الأحد  15 كانون الأول 2019
LOGO

قراءة سريعة في تجارة فلسطين الخارجية/ بقلم: سمير حليلة

هل لدينا هناك فرصة لإعادة الهيكلة؟

2019-11-20 09:20:39 AM
 قراءة سريعة في تجارة فلسطين الخارجية/ بقلم: سمير حليلة
سمير حليلة

 تنوعت قدرة الدول على التعامل مع الهزات الاقتصادية وخاصة خلال الأزمات الكبرى، مثل أزمة 2008 في أمريكا وباقي دول العالم، ثم في الأزمة اللاحقة في 2012 والتي ضربت أوروبا بشكل رئيسي. واتضح خلال هذه الأزمات أن طبيعة الأثر الذي تركته هذه الأزمات على أيرلندا مثلا اختلفت تماما عن آثارها المدمرة على اليونان وإيطاليا وإسبانيا على سبيل المثال.

وقد أصبح شعار بناء مناعة الاقتصاد الوطني وتحلّيه بالمرونة والديناميكية في التعامل مع الضغوط الخارجية، هو الدرس الرئيس وجوهر السياسيات الاقتصادية التي تبنتها مختلف الدول بعد هذه الأزمات.

وفي الحالة الفلسطينية، وهي حالة اقتصادية نادرة من حيث أنها تتعرض بشكل دائم ومتلاحق لضغوط سياسية متنوعة وحصار وضغوط اقتصادية مختلفة في ظل وضع أمني بعيد عن الاستقرار والديمومة، ولهذا فهي تحتاج إلى بناء عناصر المناعة في اقتصادها،  بما يؤهلها ويسلحها لمقاومة الضغوط المختلفة (وهي كثيرة)، في ظل احتلال طويل المدى، وصراع قد يمتد لأجيال قادمة.

ويبرز من بين هذه العناصر بشكل خاص، تركيز الاهتمام على بناء قاعدة إنتاجية عريضة للاقتصاد، وتستند لمصادر محلية موثوقة، وبناء أسواق وبدائل متنوعة ومتكاملة تصمد في وجه الأزمات، وبناء كادر بشري مرن ومتعدد المهارات يستطيع التنقل من قطاع إلى آخر حسب الاحتياج.

وفي التجربة الفلسطينية، لم نستطع (لأسباب خارجية، أولا: تعود للاحتلال، وداخلية تعود لغياب الرؤية والإرادة) أن نستثمر مصادرنا المحلية بشكل جيد، وهذا يشمل الأرض والمياه والمصادر الأخرى الطبيعية. وثانيا لم نستطع الحفاظ على أسواقنا بسبب إجراءات ضم القدس لإسرائيل في عام 1981 أو فصل غزة عن الضفة بعد انقلاب 2007، أو دعم المنتج المحلي والسوق المحلي في مواجهة تغّول المنتجات الإسرائيلية، أو دعم الصادرات الفلسطينية في أسواقها الخارجية بشكل كاف. وثالثا: فإن كادرنا البشري قد تم تأهيله وتدريبه لسوق آخر ولم ننتج سوى خريجي جامعات غير مطلوبين للسوق المحلي.

ولم نستثمر بشكل كاف في التدريب المهني والفني والتقني، وهو صاحب الطلب العالي في السوق الفلسطيني.

 وبالطبع فإن ذلك كله تم في غفلة عمرها 25 عاما، مرت على صانع القرار السياسي الفلسطيني، وكذلك على أغلب الحكومات المتعاقبة، كان فيها للفعل السياسي والأمني مركز الصدارة، بينما ظل الفعل الاقتصادي في الخلفية، وأولوية ثانوية في الموازنات الحكومية بالرغم من آلاف الصفحات من الخطط الثلاثية والخمسية الحكومية التي امتلأت فيها بيانات مجالس الوزراء المتعاقبة واجتماعات الدول المانحة (AHLC).

 في هذه القراءة السريعة، لعنصر واحد من العناصر الثلاثة المكونة لاقتصاد الإنتاج، وبالتركيز على جزء من السوق يتعلق بالتجارة الخارجية وانعكاساتها في بناء قطاعات محلية منتجة في إطار مشروع لإحلال الواردات التي يمكن استبدالها بالمنتج الوطني؛ فإننا نستند إلى التقرير الرسمي الذي أصدره الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني خلال شهر أكتوبر الماضي، والمتعلق بـ "إحصاءات التجارة الخارجية للسلع والخدمات لعام 2018"، ولا يشمل التقرير بالطبع الجزء من محافظة القدس الذي تم ضمه لإسرائيل عام 1981.

ويذكر التقرير أن واردات فلسطين قد ارتفعت في العام 2018 عن العام 2017؛ حيث بلغت 6340 مليون دولار بارتفاع نسبته 11.7%، بينما بلغت الصادرات الفلسطينية 1.156 مليون دولار بارتفاع نسبته 8.5% عن العام السابق  2017، واللافت للانتباه في هذا التقرير أن قيمة واردات قطاع غزة قد بلغت 640 مليون دولار، أي أن حصة الفرد في غزة من الواردات كانت 320 دولارا سنويا، حينما وصلت قيمتها في الضفة الغربية إلى 2000 دولار للفرد سنويا. وبالطبع فإن قيمة صادرات غزة لا تذكر لأسباب تتعلق بالحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع منذ عام 2007 .

والملفت أيضا للانتباه (والقلق)؛ هو أن الصادرات وطنية المنشأ قد بلغت عام 2018 ما نسبته 60% من إجمالي قيمة الصادرات، بتراجع كبير عن العام 2017، حين بلغت 74% من إجمالي الصادرات. ومع أن هذه الأرقام قد تؤدي للاستنتاج أن أعدادا أكبر من المستوردين ومن السلع يعاد تصديرها إلى إسرائيل، إلا أن هذه الظاهرة بحاجة لفحص مكثف قبل الوصول إلى استنتاجات تتعلق بالسياسات التجارية للسلطة الوطنية الفلسطينية.

 وجاءت الواردات الفلسطينية تأتي من عشر دول رئيسية في العام 2018، مع تبيان الفوارق لعام 2017.

وتشكل الواردات من إسرائيل ما نسبته 55.5 من إجمالي الواردات، بينما الواردات من الدول العربية بلغت 6% ، ومن أوروبا حوالي 8%.

 أما الصادرات الفلسطينية في عام 2018 للدول العشر الأولى، مع تبيان نسبة التغير عن 2017 فكانت كالتالي:

ويلاحظ أن قيمة الصادرات الفلسطينية إلى الدول العربية والإسلامية قد زادت عن 150 مليون دولار، أي حوالي 13% من إجمالي الصادرات. أما إسرائيل؛ فإنها تستورد حوالي 83.6% من الصادرات الفلسطينية أو المعاد تصديرها. ويمكن بعد فحص ومراجعة هذا الرقم الأخير أن تهبط الصادرات الفلسطينية ذات المنشأ الفلسطيني إلى إسرائيل حوالي 55% من الصادرات الفلسطينية فقط.

إلا أن نظرة تفصيلية على الواردات الفلسطينية تفتح الباب لعشرات الفرص والمشاريع التي يمكن للمستثمرين المحليين والعرب (وكذلك الحكومة الفلسطينية وصندوق الاستثمار)، أن تفحص خيارات الاستثمار المتاحة بقوة وعمق. وبالطبع فإنني أعتقد أن سياسة حكومية في مجال الطاقة البديلة تستهدف تخفيض استيرادنا من الكهرباء من إسرائيل، على سبيل المثال من رقم 558 مليون دولار إلى أرقام تتراجع سنويا حسب قدرتنا الاستيعابية لتوسيع قطاع الطاقة البديلة، مع العلم أن سرعة الإنجاز في هذا القطاع ما زالت بطيئة لأسباب متنوعة أو تحتاج لقوة اندفاع حكومي ومن القطاع الخاص مبنية على أهداف محددة مسبقا سنويا.

وفي نفس المجال، فإن استيرادنا من المشتقات البترولية والغاز والزيوت المعدنية وغيرها يزيد عن 1260 مليون دولار، وهو رقم يجب أن نفحصه بالتفصيل، وفحص الخيارات المتاحة منذ زمن، وتبقى المسؤولية حكومية بالطبع في هذا المجال.

أما الإسمنت، ويبلغ استيرادنا منه 193 مليون دولار أمريكي؛ فهو السلعة المرشحة بشكل قوي لتغييرات في بنية الاستيراد فيها، باستبدال المصدر الإسرائيلي الوحيد بمصادر أخرى، أو باستبدال الاستيراد بالإنتاج من خلال مطحنة "كلنكر" واحدة أو أكثر خلال الأعوام (2020- 2021).

وبهذا إذا تم استثناء الواردات الحكومية والتي تصل إلى أقل من ثلث الواردات الفلسطينية تقريبا؛ فإن هناك متسعاً كبيراً لتغييرات في بنية الاستيراد وإحلالاً لمئات الملايين من المستوردات واستبدالها بمصادر عربية وإسلامية أو بمنتجات محلية، ويمكن الاستشهاد لعشرة مواد أساسية ثبت أن لفلسطين فيها قدرة إنتاجية حالية أو ممكنة، ويمكن أن نبدأ بها لثلاث سنوات قادمة وفحص النتائج سنويا، بمشاركة جمهور استهلاكي واثق بقدرة قطاعه الخاص، وجاهز لدعم المنتج الوطني في إطار من العهد المتبادل والثقة المشتركة بينهما.

1-   الخضار والفواكة: تستورد فلسطين ما يقارب 206 مليون دولار سنويا من الخضار والفواكة، ومنها التمور والأفوكادو بقيمة 39 مليون دولار، وتفاح وانجاص بقيمة 26 مليون دولار، وحمضيات بقيمة 12 مليون دولار، وبطاطا بقيمة 5 مليون دولار، وثوم بقيمة 5 مليون دولار. فهل يمكن لوزارة الزراعة تركيز الجهد مع ممثلي المزارعين والمستثمرين في القطاع الزراعي لتخفيض هذه الأرقام سنويا واستبدالها بإنتاج فلسطيني منافس من حيث الجودة والسعر؟

2-   العصير والمشروبات الغازية والمياه المعدنية: يبلغ إجمالي استيرادنا من المياه الغازية 84 مليون دولار، والمياه المعدنية 68 مليون دولار، والعصير 14 مليون دولار، وهي أرقام كبيرة في حال مقارنتها بوجود عدد كبير من المصانع المحلية القادرة على توسيع استثماراتها لتغطية هذا السوق الواسع والكبير. وبالطبع فالمسؤولية كبيرة على وزارة الاقتصاد الوطني بالتعاون مع القطاع الخاص للوصول لخطة ثلاثية لتخفيض هذا الرقم غير المبرر والاستثمار في توسيع خطوط الإنتاج وإقامة مصانع جديدة في هذا القطاع.

3-   الألبان والأجبان: وصل استيرادنا من الألبان والأجبان (ومعظمه من إسرائيل) إلى 80 مليون دولار، شاملا الزبدة والألبان المحلاة والأجبان، في ظل وجود صناعة فلسطينية رائدة في كل هذه القطاعات. وينطبق عليها ما ينطبق على صناعة المشروبات من حوار وخطة ثلاثية للاستثمار بين وزارة الاقتصاد الوطني ووزارة الزراعة، وبين القطاع الخاص في هذا المجال الهام.

4-   الأدوية وملحقاتها: بلغ استيراد فلسطين من الأدوية 138 مليون دولار، والفيتامينات 10 مليون دولار وملحقاتها 39 مليون دولار،  في ظل صناعة ومصانع أدوية عربية وتصديرية. وبالطبع وبدون وهم أن تستطيع فلسطين إحلال كل الواردات بما هي فيه من بلد صغير بمقدرات محدودة، إلا أن فحص هذا الموضوع بين وزارة الصحة الفلسطينية وممثلي مصانع الأدوية وقطاع الصيدلة والمستشفيات في فلسطين هو المدخل الأهم لفحص كيف يمكن تخفيض نسبة الاستيراد هذه عبر دعم الاستثمار في قطاع الصناعة الدوائية وملحقاتها.

5-   منتجات السكاكر والبسكويت والخبز: بلغت مستورداتنا من هذه السلع حوالي 170 مليون، منها 85 مليون خبز وويفر بسكويت، وسباغيتي 7 مليون، ومحضرات دقيق 43 مليون، وكورنفليكس 9 مليون، وسكر 40 مليون.  أما الشوكولاتة والكاكاو فاستيرادنا منها بلغ 96 مليون. وهنا نحن أمام توسع في حجم استهلاك كبير يحتاج لتوجيه أوسع من جمعيات حماية المستهلك إضافة لفحص خيارات الاستثمار المتاحة مع الشركات العاملة في هذا القطاع.

6-   السجائر والتبغ: بلغ استيراد فلسطين 172 مليون دولار أمريكي، ويعتبر هذا القطاع من أهم وأخطر القطاعات بسبب كثافة الضريبة المفروضة عليه، بما يحقق دخلا كبيرا للحكومة الفلسطينية، وفي نفس الوقت يشكل خطرا كبيرا على الصحة، ويحتاج لبناء علاقة تنافسية دقيقة مع المنتج المحلي، (سواء مع مزارعي التبغ أو شركة سجائر القدس)، وأيضا تقع المسؤولية بشكل كبير على وزارتي الزراعة والاقتصاد الوطني مع منتجي وموزعي السجائر، وكذلك مع منتجي التبغ.

7-   العلف وأغذية الحيوانات: تبلغ وارداتنا من العلف وأغذية الحيوانات 261 مليون دولار أمريكي، وقد تكون معظمها من الحبوب المستوردة من أوكرانيا وغيرها من الدول، إلا أن الواضح أن قدرة صناعة الأعلاف المحلية على تغطية احتياجات السوق المحلي ما زالت محدودة وتحتاج لدعم ومساندة من الحكومة لأسباب متنوعة، أهمها عدم قدرة المنتج الفلسطيني على استيراد كميات تجارية كبيرة من المواد الأولية في ظل غياب وسائل التمويل والتخزين لوقت كاف، مما يرفع سعر المواد الأولية ويضعف القدرة التنافسية لها مع المصانع الإسرائيلية، وينطبق نفس الموضوع على صناعة الدقيق، حيث تواجه منافسة غير عادلة من قبل التجار والمنتجين الإسرائيليين لنفس الأسباب. إن إقامة صهاريج تخزين للمواد الاولية على الحدود مع إسرائيل وتمويلها بشكل كاف يفتح الباب ويبقي الباب لتخفيض حجم الاستيراد من الأعلاف المصنعة من إسرائيل، ويبقى الباب مفتوحا للاستيراد للمواد الأولية من كل دول العالم.

8-   البيض:  بلغ استيراد البيض 25 مليون في العام 2018 ، أما الدجاج فقد بلغ 9 مليون، وهذا في ظل وجود استثمار ومزارع متطورة في هذا المجال. وأشير لكل عمليات إغراق السوق الفلسطيني وضرب المنتج الوطني خلال السنوات  الماضية وشكوى المنتجين الدائمة من عدم قدرة الأجهزة الرقابية للسلطة الوطنية على توفير الحماية المطلوبة أو تنظيم عملية الاستيراد وحماية السوق من الإغراق. أعتقد أيضا، أن هذا القطاع يمكن أن يكون مجالا لشراكة فاعلة مع وزارة الزراعة الفلسطينية والضابطة الجمركية ومع القطاع الخاص المنتج للحوم البيضاء والبيض.

9-   الحديد ومنتجاته: ويبلغ استيرادنا من الحديد ومنتجاته 390 مليون دولار، منه قضبان البناء بـ 100 مليون ومنه موارد متنوعة 60 مليون دولار، وأسطوانات وأسلاك وغيرها. وتكاد فلسطين لا تملك مصنعا واحد للحديد باعتباره استثمارا كبيرا وبحاجة لطاقة كهربائية كبيرة  لتشغيله. أعتقد أن المطلوب في هذا القطاع هو شراكة مع إحدى المصانع الأردنية أو السعودية للبدء بمصنع لصهر الحديد وتشكيله، والعمل على توفير الطاقة الكهربائية اللازمة له للتشغيل. ويترك الموضوع للقطاع الخاص لفحص جدوى هذا المشروع، بالتعاون مع وزارة الاقتصاد الوطني لتخفيض أجزاء من الاستيراد الفلسطيني الكبير من الحديد.

10- الحجر والرخام: تستورد فلسطين ما قيمته 110 مليون دولار من البلاط وحجر البناء مقارنة بـ 184 مليون من الصادرات، في الوقت الذي ينتشر فيه 1200 مصنع ومشغل في قطاع الحجر والرخام في فلسطين. إن تنظيم هذا القطاع لحماية ما تبقى من شركاته الواعدة والمنتجة بل هو أكبر قطاع تصديري؛ هو مسؤولية كبيرة على وزارة الاقتصاد الوطني،  وإن حجم العمل المطلوب في هذا القطاع لن يكون فقط في حمايته من الواردات بل في دعم صادراته وإنتاجه المحلي.

في النهاية، قد يكون اختيار القطاعات العشرة المذكورة غير عادل لقطاعات أخرى، أو تكون الأرقام المذكورة غير دقيقة تماما لأنها تعكس الأرقام الجمركية والتي تحتوي أكثر من سلعة، إن الأهم في هذه القراءة، هو توجيه المستثمر وصاحب القرار لإمكانية توسيع المنتج المحلي على حساب المستورد. وتوسيع الصادرات محلية المنشأ على حساب المعاد تصديره، وتشغيل أكبر عدد من العمالة الفلسطينية في مشاريع إنتاجية محلية.

وبالطبع، قد يقول البعض إن المحددات الإسرائيلية دائما تقف عقبة أمام هذه الاحتمالات؛ إلا أن تجربة العديد من الاستثمارات والفرص ومنها زراعة النخيل والأعشاب وصناعة الأسمنت؛ تشهد أن هذه الاحتمالات تبقى واعدة بقدر ما توفرت الإرادة الفلسطينية سواء للحكومة وأجهزتها أو للقطاع الخاص المحلي وشبكاته من المستثمرين الإقليميين والأجانب.