الأحد  08 كانون الأول 2019
LOGO

إعادة المجد لمنظمة التحرير واستعادة مركزيتها وأهميتها| بقلم: سام بحور

يستجدي النظام السياسي الفلسطيني وجود قيادة جديدة

2019-11-17 08:29:39 PM
إعادة المجد لمنظمة التحرير واستعادة مركزيتها وأهميتها| بقلم: سام بحور
سام بحور

منظمة التحرير الفلسطينية، النظام السياسي الفلسطيني المتماسك بشكل تام.

لقد اعتُرف بشرعية منظمة التحرير الفلسطينية دولياً وقانونياً، إلا أنها قد تراجعت محليا نظرا لضعف حَوكمة المنظمة نفسها، وسوء تواصلها مع المجتمع المحلي. فتفتقد منظمة التحرير على المستوى المحلي في الوقت الحاضر الحد الأدنى من مصداقية الشعب لها-على افتراض أن جيل الشباب يعرف منظمة التحرير، برغم أنهم لم يكونوا يوماً جزءاً منها ولا بأي طريقة.

أما تنظيمياً، فقد أُفرغت منظمة التحرير الفلسطينية من مضمونها منذ التوقيع على اتفاقيات أوسلو للسلام في عام 1993. ونظرا لعدم قيام أحزاب المعارضة داخل منظمة التحرير بدورها بفعالية؛ تبقى منظمة التحرير هشّة، ويبقى الفلسطينيون تحت حكم النظام الحزبي الواحد المتمثل في حركة فتح، بالإضافة إلى حزب خارجي آخر وهو حماس التي يسعى إلى الدخول لمنظمة التحرير واستبدالها بنموذج حكم مماثل، إن لم يكن أسوأ.

بالرغم من كل ذلك، تبقى منظمة التحرير النظام السياسي الفلسطيني الوحيد التي يمكن له تحقيق الحرية والاستقلال للفلسطينيين.  وأُنشِئت السلطة الفلسطينية من خلال اتفاقيات أوسلو المشؤومة للسلام، وأصبحت جزءا من هيكلية منظمة التحرير الفلسطينية، ولكنها فعلياً تعتبر الجهة المنفذة التي تحكمها منظمة التحرير وأجهزتها بحيث تكون الجهة الإدارية المشرفة على حياة الفلسطينيين الذين يعيشون تحت نير الاحتلال الإسرائيلي. وعلى هذا النحو فإن السلطة الفلسطينية بحد ذاتها ليس لها دور حقيقي في وضع الخطط السياسية.

مقر منظمة التحرير الفلسطينية في البيرة، محافظة رام الله والبيرة في الضفة الغربية

ويرتبط مدى تأثير وفعالية أي كيان بتأثير وفعالية قادته، فإذا لم يكن هناك تخويل من عامة الشعب لهذا الكيان فإنه سينتهي المطاف به متعثرا، ولذلك لن نستطيع أن نتوقع الكثير في حالتنا هذه خاصة بعد عقودٍ مضت على تكلّس النظام السياسي. أما الأحوال الداخلية الفلسطينية، فهي غير مطمئنة؛ نطرا للاستمرار في ممارسات الاحتلال العسكرية في تقطيع جغرافيا فلسطين وتمزيق نسيجها الاجتماعي من جهة، ولغياب نظام سياسي فعّال من جهة أخرى. وبغض النظر عن المسببات، فإن تجديد القيادة ضروري من أجل الإبقاء على المشروع الوطني للحرية والاستقلال في المسار الصحيح.

فرضت فتح اتفاقيات أوسلو للسلام على الشعب الفلسطيني، فتح هي منظمة التحرير الحاكم والتي كانت بالأصل تحت قيادة الزعيم والقائد التاريخي ياسر عرفات، واحتضنت ما يسمى بعملية السلام لأكثر من خمس وعشرين سنة، وشهدت الكثير من النتائج المدمرة لهذه الاتفاقية- ولا نريد أن نذكر هنا أيضاً ازدياد عدد المستوطنين الإسرائيليين بنسبة 80%، وإنشاء الجدار الفاصل، والكثير من الاعتداءات الإسرائيلية العسكرية على غزة، وازدياد عدد البيوت المهدومة وازدياد الاعتقالات ضد المواطنين من خلال سلطات الاحتلال الإسرائيلي، والكثير الكثير. حتى وإن أثمرت هذه الاتفاقية مثقال ذرة من الإيجابية على مدى العقدين المنصرمين، إلا أن لدى العديد من المنظمات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية ومنظمات أخرى فصّلت ووثقت مسار تهالك الوضع.

 

الوقوع في المشكلة والنهوض سريعاً

 

ورغم وضوح الأوضاع الراهنة، إلا أن القيادة الفلسطينية الحالية ترفض أن تتقاعد وأن تعطي فرصة للنظام السياسي الفلسطيني أن يتجدد ويتطور، وأن تعطي فرصة لتمثيل سياسي فعّال وتعددية سياسية تُنقل إليها المسؤولية. ولكن بدلاً من ذلك تفضل مبدأ عمل معين بحيث يقوم الرئيس محمود عباس بالإعلان مؤخراً بأن منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية ستنهي كل اتفاقياتها مع إسرائيل، وهو الأمر الذي جعل معظم الفلسطينيين يعيشون بابتسامة تهكم وازدراء إزاء هذا التصريح الجديد-القديم، وذلك لأنهم على دراية بأن كل شيء، بدايةً من جوازات السفر، وحتى ماء الشرب، والعملة المستخدمة، وتطعيمات الأطفال، معتمدة على الاتفاقيات مع إسرائيل.

أما الرئيس عباس الذي يطرق عامه الرابع والثمانين قد أعلن بنفسه في مراحل سابقة نية منظمة التحرير والسلطة إنهاء امتثالها للاتفاقيات مع إسرائيل، باستثناء التنسيق الأمني الذي اعتبره عباس "مقدّس". وبذلك لم يتغير شيء.

وبتصريحٍ رنانٍ آخر لرئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية الذي تولى منصبه مؤخراً حاذيا حذو الرئيس، أعلن فيه الكثير من النوايا ولكن دون أدنى تفسير لما يمكن لها أن يجسد على أرض الواقع، اعتبر فيه أن كل مناطق الضفة الغربية، أي ما نسبته 62% من الأرض الواقعة تحت سيطرة الاحتلال -بناءً على تعريف اتفاقية أوسلو لها- على أنها منطقة "أ"، ما يعني أنها تحت الإدارة المدنية والأمنية الفلسطينية. من الممكن أن نتوقع بأن له معنىً قانونيا، ولكن، ومنذ عقود، يعتبر كثير من الفلسطينيين أن إسرائيل قد صنفت الأراضي مسبقاً تصنيف "ج"، وهذا يعني أنها تحت السيطرة الإسرائيلية المدنية والأمنية كاملةً.

 ثم، أصدر رئيس الوزراء محمد اشتية إعلانا آخر -وكأنه يريد أن يتفوق على نفسه هذه المرة- مصرحاُ من خلاله أن حكومته ماضية في عملية فك الارتباط الاقتصادي مع إسرائيل. وتبع ذلك خطوات فعلية أدت إلى مزيدٍ من التعطيل في السوق الفلسطينية التي تعاني أصلاُ من التقلبات، وبالتأكيد على اشتية أن يعرف، وهو خبير اقتصادي مُحنّك، أنه دون منظمة تحرير فعّالة، ودون قيادة منتخبة، لا يمكن تحقيق ما يرمي إليه فيما يتعلق بإعادة تنظيم العلاقة الاقتصادية مع إسرائيل.

وفي الآونة الأخيرة صرح الرئيس محمود عباس تصريحاً عاماً خلال الدورة الرابعة والسبعين في الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول، متعهداً بعقده "انتخابات عامة" حال عودته إلى فلسطين. مع إدراك القلة بأن هذا الوعد ليس وعداً جديداً، فقد بات خبر عقد انتخابات جديدة خبراً عبثياً.

 

إذن هل تغير شيء؟ 

ما المختلف هذه المرة؟ يبدو أن تجاوز إدارة ترامب الممنهج للقيادة الفلسطينية الحالية هو السبب وراء الحاجة لهذه التصريحات الرنانة؛ كمحاولة لتحريك قوى العالم لإرجاع منظمة التحرير إلى حلبة النقاش.

وخلاصة القول هنا هو أن خسارة ثقة العامة بقيادة كانت في موضع المسؤولية خلال أكبر الخسارات السياسية في التاريخ الفلسطيني الحديث، يجعل أي تصريح سياسي أو تصريح سياساتي بغض النظر عن مدى قوته أو الحاجة الماسة إليه عاجزا عن نصرة نفسه.

ولقد نشرت رسالة مفتوحة للرئيس عباس (تجدون النسخة العربية والفرنسية هنا) بعد فشل ورشة جاريد كوشنير بعنوان السلام من أجل الازدهار الاقتصادي في البحرين. ولخروج منظمة التحرير من حالة الشلل التي تعاني منها، تطلب اليوم إجراء الانتخابات، وليس فقط الدعوة لها ولكن مع نفس اللاعبين الذين أوصلونا إلى هذه النقطة. المطلوب قيادة جديرة بالثقة وهذا سيتأتى فقط إذا قام الشعب بإيصال صوته ومطالبه لتحقيق التغيير الحقيقي.

إن السبيل الوحيد نحو التقدم هو في إعادة هيكلة النظام السياسي الفلسطيني من القاعدة إلى القمة، بإعادة المجد لمنظمة التحرير وباستعادة مركزيتها وأهميتها.

سام بحور، مستشار أعمال فلسطيني-أمريكي من رام الله/البيرة في الضفة الغربية، وهو رئيس مجلس إدارة أمريكيون من أجل اقتصاد فلسطيني نابض، وهو المستشار السياساتي للشبكة، شبكة السياسات الفلسطينية، ومحرر مشارك في كتاب "الوطن: التاريخ الشفهي لفلسطين والفلسطينيين" (1994). ويدون آراءه وكتاباته على موقعePalestine.com. [email protected]