الأحد  15 كانون الأول 2019
LOGO

لماذا عجز نظام الدفاع الجوي الإسرائيلي أمام الصواريخ الفلسطينية؟

2019-11-18 05:45:25 PM
لماذا عجز نظام الدفاع الجوي الإسرائيلي أمام الصواريخ الفلسطينية؟
صاروخ "براق-120"

 

الحدث -جهاد الدين البدوي

تعرضت إسرائيل التي تعتبر من أكثر الدول المتقدمة من الناحية التكنولوجية في الشرق الأوسط،  إلى هجمات صاروخية بدائية للغاية، وكان الهجوم ناجحاً إلى حد ما، فلماذا لم تستطع حتى أحدث أنظمة الدفاع الصاروخي الإسرائيلية حماية الإسرائيليين بشكل تام من الصواريخ التي يطلقها الفلسطينيون؟.

تشير صحيفة "فزغلاد" الروسية إلى أنه في في ليلة 12 نوفمبر 2019، تعرضت إسرائيل لنيران صاروخية قوية من قطاع غزة. ووفقًا لوسائل الإعلام الإسرائيلية، تم إطلاق حوالي 50 صاروخًا من قطاع غزة نحو إسرائيل، بينما تمكن نظام الدفاع الجوي للقبة الحديدية من اعتراض حوالي 20 صاروخًا فقط.

ومن المثير للاهتمام أنه منذ عام واحد بالضبط، في 12-13 نوفمبر 2018، أطلقت المقاومة الفلسطينية 460 صاروخاً من قطاع غزة نحو إسرائيل، ووفقاً لتقارير إعلامية، تمكنت القبة الحديدية من اعتراض 60-106 صواريخ فقط، وأدى ذلك إلى أضرار جسيمة، فيما أبلغت إسرائيل عن إصابة 50 شخصاً، وأصيب أحد الجنود الإسرائيليين بجروح خطيرة.

وكما اتضح خلال العام الماضي، لا يوجد لدى مصممي القبة الحديدية أي إجابة واضحة على مثل هذا التهديد الهائل، لم يفلح نظام الدفاع الجوي الإسرائيلي في صد هجوم مكثف أطلق فيه 460 صاروخاً، حيث تمكن من اعتراض 50 صاروخا منها. كيف حدث هذا؟

القبة الحديدية

التصعيد الحالي للصراع حول قطاع غزة ليس الأول على الإطلاق، لقد استمرت الحرب الساخنة والباردة بين إسرائيل والدول العربية منذ أكثر من 60 عامًا - منذ عام 1947. خلال هذه الفترة الطويلة، لم تتمكن أطراف الصراع من التوصل إلى اتفاق سلام دائم، إن قضية الأراضي التي تحتلها إسرائيل لا تسمح  بإزالة التناقضات الرئيسة التي تغذي باستمرار هذا الصراع متعدد الأوجه.

ومع ذلك، فمنذ منتصف الألفية الثانية، من جانب إسرائيل، فإن نهج الاحتفاظ بالأراضي المحتلة بأي ثمن قد تغير إلى نهج أكثر توازناً. سحبت إسرائيل قواتها من قطاع غزة وقامت بتصفية مستوطناتها هناك. ومع ذلك، لا يزال هناك حوالي 550 ألف شخص يعيشون في مستوطنات إسرائيلية في الضفة الغربية ومرتفعات الجولان، والتي يعرفها المجتمع الدولي بأنها أراض محتلة.

هناك عامل آخر يؤثر بشكل مباشر على وضع إسرائيل وهو الحجم الصغير لأراضيها المأهولة. لذلك، من الحدود الإسرائيلية اللبنانية إلى مدينة حيفا، تبلغ المسافة حوالي 35 كم فقط، وتبلغ المسافة من شمال غزة إلى القدس ما يزيد قليلاً عن 60 كم.

في ظل هذا الواقع، فإن معظم الأراضي التي تسيطر عليها "إسرائيل" متاحة ليس فقط للصواريخ التي تطلق من لبنان أو من قطاع غزة، بل أيضًا للقصف بالمدفعية وقذائف الهاون. لذلك، فإن مسألة ضمان الأمن في الوضع الحالي للسياسة الخارجية بالنسبة لإسرائيل لها أهمية أساسية. ليس لدى إسرائيل ببساطة "عمق تشغيلي" يمكن أن تعمل ضمنه أنظمة الدفاع الجوي التي اعتدنا على رؤيتها، وتركز على كشف التهديدات بعيدة المدى، واختيار الأهداف، وأنظمة الطيران، والدفاع الجوي والصاروخي والمدفعي.

بالرغم من وجود أنظمة محلية الصنع لدى إسرائيل، فلديها أيضا أنظمة أمريكية كالباتريوت ونظامها الدفاعي "أور"، ومع ذلك فإن هذه الأنظمة مكلفة للغاية ومن المستحيل تقريباً أن تعترض عمليات إطلاق كثيفة للصواريخ البدائية من قطاع غزة.

نجحت منظومات "باتريوت" التي حصلت إسرائيل عليها من الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1991، في اعتراض صواريخ "سكود" التي أطلقت باتجاه إسرائيل من العراق. ولكنها كانت غير مجدية عملياً في صد صواريخ محلية الصنع انطلقت نحو إسرائيل من قطاع غزة والضفة الغربية لنهر الأردن والجنوب اللبناني، علماً بأن إطلاق الصاروخ الواحد من منظومة "باتريوت" كلف إسرائيل حوالي 3 ملايين دولار، وهو ما يجعل نظام الدفاع الجوي الأمريكي غير فعال في حالة صراعه مع صواريخ محلية الصنع أو "غراد" التي تطلقها الفصائل الفلسطينية أو حزب الله، والتي صنعت في ورشات حداد بشوارع وأزقة قطاع غزة.

كان هناك خيار مضاد يتمثل في تطوير نظام دفاع جوي عالي التقنية لهزيمة جميع أنواع التهديدات - من الصواريخ التكتيكية مثل صواريخ سكود وتنتهي بالصواريخ البدائية غير الموجهة. كان أهم شرط لمثل هذه المنظومات أن تكون تكلفة الإطلاق منخفضة قدر الإمكان.

فاز النظام، الذي أطلق عليه اسم "القبة الحديدية"، بالمسابقة التي أعلنها الجيش الإسرائيلي في عام 2005. تفوقت على العديد من المنافسين مثل نظام الليزر Nautilus للدفاع الجوي. في النهاية، يجب القول إن نظام القبة كان ناجحًا للغاية. كانت تكلفة البطارية الواحدة من صواريخ "القبة الحديدية" 50 مليون دولار في حين تتراوح تكلفة البطارية الواحدة من نظام الدفاع الجوي باتريوت ما بين 4-9 مليارات دولار، وقدّرت كلفة إطلاق الصاروخ الواحد من منظومة "القبة الحديدية" بـ20 ألف دولار.

توضح الصحيفة الروسية أن لكل شيء في الحياة ثمن، كما وتحولت "القبة الحديدية" إلى نظام دفاع جوي تكتيكي جيد جداً، ولكن عيبها الرئيس كان واضحاً منذ البداية، تم تصميمها لاعتراض كل صاروخ مهاجم بالصاروخ المضاد من صواريخها وهو ما يتيح استنزاف إمكانياتها لانتقاء أهداف محددة وتدميرها، بشن الهجوم الصاروخي المكثف. بالإضافة إلى ذلك فإن ثمن الصاروخ الواحد من صواريخ "القبة الحديدية" وهو 20 ألف دولار، يفوق كثيراً ثمن كل من الصواريخ المزمع اعتراضها.

ومع ذلك وحتى الآن فإن مثل هذا العيب تم الإغفال عنه ببساطة، فقد نجحت "القبة الحديدية" في صد هجمات تشنها حفنة من الصواريخ المحلية وحتى عشرات منها.

سقوط القبة الحديدية:

ماذا حدث في ليلة 12-13 نوفمبر 2018، عندما اخترقت الصواريخ الفلسطينية أول مرة القبة الحديدية؟ من الواضح أن المقاومة الفلسطينية خططت لهجوم صاروخي على إسرائيل، حيث أطلقت جميع الصواريخ في وقت واحد تقريبًا.

وفقاً للصحيفة الروسة، تشمل البطارية الواحدة للقبة الحديدية 3 أو 4 قاذفات صواريخ، يحتوي كل منها على 20 صاروخا، وبالتالي يمكن أن تصل البطارية الواحدة إلى 80 هدفاً في نفس الوقت، وبعد ذلك تحتاج البطارية إلى إعادة شحن، وبعبارة أخرى، فإن 60-106 صواريخ هجومية يمكن لبطاريتين من القبة الحديدية التعامل معها بشكل جيد.

في الوقت الحاضر نشرت إسرائيل 10 بطاريات في مناطق التصعيد، وكانت المواجهة الأخيرة تعتبر عبئاً زائداً على بطارية واحدة من القبة الحديدية، لذلك اتضح لتعطيل نظام الدفاع الجوي يكفي أن لتحميل بطارية واحدة فقط، وبعد ذلك يبدأ نظام القبة الحديدية بأكمله بالاختناق.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الأرقام المتعلقة بفعالية القبة الحديدية أصبحت الآن موضع شك. وهكذا، فإن الجيش الإسرائيلي التعامل بالأرقام التي تبلغ 85-95%، مؤكداً أن أي صاروخ من صواريخ القبة تقريباً يجد هدفه.

وقد بينت دراسة أجراها أستاذ معهد "ماساتشوستس" للتكنولوجيا تيودور اي بوستول وخبير صناعة الصواريخ مردخاي شيفر، أن فعالية القبة الحديدية لا تتجاوز 5%، وأن معظم أعمال الدفاع الجوي تنفذها نفس الصواريخ البدائية ذات التقنية المنخفضة كونها لا تصل إلى أهدافها المعلنة أو تنهار في الجو.

ومن أحدث الدراسات التي تتحدث عن فاعلية القبة الحديدية، والتي نشرت في أبريل 2018، من قبل أخصائي الأسلحة الكندي مايكل أرمسترونغ، يظهر أن كفاءة القبة الحديدية تتراوح من 32-75%، وفي دراسته حلل أرمسترونغ عدد الإصابات والوفيات والأضرار المادية التي نجمت عن الهجمات الصاروخية في أربعة حروب في الشرق الأوسط، تشمل هذه القائمة حرب لبنان الثانية عام 2006، وعملية الرصاص المصبوب 2008-2009، وعملية عمود السحاب 2012، والحرب على غزة عام 2014.

بناء على تقديرات أرمسترونغ فقد اعترضت القبة الحديدية ما بين 59-75% من الصواريخ خلال عملية الجرف الصامد، وهذا يعني أن الصواريخ كانت ستصيب المناطق المأهولة بالسكان إذا لم يتم اعتراضها. وبالتالي فإن هذه الدراسة تنفي كل تصريحات هؤلاء الخبراء الذين يعتقدون أن القبة الحديدية لا تفوت سوى الصواريخ التي تتجه نحو المناطق غير المأهولة، حيث تعترض كل الصواريخ التي من المتوقع أن تصل إلى أهداف حقيقية مأهولة بالسكان.

بالإضافة إلى ذلك، أظهر أرمسترونغ أنه في حالة الجرف الصامد عمل نظام "القبة الحديدية" بشكل أفضل  مما كانت عليه اثناء عملية "عمود السحاب" التي اعترضت فيها أقل من 32%.

وبالتالي فإن التصريحات القائلة بأن القبة الحديدية كانت قادرة في العام الماضي من اعتراض 106 صواريخ فقط من أصل 460 صاروخاً لم تكن تصريحات عادية بالمطلق، وهذا يتفق تماماً مع تقييمات الخبراء المستقلين، وكذلك مع القدرات المادية للقبة الحديدية نفسها، التي تعتمد بشكل أساسي على كثافة الإطلاق الذي يقوم بها العدو "أي المقاومة".

كما أظهر اطلاق صواريخ الجهاد الإسلامي الأسبوع الماضي ضعفاً حاسماً وثغرة حرجة للقبة الحديدية التي لم تستطع التعامل مع اطلاق 50 صاروخاً دفعة واحدة، فقد وصل منها 30 صاروخاً إلى أهدافها، وهي نتيجة تستحق التقدير.

وهذا يعني حقيقة مؤسفة لإسرائيل، تحولت السماء فوق "القلعة الاسرائيلية" مرة أخرى كما حدث عام 1991، لم تستطع صد الصواريخ محلية الصنع، وليس صواريخ سكود العراقية. وأكد هذا الفشل أن "القبة الحديدية" قابلة للاختراق.