الإثنين  09 كانون الأول 2019
LOGO

ترامب على مفترق طرق في سوريا

2019-11-18 06:06:26 PM
ترامب على مفترق طرق في سوريا
الجيش الأمريكي في سوريا

الحدث - جهاد الدين البدوي

نشرت الصحيفة الروسية العسكرية "Военный промышленный курьер" تقريراً للخبير كونستانتين سيفكوف، توقع فيه هزيمة الولايات المتحدة إذا لم تقرر سحب قواتها من سوريا طواعية.

ويرى سيفكوف، أن رحيل الجيش الأمريكي من سوريا أمر لا مفر منه، ويمكن أن يكون طواعية بالحد الأدنى من الخسائر المادية والبشرية أو قسراً تحت ضغط التشكيلات العسكرية غير النظامية. في الحالة الأخيرة، سيتم اعتبار هذا بمثابة هزيمة عسكرية مزرية مع خسائر كبيرة في الأفراد والمعدات والموارد.

 ويضيف الخبير الروسي، أن قافلة أمريكية تعرضت لإطلاق نار من قبل مسلحين مؤيدين لتركيا، ولم يقع في ذلك الهجوم إصابات، وربما كانت القافلة تحت غطاء وحدة العمليات الخاصة، ويعتبر الخبير أن هذا الحدث يعتبر مظهرا من مظاهر التحولات الخطيرة للغاية في سوريا، محفوفة بعواقب وخيمة على الولايات المتحدة.

وتجدر الإشارة إلى أن القافلة التي تعرضت لإطلاق النار من قبل مسلحين متشددين، تحمل علامات مؤكدة بوجود قوى مهتمة بإنهاء التواجد الأمريكي في سوريا.

وحدات بدون قاعدة اجتماعية:

يرى الخبير، أن دمشق بحاجة إلى استعادة السلامة الإقليمية للبلاد، وتشكل القوات الأمريكية عقبة أمام ذلك، علاوة على ذلك فقد كان من الواضح ومنذ فترة طويلة أن الولايات المتحدة هي التي بدأت الحرب الأهلية في سوريا، ودعمت العديد من الجماعات المسلحة المطالبة بالديمقراطية، كما وتواصل نهب الموارد الطبيعية.

 يعتقد سيفكوف أن الولايات المتحدة تقاتل تنظيم "الدولة الإسلامية" المحظور في روسيا ليس لتدمير "المنظمة الإرهابية" بل للسيطرة عليها. كما أن وجود القوات الأمريكية في سوريا غير قانوني وفقاً للقانون الدولي وتعتبر معتدية.

من غير المرجح أن يعامل الأكراد المولين لواشنطن معاملة جيدة بعد أن تخلت عنهم الولايات المتحدة في أصعب وقت وتركتهم وجهاً لوجه مع الآلة العسكرية التركية، وهو ثاني جيش في الناتو، (وإذا أخذنا العنصر الأرضي والمعنوي فمن المحتمل أن يكون الأول متفوقاً على الأمريكي). ومن أجل الاستمرار كان على الأكراد التفاوض مع الحكومة السورية.

ويضيف سيفكوف، أنه من غير المرجح أن يتوقف المقاتلون المتبقون من التنظيمات المتشددة عن استهداف القوات الأمريكية، خاصة بعد اغتيال زعيم "داعش" أبو بكر البغدادي.

يبدو أن المعارضة السورية الديمقراطية الخاضعة للسيطرة التركية قد أدركت أن الكفاح المسلح في سوريا سوف يكتمل في المستقبل القريب، ولعل أهم علامة على ذلك بالنسبة لهم هي الاتفاقيات التي توصل إليها رئيسا روسيا وتركيا، وهذا يعني أنه يتوجب عليها الاندماج في المجال السياسي السوري.

ليس لدى الأمريكيين أي سبب للاعتماد على الولاء الكامل للقبائل العربية المحلية، كونهم يدركون جيداً أن الولايات المتحدة في سوريا هي الجانب الخاسر، وهم لا يحتاجون للتعاون مع "المعتدي المطرود" الذي سيغادر سوريا، لذلك سيكون عليهم الرد على الحكومة الشرعية في مثل هذه الحالة، سيكون من الجيد للأمريكيين أن تبقى هذه القبائل على الحياد. ولكن سيكون هناك دائمًا أشخاص عاطفيون ومسيئون يريدون تسوية الحسابات مع الغرباء.

يوضح الخبير، أنه حتى اليوم لا يوجد لدى الولايات المتحدة قاعدة اجتماعية في سوريا للحفاظ على الوجود العسكري، ومع ذلك لا تظهر القيادة الأمريكية رغبة بمغادرة البلاد، بل على العكس بعد سحب المقاتلين من المنطقة التي فقدت أهميتها، تترك واشنطن قواتها في أهم منطقة نفطية بسوريا، وتعتزم زيادة قواتها وتسليحها. ومن الواضح أيضا أن الولايات المتحدة تعتمد على قواتها العسكرية على أمل أن سوريا وحلفائها يتخذون قراراً بشأن نزاع مباشر، وأن حدود عملياتهم العسكرية ستكون مع التكوينات العسكرية غير النظامية.

يشير الكاتب إلى أن الولايات المتحدة محقة في أن دمشق وموسكو وحلفائهما لن يذهبوا أبداً إلى صراع مسلح مباشر، ولكن ثقتهم في القدرة على تحمل الضربات من وحدات عسكرية غير نظامية مبالغ فيها إلى حد كبير.

يشير تحليل للقوات الأمريكية إلى أن التشكيلات غير النظامية في سوريا  يمكن أن تجبرها على الرحيل عن طريق التسبب بأضرار غير مقبولة، بالإضافة إلى حصار القواعد والمنشآت الخاضعة للحراسة الأمريكية. ويعتقد الكاتب، أنه من الممكن أن يتم استخدام الطائرات المسيرة والصواريخ المحلية لاستهداف القوات الأمريكية.

ويستحضر الخبير مثالا على هذه الإجراءات، وهو محاولات المسلحين في إدلب استهداف قاعدة حيميم الروسية بالطائرات المسيرة، ولكن هذه الهجمات فشلت جميعها، ومع ذلك فإن القواعد الأمريكية حالة أخرى ومختلفة.

من المرجح أن يتم استهداف التواجد الأمريكي من جميع الجهات، كما أن الكاتب يعتقد بأن الأمر مختلف مع القواعد الأمريكية كونها تتواجد في عزلة في الأراضي السورية، لذا سيحتاج الجيش الأمريكي إلى إنشاء نظام دفاع جوي متعدد المهام للتصدي للطائرات المسيرة والصواريخ المحلية.

والأهم هنا أن القوات الأمريكية لا تمل أنظمة دفاع جوي فعالة يمكنها التصدي لهجمات الطائرات المسيرة البسيطة، كون أنظمة الدفاع الجوي بعيدة المدى كالباتريوت والأنظمة الأخرى تبقى عاجزة ولا تستطيع فعل أي شيء أمام الطائرات المسيرة محلية الصنع.

يرى الخبير أن عربة "M2/M3 Bradley" المسلحة برشاش 25 ملم، يمكنها إطلاق النار على الأهداف الجوية في مدى يصل إلى 3كم، ولكن من غير المرجح أن تكون ذات فاعلية أمام الطائرات المسيرة البسيطة، ويتابع الخبير بأن برادلي ستكون قادرة على اسقاط الطائرات المسيرة التي تتراوح سرعتها من 40-80كم/الساعة بنسبة 15-25%، وفي الليل ستنخفض احتمال حدوث اضرار للطائرات المسيرة بنسب مئوية أقل من ذلك، وسيكون من الصعب على برادلي وحتى بمساعدة معدات المراقبة الليلية الفعالة للغاية اكتشاف وتتبع الأهداف المسيرة الصغيرة بسبب التخفي في طيف الأشعة تحت الحمراء، وسيتعين على القوات المدافعة استخدام الأضواء الكاشفة كما كان يحدث في الحرب العالمية الثانية، ولكن في هذه الحالة سيكون من الصعب للغاية اكتشاف هدف صغير الحجم منخفض الضوضاء في السماء، حتى مع تعيين الهدف من رادارات المراقبة المحمولة جواً.

ويشير الخبير إلى أن استخدام أنظمة الحرب الالكترونية، والسيطرة على الطائرات المسيرة وتحييدها لن تكون فعالة إلا على الطائرات المسيرة شبه المستقلة التي يتم التحكم بها عن الأرض، ولكن في حال تكون فيه الطائرات المسيرة مستقلة كلياً وتعمل وفق برنامج معين، ففي هذه الحالة لن أنظمة الحرب الالكترونية فعالة، ويمكنها أن تشتت نقاط هبوط الطائرات المسيرة بشكل كبير. ولكن في حال تم مهاجمة هدف كبير إلى حد ما كقاعدة عسكرية بأكملها فستلحق الطائرات المسيرة أضرار ملموسة للغاية، وسينتج عنها قتلى وجرى من بين جنود القاعدة، وهذا يكفي للتشكيلات العسكرية غير النظامية للضغط على الجيش الأمريكي في سوريا.

ووفقاً للخبير الروسي ستكون الهجمات على منشآت النفط المحمية من قبل القوات الأمريكية أكثر فاعلية، وهو ما تم اثباته في هجمات الحوثيين على المنشآت النفطية السعودية، وفي ذات الوقت قد تكون الخسائر بين أفراد القوات العسكرية خطيرة للغاية.

وفي جانب أخر أثبتت التجربة الروسية أن الأدوات الفعالة لمكافحة تهديدات من هذا القبيل هي منظومات المدفعية المضادة للطائرات التي تمتلك رادار مسح جوي ومحطة لإطلاق النار، مما يضمن هزيمة الهدف الجوي بشكل تلقائي دون الحاجة لمشغل، ومن هذا القبيل وعلى وجه الخصوص المنظومة الروسية "Pantsir-S"، ولا تمتلك الولايات المتحدة نظير لهذه المنظومة.

يرى الخبير أنه ليس لدى الولايات المتحدة علاج مضاد للصواريخ والطائرات المسيرة، وفي ذات الوقت، أثبتت التجاربة ذلك، فقد تحصل التشكيلات العسكرية على منصات اطلاق صواريخ مثل قذائف من عيار 122 ملم، وصواريخ غراد أو ما يشبهها، ويعتقد الخبير أن الجماعات المسلحة لديها بالفعل هذه الخبرة، وعلى سبيل المثال حزب الله اللبناني الذي سينضم عن طيب خاطر إلى الحرب ضد القوات الأمريكية.

يخلص الكاتب إلى أن القواعد الأمريكية في سوريا ضعيفة للغاية، ولم تتعرض لأضرار بعد، فذلك لأنه لم تقم أي جماعة بمهاجمتها بعد، وعندما يتم اتخاذ هذا القرار، ستتكبد القواعد الأمريكية خسائر متنامية.

ووفقاً للسيناريو الذي يراه الخبير، سيشن المسلحون هجوماً على الاتصالات، بهدف عزل القواعد الأمريكية والحاق خسائر بشرية ومادية، وهنا يمكن تطبيق مجموعة كاملة من أساليب القتال المعهودة في أفغانستان والعراق وبلدان أخرى، حيث خاضت تلك الجماعات حروب عصابات، بالإضافة إلى استخدام أنظمة مضادة للدبابات ومنظومات دفاع جوي محمولة، ويرى الكاتب أن الجماعات المسلحة تمتلك كميات كافية من هذه الأسلحة.

ومع هذا التطور الميداني، لن تتمكن القوات الأمريكية في بسوريا أن تصمد لفترة طويلة حتى مع وجود الدعم الجوي المكثف بواسطة طائرات تكتيكية، لذلك إذا قررت القيادة الأمريكية البقاء والحصول على موطئ قدم، فسيكون من الضروري تقوية المجموعات المنتشرة هناك بشكل جذري، وبعد ذلك سيكون من الممكن التحكم بشكل موثوق في المناطق على مسافة كافية لضمان أمن القواعد، يبدو أن القيادة الأمريكية اختارت هذا المسار، وتستعد للحرب القادمة مع المعارضة، بعد أن قررت بناء مجموعاتها، وهناك بالفعل تصريحات من ممثلي بعض المؤسسات الأمريكية حول قرار ارسال الدبابات إلى سوريا.

ويضيف الخبير حتى في ظل وجود دبابات مدرعة ثقيلة مع الطيران، فإن الخسائر الملموسة أمر لا مفر منه، لأن المقاتلين لديهم وسائل كافية للقتال، بما في ذلك الحديثة، في المجتمع الأمريكي سينظر إلى ذلك على أنها أفغانستان ثانية، أو ما هو أسوأ كفيتنام. بطبيعة الحال من المرجح أن تكون خسائر المسلحين أكبر بكثير، ولكن لديهم حساسية أقل بكثير. بالإضافة إلى ذلك فإن الرأي العام في سوريا سوف يدعم بالتأكيد أولئك الذين يقاتلون ضد "المعتدي الأمريكي".

ليس لدى الولايات المتحدة أي سبب حقيقي لا سياسي ولا اجتماعي ولا عسكري-استراتيجي للبقاء في سوريا، كلما أسرعت الولايات المتحدة في تفهم هذه الحقيقة كان أفضل لها، يبدو أن ترامب قد أدرك ذلك، لذا فهو يحاول التخلص من "الحقيبة السورية بدون مقبض"، ومع ذلك فإن هناك جزءاً كبيراً من النخبة الأمريكية يفكرون بشكل مختلف، أو يريد أن يخلق مشاكل لترامب في الانتخابات المقبلة.

ومن الممكن أن نفترض أن مصير القوات الأمريكية في سوريا سوف سيتقرر في العام المقبل: الولايات المتحدة ستغادر سوريا.