الخميس  28 أيار 2020
LOGO

انسوا الكورونا وتعالوا زورونا/ بقلم: عبد الله لحلوح

2020-03-20 07:18:31 PM
انسوا الكورونا وتعالوا زورونا/ بقلم: عبد الله لحلوح
عبد الله لحلوح

تتكاثر في هذه الأيام الأحاديث عن الوباء العالمي الذي يضرب الإنسان في كل بقاع الأرض، إلا أنَّ هذا الإنسان ما زال يصرُّ على أنه قادرٌ على التحكم بمجريات الأمور، وأنه لا يمكن لهذا الوباء أن يفتك بالمؤمنين، وأنه خلطة سحرية غربية شرقية ضمن نظرية المؤامرة، وأنَّ هناك مستهدفَين من وراء هذا الفيروس الفتاك. والحكايات تتوالد وتفرِّخُ وتفقس الإشاعة في زمن الشاشات الزرقاء، والإعلاميون الافتراضيون يتأبطون أقلامهم، ويرشون على الجراح ملحًا أُجاجاً، والكل في البلد يفتي إلا المفتي، ولا احترام لمشاعر الناس، ولا لخصوصياتهم، وكأننا في سباقٍ نحو الهاوية، فمن يصل أولًا، يكون قد حظيَ بالهلاك الأخلاقيِّ، وحدِّث ولا حرج في هذا السياق؛ فالتنمُّر في أعلى درجاته، والذين لم يخرجوا من البيضة بعد، أصبحوا فلاسفةً في الطب، فهُم من تلامذةِ أبقراط، وأصهارٌ للحكيم بَيْدَبا، لدرجة أنه بات لا يعجبهم وزيرٌ ولا مديرٌ ولا حكيم، وصار القرارُ لهم وبأيديهم، وما على الرسول منهم سوى (البوست المبين) ولا ضيرَ من النسخ واللصق، وما إلى ذلك من تقنيات الحداثة التكنولوجية.

لم يقف الأمر عند هذا الحد؛ بل إنَّ الاستهتار يأخذ أبعادًا عدة، فالجهود الجبارة التي قامت بها مؤسسات الدولة بكل ما فيها من طواقم، هي جهودٌ تستحق الشكر والثناء، وما رافق ذلك من إحساسٍ بالمسؤولية، ومتابعة الحالات المصابة، وتخصيص لسان رسمي واحد للتحدث إلى الشعب حول هذا الوباء، وهو الناطق الرسمي باسم الحكومة، والمصداقية العالية التي تمتع بها في نقل المعلومة، وما يحمله حديثه من التبشير والتحذير، وما يرافق ذلك من تعليمات وإرشادات وأوامر ونصائح مكتوبة ومقروءة ومسموعة ومرئية، ودعواتٍ من كل الجهات المسؤولة إلى الحفاظ على ما تبقى من سلامة هذا الوطن وساكنيه، إلا أننا ما زلنا نرى بعض المتشدّقين العابثين يكفرون بكل هذا الجهد، ويتبجحون ويسخرون، وينادون بعدم الالتزام بالتعليمات، والأنكى من ذلك أنهم يتكئون على نصوص دينية، لا علاقة لها بهذا الأمر، ولا تتصل بهذا الوباء إطلاقًا، فيلحُّ أولئك العابثون على النص، ويكسرون عنقه، ويعيدون تشكيله على مقاساتهم، فتصبح الصلاةُ في المسجد جماعةً أمرًا لا يمكن التهاون به تحت أيةِ ذريعةٍ كانت، وتبقى العادات والتقاليد من أقدس مقدسات الأمة، فبيوت العزاء يجب أن تبقى قائمة، والناس يجب أن يحضروا من كل حدب وصوب، وأن يحضنوا ويعبِّطوا ويقبِّلوا ثلاثًا على كلِّ خد، تنتهي بعبطةٍ قويةٍ مع تطبيلٍ ثلاثيِّ الأبعاد على الظهر؛ تعبيرًا عن صدق العاطفة، وحرارة اللقاء، وإلا فإنَّ التعزية لا تجدي نفعًا، ويكون حضورك أو عدمه واحدًا. و"إلا تفعلوا تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ عريض". ربما هكذا يفهم بعض المتفيهقين هذا الأمر، ويستمرون في التنمر على كل من يُظهر حرصه على صحتهم هم قبل صحته هو. وفي هذا البلاء ابتلاءاتٌ فكريةٌ كثيرة، ونماذج من الأوبئة البشرية تكاد تفوق هذا الوباء.

في أحد المحلات في وسط المدينة، يتحدث أحد الزبائن مع البائع حول هذا الأمر، وبنبرة حادة جدا، وعليه ملامح الوقار والهيبة، وبذلك الصوت الأجشّ: الكورونا مش مرض، هذه لعبة أمريكية للقضاء على المسجد الأقصى، والهدف منها هو إغلاق المساجد فقط. ولما أجابه صاحب السوبرماركت بأنَّ القرار يقضي أيضًا بإغلاق الكنائس، وكل تجمعات العبادة، أو ما سواها من تجمعات سواء كانت في المطاعم أو الملاهي والنوادي. ردَّ عليه ساخرًا: "انتو لسّا صغار يا عمّي، وبدكم فتَّ عدس تا تصيروا تفهموا". نظر البائع إليَّ مستنجدًا، فهو يريدني أن أدلي بدلوي، ولكنني في هذه الحالات أُعرضُ عن الخوضِ في نقاشاتٍ محسومةٍ نتائجها منذ الصيحةِ الأولى؛ فإذا أخذتُهم بالمنطق، سيأخذونني بالصوت.

والقولُ الفصلُ في هذه الحالةِ الطارئة، وما يصاحبها من هرج ومرج، هو الصمت، فالصمتُ العام يجب أن يكون ملاذنا جميعًا، وأن نترك الكلام لأصحاب الاختصاص، أما الإعلاميون والأطباء والمشايخ الطارئون، فنرجو لهم الانزواء، وإعطاء الخبز لخبّازه، حتى لا تحترق العجنة كلّها، وليست الحكمة تقتضي أن نفي بكلِّ عاداتنا الماضية في ظلِّ هذا الامتحان الصعب، وعلى الناس أن يستوعبوا الظرف، فلا معاتبات الآن، ولا محاسبات في تقصير بزيارة، أو سلام عن بعد، فهذه الأيام العصيبة ستمر، وستعود الزيارات، وستفتح المساجد والكنائس أبوابها. وستقولون وقتها: انسوا الكورونا وتعالوا زورونا". أما اليوم، فإنَّه من الصعب جدًا أن ننساها لنتذكر زيارتكم، فلا نزوركم ولا تزورونا، وخلينا نحارب كورونا.