الأحد  08 كانون الأول 2019
LOGO

مجالات الثورة المستحيلة

عبد الرحيم الشيخ

2019-11-19 07:30:24 AM
مجالات الثورة المستحيلة

 

في روايته "خسوف بدر الدين"، يدشِّن باسم خندقجي منحنىً تعويضياً للحرية من داخل الأسر على المستويات النفسية، والثقافية، والسياسية، وفي إطار جمالي يعزُّ نظيره في كتابات الحركة الفلسطينية الأسيرة. وإن كان للداخل الـمَتنيِّ في الرواية أن يطرح أسئلتَهُ، التي ستشكِّل مستويات التحليل النقدي، فإن للخارج السياقيِّ أسئلته، إذ: كيف لأسير فلسطيني ماركسي قضى خمسة عشر عاماً في السجون الصهيونية، ومحكومية، بثلاثة مؤبدات، لا تزال مفتوحة على الحرية، في فلسطين القرن الحادي والعشرين-المحتلة... أن يقيم كومونة صوفية في القرن الرابع عشر: يبزغ حلمها الرومانسي في القاهرة العربية، وتتبلور أطرها الإيديولوجية في تبريز الفارسية، ويتحقق مشروعها السياسي في أدرنه التركية؟ وأيَّة أقنعة يُلْبِسها الروائي للسرد في سياق إمبراطوري، دون أن يَلْبِسها، سيكون بوسعها تحقيق الجمالية الثورية حين تكبو الثورة؟ وهل يمكن لـ"خمر السلطة أن يوضَع في أكواب العدل" حين لا يكتفي الصوفيُّ بالتنافس على مملكة السماء، ويتورط في التنازع على ملك الأرض؟ لا يجيب الروائي، بل يجمع أطراف العنف الرغبوي والرمزي والثوري، يتخللها عنف جمالي، يتيح للفلسطيني أن يكون "منتصراً باللغة" والتاريخ في آن معاً.

الأسير باسم الخندقجي- اعتقل في 2-11-2014

ينطلق خندقجي في تشكيل منظومة العنف الثوري خاصته من مسلَّمة مؤدَّاها أن معنى الثورة ومبناها إنما ينبعان من الذات، ويتحصَّلان عن فعلها المحض، وهو ما يوجزه في ختام الرواية بالقول، على لسان بطله بدر الدين، مخاطباً رفاقه: "ثوروا على أنفسكم... أنا باكورة الشرر والرفض. يكفيني أن ألهمهم. أن أعزز إيمانهم بقدراتهم." فالثورة نارٌ، تأتي من الداخل المضيء وعليه، أولاً، ومن ثم يطال شررها الخارج المظلم، لتنيره. ولتحقيق هذه الثورة، يتمحور الخط الحكائي للرواية حول حياة بدر الدين محمود ابن قاضي سيماونة في أدرنه التركية، وأم سبيَّة من أصل إغريقي، توفيت أثناء ولادته، ولم يعرف اسمها، لكنه جمع اللغة والجمال بطرفيه المشرقي والمغربي.

تتبدَّى إمكانات مختلفة لثورة مغايرة في كلَّ حاضرة، تبدأ ببعثه وتنتهي باستشهاده الملتبس، على شكل خسوف يسوعي، يَعِدُ بقيامة أكيدة

ففي ثلاثة أقسام، وأحد عشر فصلاً، تسرد الرواية مصفوفة العصيان التي يمارسها بدر الدين في ثلاث حواضر إمبراطورية: القاهرة، وتبريز، وأدرنه، حيث تتبدَّى إمكانات مختلفة لثورة مغايرة في كلَّ حاضرة، تبدأ ببعثه وتنتهي باستشهاده الملتبس، على شكل خسوف يسوعي، يَعِدُ بقيامة أكيدة. وعليه، فإن ثمة ثلاثة مجالات يمارس فيها البطل ثوريته، يتميز كل منها بنوع خاص من العنف يستهدف مواجهة نوع خاص من السلطة وممارسة العصيان ضده في مجال إمبراطوري محدد: العنف الرَّغبوي في المجال القاهري، والعنف الرمزي في المجال التَّبريزي، والعنف الثوري في المجال الأدرني.

العنف الرغبوي في المجال القاهري

بعد ترحاله في العديد المراكز الصوفية في نواحي الإمبراطورية الإسلامية، تحقيقاً لوصية والده في طلب العلم، يأتي بدر الدين إلى القاهرة ويتتلمذ على يديّ العارف أكمل الدين القاضي، الذي يتلمَّس ما به من "جذبة إلهية"، ويقرِّبه من حاكم البلاد، السلطان برقوق، كأستاذ للعربية لنجله الأمير فرج، ذي السنوات العشر، والذي كان حظُّه وافراً من قلة الفطنة، وكان مدلَّلَ أمِّه خوند-شيرين، الجارية التي صارت زوجة للسلطان. وعلى الرغم مما يبدو كامتياز بلاطي لمعلِّم شاب، إلا إنه كان محنةً كبرى على مستوى هويته الثقافية والرغبوية. فبدر الدين، ثقافياً، يبدي موسوعية معرفية من خلال معرفته بالعربية والتركية والإغريقية، في مواجهة عجرفة السلطانة والدة الأمير الأحمق، كما أنه يحاول المشي على الخط الدقيق بين اللا-امتثال والعصيان حين لا يلتزم بشروط تعليم أبناء السلطان، قائلاً: "أنا لست عبداً لأحد. أنا حر نفسي". أما على المستوى الفردي، فإنه يبدي عصياناً رغبوياً مزدوجاً: فمن ناحية ينجو من إغراءات السلطانة خوند-شيرين، الممسوسة بشبق شيطاني، والتي جعلت منه "يوسفاً معدَّلاً"، إن جازت استعارة تعبير الطاهر لبيب، وذلك بالتوقف عن تدريس الأمير وإعلان عصيان تربوي في القصر السلطاني؛ وينجو، من ناحية أخرى، من فتنة محبوبته الجارية مكنونة، التي كانت شهوتها من نار، والتي كانت محظيَّة لقائد الحرس السلطاني، وانتهت إلى مصير تراجيدي بـمُدية السلطان نفسه بعد اتهامها بالاشتراك بمؤامرة عليه.

إثر هزيمته الرغبوية المزدوجة، يسيح بدر الدين في قاهرة المغلوبين، ويتحوَّلُ من معلم لابن السلطان إلى بائع للفواكه المجففة في وادي المستضعفين، ناقداً التباين الطبقي الذي أفرزته السلَّميات الاجتماعية في القاهرة المملوكية، ومتنقلاً بين حياة الانحراف و"اتقان الشر كله" (التي تفصح عنها مساوراته الميلانكولية)، ومؤثراً ثقافة المغارة (الحلقة الصوفية) على ثقافة القصر (الحظوة السلطانية). وبعد سبع سنوات، يقرر مغادرة القاهرة التي تنبأ له فيها شيخ المغارة أنه سيحظى بالسيف والكشف. يستشير بدر الدين-العالم رفيقيه: طوره-الصديق، وشيخ يمينه، ونائبه، وأمين أسراره؛ ومصطفى-المحارب، شيخ يساره، وحاميه، ومثاله في الشجاعة، ويقرر الرحيل.

يتعرَّف بدر الدين على الشرط الأول للحرية، وهو عتق الجسد من إسار الرغبة

لكنه، في المجال القاهري، يمارس عنفاً رغبوياً على نفسه اللوامة، التي تحسن جلد ذاتها كما ينبغي، وعزاؤه الوحيد في كبح رغباته الحسيَّة مقولة أثيرة للصوفي بشر الحافي، مؤدَّاها: «طوبى لمن ترك شهوةً حاضرةً، لموعد غيب لم يره»، تجعله، دوماً، عبد توبة، لا عبد شهوة، وإن كان ابن الأرض وابن السماء. في هذا المجال، يتعرَّف بدر الدين على الشرط الأول للحرية، وهو عتق الجسد من إسار الرغبة، ذلك أن الشبق الذي لا ارتواء له. وعلى عكس الدرس الكلاسيكي في التحليل النفسي الفرويدي الذي يقضي بانتصار تتانوس على إيروس، يحيل العطش فاعله (بدر الدين) إلى "إنسان مصطفى"، بالتعبير الصوفي، ويحيل مفعوله الجسدي (الجارية في صورتي شيرين ومكنونة) إلى مقتنيات "العالم الخسيس"، على الرغم من مواصلة الجارية مكنونة دورها كأمثولة لـ"الأنثى الكونية"، أزلية الخصوبة-أبدية العذرية، التي لم تكن مرَّة مكاناً لرغبته الحسية، ولذا، أمكنه أن يراها خالقةً، لأنها لم تكن مخلوقة، مثلما حَلا للرومي مرَّة القول. لكنَّ هذا التعالي الإيروسي، الذي حال دون تحقق الارتواء العاطفي، عبر مسحة صوفية رعوية خجولة، يذكِّرنا بالتطهُّر الإكراهي الذي مارسه الصوفيون، والشعراء العذريون، والصعاليك... كضرب من التصعيد الجمالي للحرمان الذي اعتبره الكثيرون، وأبرزهم أدونيس، حجر الزاوية في تجربة التيارات الثورية العربية التي كانت: نفسية، وكمالية، وتجاوزية في آن معاً. 

غلاف رواية خسوف بدر الدين

العنف الرمزي في المجال التبريزي

يصل بدر الدين إلى تبريز، ويواصل مساوراته الميلانكولية، لكنَّه يتحوَّل إلى وجهة أخرى في المساءلة، حيث تبدأ سجالات المثقف والسلطة من خلال علاقة النخبة الدينية والثقافية مع أمير تبريز القاضي حسام الدين الفاضل، والخان الأعظم تيمورلنك. يتعرَّف بدر الدين على ابن نور السماء، قطب الصوفية في تبريز، والذي يقدَّمه للعلامة ابن خلدون. لا تدوم عُرى الودِّ طويلاً، حتى يعلن بدر عصيانه المعرفي على ابن خلدون الذي بدا محض عنصري عربي، ومثقف بلاطي، ليس من تحت قوله عمل، إلا التزلف للسلطة، ودعم سياساتها، وتبرير جرائمها؛ وعصيانه الروحي على ابن نور السماء، في خروج صارخ على نمط "الشيخ والمريد" في الثقافة العربية، الذي طالما نظَّر له عبد الله حمودي.    

وعلى الرغم من هذا العصيان الصارخ، تبتسم سياسات الاعتراف لبدر الدين ومن قبل رأس تبريز وحاكمها القاضي حسام الدين الفاضل، وذلك من خلال علاج ابنه المريض الأمير عبد الله متوسلاً الطب الروحي باللغة السريانية، على عادة أنموذجه الأعلى- السيد المسيح: "أيقنت أن الماء الذي كان يشربه فاسدٌ، فأسقيته من مائي." وفي تبريز، يدشن بدر الدين زاوية جديدة بمباركة وطلب الأمير الذي أمن له، في الزاوية، بيتاً وحماية. هنا، يبدأ بدر الدين تحقيق جزء من حلم كومونته، إذ لا ثورة على الشر تماماً، بل ممارسة للنقد الطبقي على نهج هادي العلوي في "مدارات صوفية"، حيث يكون شعاره، في هذه المرحلة، مقولة أبو عثمان النياسبوري: "اصحب الأغنياء بالتعزز، والفقراء بالتذلل، فإن التعزز عن الأغنياء تواضع، والتذلل للفقراء شرف." فهو، إذن، لا يسعى لمملكة ولا ملك، ولكنه يرغب في تحقيق العدالة الاجتماعية بثورة ثقافية بيضاء.

لا يسعى بدر الدين لمملكة ولا ملك ولكنه يرغب في تحقيق العدالة الاجتماعية بثورة ثقافية بيضاء

هنا، يبدأ بدر الدين ممارسة عنفه الرمزي بتعرية المؤسسة الثقافية والدينية (ابن خلدون وابن نور السماء)، ولا تنتهي بتحقيق المساواة الاجتماعية بين الرجل والمرأة على نحو يتجاوز تعزيز مكان المرأة نحو تعزيز مكانتها. وليس أدلَّ على ذلك من انتصار بدر الدين للمرأة الفارسية الجريحة، التي لجأت إلى زاويته، وتبين أنها الجارية نرجس المملوكة لكبير تجار الحرير... والتي ما كان من بدر إلا أن حررها دون شروط، ولم يجعل "عتقها صداقها" كما في الإرث النبوي، بل غيَّر اسمها (من نرجس إلى زينب) كناية عن بداية حياة جديدة، أمَّن لها فيها الحماية من مولاها السابق، وحَمَلَ حاكم البلاد على شرائها منه، بل وزوَّجها من ابنه، الأمير عبد الله، الذي أشفاه من مرضه، ممارساً محواً لافتاً للفوارق الطبقية والاجتماعية، وحتى الروحية حين سمح لها أن تكون مريدةً في زاويته الصوفية التي صارت كومونة مع وقف التنفيذ، حتى غادرها إلى مسقط رأسه في أدرنه.

وعلى الرغم من كون تبريز هي القاعدة العسكرية لتيمورلنك، وما حظي به بدر الدين فيها من مكانة أحالت زاويته فيها إلى كومونة صغيرة وزَّع فيها هدية الخان الأعظم تيمورلنك على نحو اشتراكي، يحاول بدر الدين توسيع نطاق هذه الكومونة التي تحققت فيها العدالة الاجتماعية على نحو مجهري إلى كومونة سياسية كبيرة في أدرنه. ولكنه قبل الذهاب إلى أدرنه، يشكِّل، رفقة صديقيه مصطفى وطوره، خلية مقاتلة أشبه بأصحاب النفري- أعزاء الله: "سيفٌ لحماية الحق".

العنف الثوري في المجال الأدرني

بعد أن شهد بدر الدين فتنة أبناء السلطان بايزيد بعد هزيمة والدهم، وانتقال وحدة النخبة إلى بروسه، ومن ثم إلى أدرنه، لاحت تباشير الثورة السياسية الفعلية... فمع وصوله إلى أعمال أدرنه، احتفى الناس والسلطة ببدر الدين، وتمت ترقيته من شيخ الطريقة إلى قاضي العسكر، وهي أعلى رتبة في الجيش والدولة وذلك بمرسوم من قبل الأمير محمد جلبي وتوصية من أخيه الداهية الأمير موسى. وعلى الرغم من أن تلك الترقية السلطوية لصوفي ثوري كانت "ركلة إلى رأس الرمح"، على حد تعبير محمود درويش، إلا إن بدر استثمرها في بناء وحدة النخبة التي شكَّلها أواخر أيامه في تبريز. وقد أمَّن له منصبه الجديد، فضلاً عن مكانته الروحية التي ذاع صيتها واستحكمت سطوتها، أن يكون وزارة بروبوغاندا ومديرية توجيه سياسي ومعنوي، في فرد. كما أتاحت له حرية التبشير بدعوته المشاعية بين رفاقه الذين أُسروا بخطابه الثوري النعمائي الذي يصرُّ على أن "يوضع خمر السلطة في أكواب العدل"، المجاز الذي استخدمه صلاح عبد الصبور، مرَّةً، في وصف ثورة الحلاج السياسية.

يواصل بدر مساوراته الميلانكولية حول خياراته العصيانية الفردية ومبدئه الثوري الجماعي، ويواصل مذهبه الانتشار على الرغم من التضييق الذي مارسه الأمير موسى بن بايزيد عليه وعلى تابعيه، إلا إنه تمكن من إعداد مخطط لانقلاب طروادي على الأمير، انقلاب أبيض، غير قيصري، تتحقق إثره يوتيوبيا العدالة الاجتماعية، وتتوحد الديانات الثلاث ضد الظلم في ثورة مشاعية مستحيلة، تنتج عنها "كومونة أدرنه" التي لم تعمِّر طويلاً. ولكن نجاح الثورة لم يحمِ قائدها، ورفيقيه طوره ومصطفى، من المصير المشؤوم على يديِّ أميرها الذي استدرجه، ورفاقَهُ، إلى نهاية يسوعية انتصرت فيها الكلمة وذوى الجسد، بعد أن أصبح الفكر الكوموني، الذي رعى إرادة التغيير وحقق فعل الحرية، تهمةً تمكَّنت السلطة السياسية من خلالها أن تسلم الثائر إلى مصيره: "ثم يدفع الجلاد المنصة الخشبية. يرتعد الجسد المعلق للحظة. ثم يخسف بدر الدين."

تمكن من إعداد مخطط لانقلاب طروادي على الأمير، انقلاب أبيض، غير قيصري، تتحقق إثره يوتيوبيا العدالة الاجتماعية، وتتوحد الديانات الثلاث ضد الظلم في ثورة مشاعية مستحيلة

لم يشهد المجال الأدرني خروجاً على نمط الشيخ والمريد في الثقافة العربية وحسب، بل وشهد عنفاً سياسياً ثورياً على فحوى الخيار الصوفي بأن يقضي التقاة حياتهم في "التخلِّي" ليتمَّ "التجلِّي" دون تورُّط في الزائل الدنيوي الذي لا يقع خارج إطار "السِّوى". وبالتالي، لم يكن العصيان روحياً ومعرفياً بروتوكولياً وحسب، بل كان عصياناً إيديولوجياً صارخاً يرى أن خمر السلطة يمكن أن يوضع في أكواب العدل، وبيد الصوفي الثوري نفسه، لا بيد من ولَّاهم أمره، واعتزل. ولعل هذا هو ختام دروس الحرية في مسيرة بدر الدين، أن العصيان الثوري يبدأ بالنفس (الفرد)، وينتهي بالسياسة (الجماعة)، بعد أن يعبر بينيَّة الثقافة التي تؤطرهما.

... وكذلك العصيان الجمالي

لا شك أن ثلاثية العصيان التي دشَّنها خندقجي في رواية "خسوف بدر الدين" لم يكن لها أن تتحقق في الداخل الـمَتني لولا هندسة الخارج السياقي لشروط الحرية في السرد من خلال تعدد أمكنة الثورة، ومستوياتها، وتزميناتها، حيث عملت مجتمعةً، وفي المجالات الثلاثة على جعل الرواية وسيطاً ثقافياً لتحقيق الثورة، وإخراجها من حد الاستحالة إلى حدِّ الإمكان. هذه الرواية، التاريخية بالتعريف، والتي صيغت برهافة شاعر عارف بالمتن الصوفي في أبرز تجلِّياته الثورية، التي وصفها أدونيس مرَّة بـ"شعرية الفكر"، لم تتورط بالنزعة التسجيلية التي تميز كثيراً من كتابات الحركة الأسيرة الفلسطينية، إذ الرواية التسجيلية تعقيب على التاريخ، والتاريخية إسهام فعَّال في صناعته.

لم تتورط الرواية بالنزعة التسجيلية التي تميز كثيراً من كتابات الحركة الأسيرة الفلسطينية

وقد عزز من فاعلية هذه الجمالية الثورية خلق خندقجي لبطل أممي عابر للمجالات الجغرافية والثورية، يتحدث بالتركية والعربية والفارسية والإغريقية والسريانية، جاعلاً من الإرث الديني الإبراهيمي وقود ثورة مشاعية، عوضاً عن كونه وصفة لإجهاضها، وكأنه "مسيح صغير" مملكته، سياسياً، في هذا العالم، وروحياً، خارجه، وإن انتهت الرواية بمشهد يحمل دلالة قربانية تَسِمُ أبطال كل ثورة، سواء كانت على  الاستبداد الداخلي أو الاستعمار الخارجي. يتخذ خندقجي من المسافة التاريخية في التأطير قناعاً، ومن تعدد المجالات المكانية قناعاً، ومن  المساورات الميلانكولية في السرد قناعاً، ومن الإتقان العالي للغة المعين المعرفي الصوفي قناعاً، ومن المجهولية الجزئية لمصادر البطل الإيديولوجية قناعاً... لينجز ثورته المستحيلة، وإن كان مصيره الخسوف، فإنه غياب مؤقت، ووعد بالتجلي: فلا خسوف للبدر، بل تدريبٌ لأعين الناظرين على الغياب، ووعد بالقيامة.

 

* باسم خندقجي. خسوف بدر الدين. بيروت: دار الآداب. 2019.