الثلاثاء  26 أيار 2020
LOGO

"الكورونا" والقيادة والمواطنة /بقلم : د. حسن أبولبده

1. في الإلتزام الوطني والشراكة

2020-03-07 05:39:25 AM
د. حسن أبولبده

من يتابع منابر التواصل الإجتماعي هذه الأيام، يتهيأ له أن يوم القيامة على زاوية الشارع، وأننا مجتمع يكتظ بخبراء الطب والصحة والأوبئة وإدارة الكوارث، الجاهزون لإبداء الرأي في كل شيء، والأهم من كل ذلك تقييم أداء الحكومة والمؤسسات العامة والخاصة.  لا يعجبنا العجب، ونرى في كل فعل نقائص متعددة بغض النظر عن مصدره، ونعتقد أن الحكومة ووزيرة صحتها تتخبط وتمضي بنا نحو حتفنا بغير هدى. 

يعكس ذلك مستوى الإحباط بما يتعلق بأداء السلطة والموقف السياسي، والقنوط من قدرة السلطة على فعل أي شيء لمواجهة هذا العدو القادم من الشرق، "فيروس كورونا الجديد".  ويتعامل نشطاء شبكات التواصل الإجتماعي ومجالس القيل والقال بنزق مع الظرف، ويمتهن بعضهم الردح دون سبب، متناسين بأن "كورونا" يحاصر الجميع وليس السلطة بأجهزتها فقط، وكما نحن قلقون على حياتنا وأحبائنا من هذا الغول القادم من الشرق، فإن السلطة لا تقل قلقاً، ونعلم جميعاَ في قرارة أنفسنا بأن هذا "المغولي" لن يفرق بين المعارض والموالي، الفتحاوي والحمساوي، الغني والفقير، الوزير والمواطن، لا بل لن يأبه "الكورونا" المتعطش لأرواحنا حين يهبط من عليائه كطائر الرخ لقبضها، سواء كنا مسلمين أو مسيحيين أو يهود أو هندوس أو عبثين ملحدين أو علمانيين.

حقيقة الأمر بأننا نتعامل مع هذا الطارئ بعصبية وتهور مبالغ فيه، وليس أدل على ذلك بأن عدد المصابين والمتوفين منذ بدأ انتشار الفيروس قبل ثلاثة أشهر وحتى الآن أقل بكثير من المصابين بمعظم الأمراض والحوادث وغيرها لنفس الفترة.  فحتى ساعة كتابة هذه السطور، أي بعد ثلاثة اشهر من بدء انتشاره في الصين، فإنه وحسب إحصائيات موقع "World meters" المستند الى أرقام منظمة الصحة العالمية، التي تم رصدها في تمام الساعة الثامنة مساء من يوم 6/3/2020، فقد بلغ عدد المصابين المؤكدين في العالم 101,703 شخص، من بينهم 56,107   تم شفاءهم تماماً، و 3,461 شخصا لقوا حتفهم.  والأهم، فإن الصين تستأثر ب 79% من عدد المصابين و88% من عدد المتوفين، بينما تستاثر بنسبة 96% ممن شفوا تماما من الفيروس.  وإذا أضفنا اليها باقي دول جنوب شرق آسيا واليابان وسفينة ديموند الراسية على شواطئها، فإن هذه المنطقة تستأثر مجتمعة ب 87% من الإصابات و 90% من الوفيات، و97% ممن تم شفاءهم بشكل تام.  وويعني ذلك بأن هذا "الوباء" هو في الواقع جنوب شرق آسيوي أكثر منه وباءً عالميا، على الأقل بناءً على الإحصائيات الرسمية المنشورة بهذا التاريخ والساعة.

بالمقارنة  فإن إحصائيات الوفيات لأسباب وأمراض الأخرى تشير الى أن فيروس "كورونا الجديد" يحمل معه تأثير إقتصادي ومالي مدمر سيستمر لفترة طويلة، أكثر منه في مجال إزهاق الأرواح، فعلى سبيل المثال، وعلى ذمة موقع "World meters"، فقد توفي منذ بداية العام وحتى اليوم 2,341,372 شخص بفعل الأمراض المعدية، و 303,195 شخصاَ بسبب مرض نقص المناعة  ال "AIDS"، و 1,481,276 بأمراض السرطان، و 176,911 بسبب الملاريا، و 901,621 بسبب التدخين، و 451,095 بسبب إدمان الكحول، و 193,408 بسبب الإنتحار، و 243,466 شخصاَ بسبب حوادث السير. 

برأيي فإن حالة الذعر المتفشية عالميا سببها الأساس هو التغطية الإعلامية المكثفة لفيروس الكورونا، والتي تعتبر بحق الأكثر بروزا وتهويلا مقارنة بالأوبئة الحديثة الأخرى، وقد أظهرت دراسة أجرتها مجلة "تايم" أنه تمت تغطية "فيروس الكورونا" في العناوين الرئيسية للأخبار 18,800 مرة خلال شهره الأول، مقارنة ب 682 مرة خلال الفترة الزمنية نفسها لوباء إيبولا الفتاك في عام 2018، بينما تمت تغطية "فيروس الكورونا" في مقالات 41,358  مرة خلال شهره الأول بمقابل 1,778 مرة لوباء "إيبولا" للفترة الزمنية نفسها في ذلك العام.

ما أريد قوله في هذا الإستعراض أن الحكمة والوقائع تتطلب التعامل بعقلانية وعلمية مع إمكانية انتشار هذا الوحش في وطننا، وعدم التسرع في اتخاذ القرارات غير المدروسة تحت عنوان مواجهته، والتي سيأتي ذكرها في مقال لاحق.  أن عماد تغلبنا على هذا "الوباء" يكمن بالدرجة الأولى في عدم الذعر من تفشي الفيروس والاستسلام للهلع، وإنما الإستعداد الجيد لمواجهته والاستعداد لارتفاع الإصابات خلال المرحلة القادمة، ومنح الفرصة للجهات المختصة من أجل تحمل المسؤولية وإدارة هذه الأزمة المستجدة، والشراكة معها في مواجهته، على الرغم من اختلاف بعضنا مع هذا الجهات ورأينا السلبي بمستوى أدائها، وأنا واحد منهم. 

بعد إعلان حال الطوارئ فإن الحكومة والنظام السياسي بمجمله دخلا بامتحان عصيب، وسيحسب التاريخ والمجتمع عليهما أي تقصير في إدارة هذه الأزمة العابرة، ونظرا للإحتقان المستشري في المجتمع بسبب ترهل الأداء والتعسف في ممارسة السلطة، فقد لا يرى أو يقدر المواطن جهود حكومة السلطة ومحاولتها إدارة الأزمة والعبور بنا الى بر الأمان.  وبرأيي فإن المواطنة الحقة والغيرة الوطنية تستدعي الترفع عن الاختلاف مع الحكومة والنظام السياسي في هذه المرحلة، ودعمها في خطواتها وإجراءاتها على الرغم من أي تحفظات عليها، والمبادرة للإصطفاف خلفها ومعها في رص الصفوف وتمتين جبهتنا الداخلية، والتجاوب معها في حال مدت يدها، والشراكة في تحمل وزر المرحلة ومسؤولية عبورها بأقل الخسائر. 

في المقابل، فإن إعلان حالة الطوارئ لا يجيز للرئيس أو رئيس حكومته التصرف في مواجهة الأزمة كحاكم مطلق دون حسيب أو رقيب، والنأي عن الشراكة مع كافة أطياف المجتمع وعلى رأسها القطاع الخاص والمجتمع المدني في مواجهة الأزمة، والتفرد في القرارات وقمع الحريات والتعسف في تنفيذ أي إجراءات، والتصرف كنظام بوليسي في دولة عميقة، تحت شعار بأننا في مرحلة طوارئ.  إن الإستنفار وحده لا يكفي، وليس من المقبول الإستئثار بالقرار والإجراء تحت مظلة حالة الطوارئ، بل مد اليد لجميع فئات المجتمع والترفع عن الإختلاف، والمشاورة وتوسيع جبهة الصمود والتصدي المجتمعي للإنتصار على هذا "الوباء"، بالحد الأدنى من الخسائر المعنوية والمادية والسياسية والإغتراب المجتمعي.

أخيرا، فإنني أتمنى على فرسان شبكات التواصل الإجتماعي المبادرة بإعلان هدنة فيسبوكية مع النظام السياسي، والكف عن الإستهتار بقرارات الحكومة وإجراءاتها، الى حين عبور هذه الأزمة.  وآمل من رئيس الحكومة مراجعة قرارات الطوارئ يوميا للتعديل أو الإلغاء أو التطوير لمصلحة ابناء شعبنا، والمبادرة فورا الى تشكيل فريق طوارئ وطني ذو صلاحيات حقيقية برئاسته وعضوية فاعلة لممثلين القطاع العام والمجتمع المدني والقطاع الخاص، لإدارة التعامل مع "الوباء" وتمتين الجبهة الداخلية، إضافة لاستنفار الجهات المختصة في الحكومة لتكثيف التوعية والإرشاد والرقابة على كل أسباب انتشار الفيروس.   (يتبع)