الإثنين  18 تشرين الثاني 2019
LOGO

عن الانتخابات ومخرج إجرائها في القدس

2019-11-07 07:20:18 PM
عن الانتخابات ومخرج إجرائها في القدس
رولا سرحان

 

سأبدأ هذه المقالة من افتراضٍ أساسي، ألا وهو: أن النية معقودة على إجراء الانتخابات كما تدلل الأجواء السائدة، بدءاً بالحركة المكوكية لرئيس لجنة الانتخابات د. حنا ناصر، الذي يحوز على ثقة الفصائل، بل وإجماع على شخصه، وهو إجماع قلَّ نظيرهُ في الحالة الفلسطينية المنقسمة حيال كل قضية وشخصية، مروراً بالرد الإيجابي للرئيس محمود عباس على شرط حركة حماس، بالإعلان عن إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في وقتٍ واحدٍ حتى وإن تم إجراؤها بفارق زمني، كما حدث مع إجراء الانتخابات الرئاسية قبل 14 عاماً في 2005 وتبعها إجراء انتخابات تشريعية في 2006، وصولاً إلى التعاطي الإيجابي من قبل كافة الفصائل والقطاعات الممثلة للمجتمع المدني الفلسطيني.

غير أن المعطلَّ الأساسي، الذي تتم المراهنة عليه من قبل المتشائلين، بخصوص إجراء الانتخابات من عدمها، يتمثلُ في أن العذر المحلِّل لعدم إجرائها هو الموقف الحالي لدولة الاحتلال من القدس بادعاء مكانتها كـ "عاصمةٍ لها"؛ فلا انتخابات فلسطينية في القدس، العاصمة الأبدية للشعب اليهودي، كما قال الرئيس الأمريكي، خلال حملته الانتخابية أمام الإيباك قبل ثلاثة أعوام. من هنا، سيكون الموقفُ المضادُ من قبلِ السلطة الفلسطينية، هو ربطُ شرطِ الانتخابات بإجرائها في القدس، وهو الموقفُ الذي ستتمسّكُ به جميعُ الأطرافِ التي يبدو أنها تُريدُ إجراء الانتخابات لكنها تجدُ شرعيتها مستمدة من الناحية الفعلية من عدم إجرائها، وهي بذلك تكون قد رفعت عنها حرجَ عدم إجرائها أمام المجتمع الدولي، وأمام مؤيديها، من منطلق عدم الانجرار أمام تطبيق صفقةِ القرن، بالقبول بإجراء الانتخابات دون القدس والذي تعتبرُه تنازلاً عملياً عنها، عبر إجراء الانتخابات في كافة المناطق التي يُفترض أن للسلطة الفلسطينية "سيطرة أو سيادة" عليها.

إذن، ما العمل؟ وكيف يُمكن أن يكون المخرج؟

بدايةً، أمام السلطة الفلسطينية، استحقاق وطني بالأساس، فمسألة الانتخابات، لم تعد مسألة قابلة للتأجيلِ، كما أنه من الناحية العملية البحتة، يرفضُ الاتحاد الأوروبي والدول المانحة، رصد مزيد من التمويل للسلطة الفلسطينية إن هي لم تقم بتجديد الشرعيات السياسية التي ترهلت وتآكلت، خاصةً بعد قيام الرئيس محمود عباس بحل المجلس التشريعي، الذي لم يكن فاعلاً بالأساس، فدق بذلك الفعل المسمار الأخير في نعش المأسسة التي لطالما روج لنفسه عبرها خلال حملته الدعائية للانتخابات الرئاسية في 2006.

أما القدسُ الصامدةُ وحدها، وأعني هنا، دون خطة عمل وطنية للحفاظ على ما تبقى من الوجود الفلسطيني فيها، على الأقل من الناحية الرسمية، ولا أعني أهلها الذين دافعوا عنها خلال محاولات الاحتلال إغلاق بواباتها، ولا خلال الهجمة الشنيعة لإغلاق مستشفياتها، فتبرعت حرائرُ القدس ونسوتها بجدائلِ شعورهن، وإنما أعني أن المخرجَ ممكنٌ ليبقى ما ظلَّ منها معنا.

ويتمثلُ المقترحُ في ثلاثة مخارج منوطة من الناحية الإجرائية بلجنة الانتخابات، ومن الناحية الفعلية بالإرادة السياسية التي يجب أن تظل معقودةً على إجرائها. المخرجُ الأول، هو مخرجُ المواجهة، بأن تقومَ لجنة الانتخابات المركزية، بتعيين طواقم من سكان مدينة القدس، الذين هم من حملة الهوية الزرقاء، وفتح مكاتب لهم للاقتراع. ويحتمل هذا المخرج رد فعل قوي من دولة الاحتلال التي ستقوم بالفعل إما بوقف واحتجاز طواقم لجنة الانتخابات، أو إغلاق مكاتبها، أو الاحتمالين معها، وهذا السيناريو قابل للتحقق بنسبة مئة بالمئة، لكن رسالته السياسية كبيرة. أما المخرجُ الثاني، فهو: إجراء الانتخابات في القدس عن طريق الاقتراع الإلكتروني أو ما يسمى (E-voting)، وهو نظامٌ معمولٌ به، في كافة الدول؛ حيث يجري اقتراع الجاليات المغتربة إما عبر نظام التصويت الإلكتروني، أو عبر فتح صناديق اقتراع لها، أما وأنه لا سفارة لنا في قدسنا؛ فإن اقتراعنا يكون إلكترونياً. أما المخرجُ الثالثُ، فبالإمكان التنسيق مع القنصليات العاملة في القدس، والتي صوتت ضد قرار الاعتراف بالقدس عاصمة للاحتلال، كالقنصلية الفرنسية، والسويدية، والإسبانية، وأخرى غيرها كثيرة، للسماح بفتح صناديق اقتراعٍ في ساحةٍ خارجية ضمن سلطتها السيادية لتفادي العثرات الأمنية، وهنا يجري اختبار النية الجدية من عدمها من قبل كل تلك الدول التي تريدُ للفلسطينيين أن يقوموا بإجراء الانتخابات لكنها لا تفعل شيئا على الأرض.

بكل الأحوال، إن فشل جميع السيناريوهات تلك، سيمنحنا قناعةً على الأقل بجدية النية في إجراء الانتخابات.

لقد أصبح الفلسطيني غير قادر على الدفاع عن أحد، لا عن رئيس يستمدُ شرعيتهُ من تاريخِ نضالِ حركته، ولا عن فصيلٍ يُقاوم في شطر الوطن دون شرعية من شطرهِ الآخر.

جددوا الشرعيات كي نستطيع الدفاع عن أنفسنا كفلسطينيين قبل الدفاعِ عنكم.