الأحد  08 كانون الأول 2019
LOGO

الهوتة: ما بين الهوى والفقد والجنون

رولا سرحان

2019-11-24 07:50:16 PM
الهوتة: ما بين الهوى والفقد والجنون
عامر حليحل خلال مسرحية الهوتة

 

الهوتة؛ هي مسرحية عامر حليحل الأخيرة التي تحملُ ذات العنوان، تلك الحفرة العميقة، مثل الجنونِ العميق الذي يُصيبُ من دخلها ومن خرجَ منها ومن عاش حولها، هي كونٌ خاصٌ صغيرٌ بأهلِ القريةِ، وهي عالمٌ مصغرٌ عن عالم الحربِ والجنون وخسارةِ الإنسانِ لنفسه؛ ففيها تُحمَّلُ الجثث، والضائعون، والأطفال الفرحون مطلع فرحهم بالحب، ويُرمى فيها الأعداء والأشقاءُ، وتسكنُ فيها الغولة المجنحة ذات الرأسين، ويصعدُ منها عامود الحمام إذ يطيرُ من داخلها لحظةَ دخولِ الإنسان لها وهبوطه فيها؛ كأن فيها استدعاء درويشياً لسؤال متى: "يطيرُ الحمامُ، (أو) يحطُّ الحمامُ"؟، وكلها استدعاءاتٌ تنسجمُ  وتتقاربُ في الفكرِ المفاهيمي المضمرِ في كلماتِ الهوى والهوية والهاوية، إذ نجدها جميعها تتداورُ في مكانها، ما بين إزاحةٍ وإقصاء، دون إدراكِ المشترك بينها، المتمثل في فكرة أن الهوتة، لا قعرَ لها ما لم نستطع جسر الهوة ما بين كل تلك المفاهيم ووقف حالةِ الجنون الساكنِ فيها.

تعرضُ المسرحيةُ، التي قدمها حليحل، في مؤسسة عبد المحسن القطان، مستويات للتفكير في السؤال الأخلاقي الذي ينطلقُ من الخاص إلى العام، هل الإنسانُ مشاركٌ في الشر، صانعٌ له، أم واقعٌ عليه، مستسلمٌ له؟ من قصته الشخصية يسردُ "باسل" قصة حياته، منذ مولده عام 1979، مستدعياً الصراعات الكونية التي بدأت مع الإنسان وستنتهي معه، رحلةٌ لا تستقرُ فيها الحروب، ولا النزاعات الأهلية، ولا الخلافاتُ العائلية، ولا الانقسامات السياسية.

عامر حليحل في العرض الافتتاحي لمسرحية الهوتة

الهوى والجنون والبطولة

يؤسس، حليحل، سرديتهُ المسرحية على فكرةِ الجنون، بدءاً من حبِّه ليلى، الذي دفعهُ إلى تصرفٍ مجنونٍ بأن يقوم بحفظ معلقات وقصائد تأتي على ذكر اسم ليلى، وصولاً إلى اتخاذ قرارهِ المجنون بالنزول إلى الهوتة.

فما بين استدعاء شعري لعذابات قيس ابن الملوح في حبه ليلى منتهياً به الأمر هائماً دونها ووحده مع جنونه، كذلك يؤسس في بداية سرديته للجنونِ في الحب وفي الحرب، وفي اختفاء الأول من العالم، وسيطرةِ الثاني عليه.

يبدأ باسل بالتفكير كيف يجعل جميلةَ الصف المدرسي، ليلى، تقع في حبه، فيحفظُ عن ظهر قلبٍ، ويردد ويكرر:

أَمُرُّ عَلى الدِيارِ دِيارِ لَيلى

أُقَبِّل ذا الجِدارَ وَذا الجِدارا

وَما حُبُّ الدِيارِ شَغَفنَ قَلبي

وَلَكِن حُبّ مَن سَكَنَ الدِيارا

إنها بطولة فرجوية، بطولةُ إشهارِ النفسِ، في مسعى لكسبِ الاعترافِ بها

مع ذلك، ليلى، لا تقع في حب باسل في البداية؛ فيحاولُ مع زهرة، وهناء، فلا زهرةُ تحبُّه ولا هناء، ولا أحد يقيمُ له وزناً وجودياً، حتى مع اجتهاده للمعرفة، وحفظهِ لدرسه قبل أساتذتهِ، كان الأمر يتحولُ إلى نوعٍ من النبذ، والرفضِ، لأن حضوره المعرفي، بات يُشكلُ تهديداً لقيمةِ المعرفةِ التي يمتلكها المعلم في الصف أمام طلابه. لذلك، تدفع عمليةُ الإقصاء بباسل، نحو ارتكابِ عملٍ جنوني. يُقرّر النزول إلى الهوتة، يُريدُ أن يكون بطلاً، وأن يواجه الغولة ذات الرأسين: برأس ذئب ونسر، و برأس آخر لامرأة، وبجناحين كبيرين.

لكن البطولة تأتي في سياق "الفرجوية"؛ فهي ليست بطولةً حقيقيةً، أي بطولةً من أجل البحث عن الفضيلةِ، ولا لمقارعةِ الشر، ولا لإحقاقِ الحق. إنها بطولةُ إشهارِ النفسِ، في مسعى لكسبِ الاعترافِ بها، بوجودها، أو بأحقيتها في الوجود.

ينزلُ باسلُ إلى الهوتة، وصراخُ أصدقائه خلفه، يحاولون ردَّهُ عن فعلهِ، لكنه يستمرُّ في فعلهِ، وما إن ينزل حتى يصعد عامودٌ من الحمامِ، كأن النزولَ يقابلُه الصعودُ، نزول ملحميُّ كدانتي عندما ينزلُ إلى الجحيمِ، بدوائره السبعِ، مرحلةً مرحلةَ، من الأسهل إلى الأشد عذاباً، يريدُ أن يُقدِّم لنا قيمةَ العذاب الذي تتوالى حلقاتهُ في انتقال من دائرةٍ في الجحيم إلى أخرى، تماماً مثل انتقالِ باسل بعد خروجهِ منتصراً دون أن تأكله الغولة من الهوتة، ما بين جماعاتِ الحرب وجماعات النظام وجماعات الجهاد والتكفير، غير مدرك أن الدخولَ إلى الجحيم لا يمكنُ أن يكون مثل الخروج منه، وتخريبَ الأوطانِ لا يمكنُ أن يكون مثلَ إعادةِ إعمارِ إنسانها. إنه مثل محمود، في قصيدةِ "مذبحةِ شواطئ عكا"، للشاعر الفلسطيني الكبير طه محمد علي، شابٌ ذو وجهٍ واحدٍ، يُشاركُ في الحربِ ضد دولِ المحورِ، يُغادرُ القرية، وبينما يعملُ في غسل الصحون في المعسكر، يحن إلى أمه ويحلمُ بفاطمة، ويتمنى أن يكون أبا، ويوجهُ دعواته إلى الله والخضر أبي العباس أن تعود كل دبابةٍ إلى أهلها، لكن الحرب دائماً تطعنُ من الخلف.

الفقد، البحث، الجنون

ومع تصاعد الأحداث، وسرد التفاصيل، التي قدمها حليحل في مونودراما كوميدية سوداء، نقف أمام مفاهيمية "البحث"؛ البحثِ عن المفقود، ولا يكونُ الفقدُ هنا للحبِّ ولا للحبيبة فقط، ولا البحثُ عن الأخ الغائبِ أو عن الوالدةِ المتروكةِ وحدها في البيت، ولا عن فقد الصديق أو الحارةِ أو ممثل الدولة. هنالك فقدٌ عابرٌ للعلاقات بأفقيتها وعاموديتها: إنه بحثٌ في الفقدِ، أو فقدٌ متوازٍ مع البحث، حيث كلما ازداد الفقد زاد البحثُ، وكلما زادَ البحثُ ازداد الفقد. يفقد باسلُ والدهُ عندما كان صغيراً، حين اجتمعت في مقهاهُ جماعةٌ صغيرةٌ من جماعات المعارضة التي أنهاها النظام عن بكرةِ أبيها، وأنهى أبا باسل معها، عندها عاد الأبُ مكفناً إلى عائلته. أما الفقدُ الثاني، الذي يمرُّ به باسل فهو فقدهُ لليلى التي تزوجها وحبلت منه، لكنه فقدها وفقد جنينهُ منها دون أن يعرف إن كان ولداً أم بنتاً لأن والدها أراد تطليقه منها، ليُعاني باسل من فقدٍ مزدوجٍ للحبيبةِ وللنسلِ، للروحِ وللجسد، فباسل، الذي كان يعملُ مع والد ليلى جابياً للضرائب، هو شخصٌ خائنٌ للنظام في نظر والد ليلى، فخيانةُ النظام صفةٌ تورَث، فهو خائنٌ مثل والدهِ، ومثل شقيقه، طلال، الذي اختفى إثر قراره الالتحاق بالمظاهرات التي تطالب بإسقاط النظام، ومن ثم قراره الالتحاق بإحدى الفصائل المسلحة.

العرض الافتتاحي الأول لمسرحية الهوتة في مؤسسة عبد المحسن القطان - رام الله

من هنا، يبدأ البحث في الفقد وفي المفقود منه، والتي كان يُعبر عنها بمقاطع غنائية، قد تبدو للوهلة الأولى غير مواتية لسياق تصاعد الأحداث، الغناء ما بين مقطع خبري وكلامٍ ليس بين حبيبين، بل بين جهادي وسائق الشاحنة باسل، ليعبر عن الأمان المفقود، أو الحب المنشود الذي أخلى المكان، أو أنها مقاطعُ تواسي الموقف بمحاولة افتعال مشهدٍ طبيعي في عالم غير طبيعي، فكل شيء حوله، يمشي بحسب ما كان يقول نيتشه، على "نحو غير سليم، كل شيء يمضي إلى الهلاك، والعالم الجديد، لا يقل سوءاً عن القديم: العدم.

في الهوتةِ، لسنا في مكانٍ خاصٍ، بل في كل مكان، ولسنا في زمانٍ محدد، بل في زمانية مفتوحة، حيثُ سنكون أمام مجازية إلغاء الزمان والمكان، ليكونا قابلين للانفتاح على كل زمانٍ وكل مكانٍ، إنها تماماً مثل الأسطورة، كما يعبر عنها عبد الوهاب المسيري، فجوهرُ "الأسطورة، أية أسطورة، هو إلغاءُ الزمانِ أو تجميدهُ، والانفصالُ عن المكان، حيثُ يُصبحُ المكانُ بلا تاريخ، ومكاناً بكراً،"، فتكونُ هنالك محاولةٌ لوضعِ "حلٍ نهائي للمشاكلِ والبدء من نقطة الصفر الفردوسية في الأرضِ الجديدةِ." إذ يحاولُ المهيمن بالقوةِ أن يبحثَ في الأرض الجديدةِ عن مكانهِ، ويُريدُ أن يكتب فيها تاريخه، وعندما لا يستطيع تُصبحُ الضرورةُ صيرورة، والضرورةُ هنا البقاءُ على حسابِ الآخر، وهويته، وتشييئه إلى أن يصيرَ هو هم بفعلِ الضرورةِ.

وهكذا احتسى باسلُ الفودكا مع اليسارِ وصلى مع جماعةِ اليمين، ووجد المفقود مع المولود حين اجتمعوا في النهايةِ، مع الغولةِ خائفةً منهم، كلهم، في الهوتة.