليهودية كديانة مكانة المرأة فيها مدنسة كليًا، وهذه المعطيات تجبرنا على أنّ نفهم ما وراء إبراز هذه المحافظة وارتباطها بالمجتمع الفلسطيني المسلم، وتقديمها في قالب أدبي أو مسلسل يعكس صورة مجتمع فسيفسائي يُركز على "تخلف، وقسوة" فئة واحدة دون الآخرى.

محاولة الكاتبة ميرا عوض في إبراز هذه الثنائية من وضع الفلسطيني للبحث عن هوية وانتماء، فيها مبالغة، وفيها أيضًا من عدم الدقة وعدم الموضوعية، لان الفلسطينيين في المنطقة المحتلة عام 1948 لديهم نماذج قوية جدًا في بحثهم عن هويتهم والدفاع عنها، وقد استطاعوا أنّ يجمعوا على محددات محددة من مكونات هويتهم الفلسطينية، مثل رفض الخدمة الإلزامية في الجيش، وحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، وإنشاء مؤسسات مدنية وبحثية تؤرخ نكبتهم وحياتهم ومعاناتهم، دون الاضطرار للجوء للمؤسسات الصهيونية، فهذه الثنائية وخلق بروباغندا بتحديد خيارات ونتائج أن تكون فلسطينيًا محافظًا أو متأسرل من قِبل كاتبة السيناريو لا تمثل حقيقة، ولا تعكس إلّا جزءًا صغيرًا من المجتمع، وعلاقات وخيارات المستعمَر أمام المستعمِر.

إنَّ المسلسلات المشتركة هيَّ بطابعها تحاول أنّ تبين وتعكس حقيقة مشتركة، ولكن المشترك في هذا المسلسل كان فقط الممثلين واستخدام اللغة العبرية من قِبل الفلسطينيين، فلم يتحدث أي "إسرائيلي" اللغة العربية إلّا في الشتائم والمسبيات، أما الفلسطيني كانت لغته مهجنة بين العبري والعربي والإنجليزي، على الرغم من أنَّهم أصحاب الأرض، ولغتهم واضحة ومحددة، ولم يأتوا من مناطق مختلفة لتكون لغتهم مركبة بهذا الشكل، بل أنّ اليهود هم من قدموا من مجتمعات مختلفة، ولكنَّ المسلسل قدمهم في صورة أنّهم مجتمع مستقر ويحمل لغة يتحدثها الجميع وبطلاقة، وأنَّ على الأجنبي عن هذه اللغة أنّ يتمكن منها ويتحدث بها ليجد مكان يستوعبه.

مسلسل منى لم يكن المسلسل الأول أو الأخير المشترك بين إنتاج الأدب الدرامي التلفزيوني بين "الإسرائيلي" والفلسطيني، فقد سبقه الكثير مثل مسلسل فوضى، وفيلم بيت لحم 2000 ومسلسل شغل عرب، وغيرها الكثير، وتجمع هذه المسلسلات على إبراز عدة نقاط: القوة العسكرية والأمنية والتكنولوجية والمعرفية "للإسرائيلي" مقابل الفلسطيني، إظهار الفلسطيني دائمًا في صورة الإرهاب سواء في فكره أو تراثه الثقافي ومحافظته الدينية أو مقاومته ممارسات الاستعمار، الترويج لفكرة التسامح اللامتناهي داخل الجماعات اليهودية وبيان الترابط القوي، على عكس  الفلسطينيين ذوي العلاقات المفككة.

من الضروري متابعة ما يتم نشره من قِبل الاستعمار الصهيوني، ولكن بشكل نقدي بحت، دون التعاطف مع الشخصيات الفلسطينية أو "الإسرائيلية"، فضبط المشاعر هي ضرورة لأنَّ الفلسطيني الّذي يتم تقديمه هو يمثل شخصا أو مجموعة من الأشخاص ولا يُعطي صورة عامة حول ظروف وتوجهات وطموح وهوية وسلوك الفلسطينيين عامة، وكذلك بالنسبة "للإسرائيلي" لأنَّ هذا التعاطف هو ما تريده هذه المؤسسة الإعلامية الصهيونية "تلمييع الصورة الاسرائيلية" وجعلها تبدو كمكان للحريات والرفاهية والقوة.