الأحد  19 كانون الثاني 2020
LOGO

الحدث ما بين السلطة والإعلام وأمان

2019-12-15 06:22:48 PM
الحدث ما بين السلطة والإعلام وأمان
رولا سرحان

 

أثار تقرير مؤسسة أمان حول نسب وواقع الفساد في السلطة الفلسطينية، أزمة بين الأطراف الثلاثة المشار إليها في العنوان. السلطة من جهة حاولت التشكيك بصحة منهجية المقياس المتبع من قبل مؤسسة أمان، فيما تمسكت أمان فرع منظمة الشفافية الدولية في فلسطين بصحة المنهجية، ما دفع بالمنظمة الدولية إلى إصدار بيان داعم لفرعها في فلسطين مصدقة بصحة منهجية القياس. وفيما يخصنا في صحيفة "الحدث" فإن محاولات جهات محسوبة على السلطة الفلسطينية، إلصاق ادعاءات من قبيل عدم المهنية، والصدقية، والموضوعية بعملنا، هي محاولاتٌ نفهمها تماماً ونضعها في سياق الأساليب المعتادة لدفاع السلطة السياسية، عن نفسها أمام المؤسسات والدول المانحة.

ولكن وكما هي العادة، فإننا في الحدث وبهدوئنا المعتاد، في كل الأزمات التي نمر بها، نود التأكيد وتوضيح الآتي:

  • أولاً إن العبارة التي أثارت الزوبعة، والمتعلقة بترتيب فلسطين في المرتبة الثانية بعد لبنان، في مختلف مظاهر الفساد، لا يجب أن تكون مثار النقاش، أو المداولة،  فأن تكون فلسطين في المرتبة الثانية أو الثالثة أو الرابعة، ليس مكمن الجدل، وإنما مكمن الجدل يتمثل في: لماذا يوجد في فلسطين فساد؟ ولماذا هذا الفساد في تزايد؛ بل لماذا لم يقرع الأمر أجراس الصحوة واليقظة لدى السلطة السياسية التي يجب أن تكون على دراية ووعي كاملين بأن واقع الفساد في مكان كفلسطين يجب أن يعد الأخطر بل في المقام التراتبي الأول من حيث درجة ونسب الخطورة نظراً لكوننا دولة في طور النشوء والبناء وتعيش مرحلة التحرر من الاحتلال.
  • مع ذلك، فإن المحاولات البائسة لنفي المهنية عن الخبر المنشور في "الحدث"، يجب أن يتم توضيحها. إذ أن الاطلاع على تقرير أمان وقراءته بشكل مفصل، كما يرد على موقعهم الإلكتروني، وبحسب ما ورد في المؤتمر الصحفي لمدير مؤسسة أمان مجدي أبو زيد، وبالاستناد إلى المنهجية المتبعة في كتابة تقرير أمان، التي أفردت أكثر من فصل للمقارنة ما بين فلسطين ولبنان والأردن، على أساس المقارنة بدول الجوار وهي الدول المشرقية الثلاث التي شملها استطلاع الرأي من بين ست دول عربية، وكانت إضافة إلى المذكورة هي المغرب وتونس والسودان، فإننا نود التأكيد على الآتي:
    • إن نسبة تفاقم الفساد في لبنان كانت 68%، وفي فلسطين 62%، وفي الأردن 55%، وبالتالي فإن فلسطين في المرتبة الثانية.
    • إن نسبة عدم الرضا عن أداء الحكومات في مكافحة الفساد كانت في لبنان 87%، وفي فلسطين 51%، وفي الأردن 43%.
    • إن نسبة تدني مستوى عدم الثقة في الحكومة في لبنان 80% في فلسطين 51% في الأردن 40%.
    • معدلات الرشوة في لبنان 41%، في فلسطين 17% في الأردن 4%.
    • معدلات الرشوة الجنسية في لبنان 21%، في فلسطين 21%، وف الأردن 13%.
    • معدلات الوساطة في لبنان 54%، في فلسطين 39%، وفي الأردن 25%.
    • معدلات شراء الأصوات حسب البلدان
  • إن ما جرى لا يمكن أن يفهم إلا في سياق أن بعض الجهات في السلطة الفلسطينية، وبعض وسائل الإعلام المحسوبة عليها، سواء من أصوات محسوبة على الإعلام الرسمي أو إعلام القطاع الخاص الذي له علاقات شراكة من الباطن مع جهات متنفذة في السلطة، أو من إعلام يُعاني من ضعف منافسته أمام ما تُقدمه "الحدث" من جرأة في الطرح وموضوعية في الأداء الصحفي، وليدلل على نقص الخبرة في العمل الصحفي الاستقصائي من قبلهم، الذي يعتمد على المعلومة الجاهزة المقدمة بلا جهد أو دافع أو حافز لتقديم ما فيه خير هذا الوطن.
  • إن محاولات نفي المهنية عن تقرير "المسح الانطباعي" الذي قامت به أمان، لا يصب في محله، خاصةً وأن منهجية المسح الانطباعي، يجب أن تشكل قاعدة مهمة بالنسبة للسلطة السياسية التي يجب أن تأخذه على محمل الجد، لكونه مؤشراً لاستمزاج الرأي العام فيما يتعلق بأداء الحكومة الحالية والسابقة والسابقة، بكل ما يتعلق بمستويات التعاطي مع المواطنة كمفهوم تفويضي لممارسة الخدمات الموكل إلى الحكومة تقديمها للمواطنين. وبما أن السلطة السياسية، المتمثلة في الحزب السياسي الحاكم في الضفة الغربية، مقبلة على انتخابات كما هو الادعاء، فإن عليها، أن تعيد التفكير في كل ما من شأنه أن يحسن علاقتها مع المواطنين، وهذا الأمر لا يمكن أن يتحقق على المدى القريب المنظور، لأنه سلسلة تراكمية من الجهد والعمل المتواصلين الذين لا يمكن إتمامها دون قيام السلطة الفلسطينية بالتالي:
  1. إعادة بناء العلاقة مع الإعلام غير الرسمي، والقبول به، وعن قناعةٍ كاملة، كشريك في عملية البناء الوطني، لا كخصم، وهذا يقتضي بادئ ذي بدء إقرار قانون الحق في الحصول على المعلومة، وإلغاء حبس وتوقيف الصحفيين على خلفية النشر والتعبير عن الرأي.
  2. إعادةَ بناء الإعلام الرسمي، كمنظومة إعلامية مستقلة، بحيث يتم ضمان استقلالها المادي والإداري ليكونا غير خاضعين للتأثيرات السياسية المباشرة، مع ضمان حياديته، وتحييده عن قضايا الخلاف، فلا يكون طرفاً في الخلاف السياسي، آخذاً صف أحد الأطراف السياسية المتصارعة على حساب طرف سياسي آخر، وبالتالي حاجباً وجهة نظر وطارحاً الأخرى ومدافعاً عنها، إذ يجب أن يكون صوت الوطن، ودليل المواطنِ للكيفية التي تُدار بها شؤونه.
  3. بناء خطاب إعلامي وسياسي، يُخاطب العقول، ولا يجيش المشاعر والنزعات الحزبية والفصائلية، للتغطية على الأزمات السياسية الداخلية.
  4. بناء خطة وطنية إعلامية، بالتشارك ما بين المؤسسات الإعلامية الخاصة، والإعلام الرسمي، مهمتها مجابهة الاحتلال، العدو الأول والوحيد للسلطة الفلسطينية وللوجود الفلسطيني على هذه الأرض.
  5. بناء خطة وطنية إعلامية، مهمتها مخاطبة الرأي العام العالمي، وإعادة تجميع قوى التضامن الدولي التي فقدتها السلطة الفلسطينية، وأفقدت الشعب الفلسطيني لهذا المصدر المهم الذي كان يتحدث باسم الفلسطينيين على الساحة الدولية.

إن تحسين صورة السلطة محلياً ودولياً، لا يمكن أن يتم عبر مهاجمة القوى والمؤسسات والإعلام الفلسطيني، التي هدفها جميعاً يصب في صالح تقويم أداء السلطة الفلسطينية، وتصويب أداء مؤسساتها بما فيه خدمتنا جميعاً، ذلك لأن "صديقُكَ هو من صَدَقَك لا مَن صَدَّقَك."