الأحد  05 نيسان 2020
LOGO

زراوند: ليس كمثله شعر (2-2)/ عبد الرحيم الشيخ

2020-03-21 10:04:10 AM
زراوند: ليس كمثله شعر (2-2)/ عبد الرحيم الشيخ

 

 

"زراوند" زكريا محمد ليس كمثله شعر: فاعلاً، ومشهداً، وتاريخاً، وكينونة. شعرية مسارب تقود كلها إلى سينما قديمة، لا سينما الإنسان التي قضى التعدد على روحها، بل سينما الله ذات المقعد الواحد لـمُخرِجها العبقري، والحائط الواحد لشاشته العملاقة. هناك، "ولد الإنسان مع الصورة. وكان الكون بعينين اثنتين: سوداء وبيضاء. ثم حضرت بعد ذلك الألوان، وتلطخت الكائنات جميعها. غير أن حمار الوحش العنيد وحده، ظل يلعب بالأبيض والأسود". هكذا نقرأ "زرواند"، لأنه هكذا كُتب: تاريخ الله في عين حمار الوحش، وجغرافيا حمار الوحش في عين الله. كان الجزء الأول، من هذه المقالة، في "مفهمة الشعر" على نحو أفقي، عبر أسئلة: العمارة، والمادة، والجدوى. وأما هذا الجزء، فتأمل عمودي في "قضايا الشعر"، عبر أسئلة: الفاعل، والمشهد، والتاريخ، والكينونة. 

سؤال الفاعل: شعريَّة الأبيض والأسود

قبل أن تتمرَّد الألوان على بَداء "الصبغة الإلهية"، نادد الشاعرُ الله، أنطولوجياً، بمبدئية حمار وحش لا يساوم على لونَيْه—أبيض الليل، وأسود النهار: "كان الله يتلألأ كالفانوس. أما أنا، فكنت مثل حمار وحش على كثيب". لم يكن "للألوان معنى"، وكان الشاعر "أوِّل الأسودين" لا "ثالثهما"، فنادد الفاعلُ في "زراوند" لاعبَ النرد الأرضي: "حجري أسود وحجرك أبيض. وسوف أكسر قدمك، وأمحو أفقك. سأجعل طاولة الزهر قبرك"؛ ولاعبَ النرد السماوي: "لم أعد أعرف إن كنت أنت إلهي، أو أنني أنا إلهك. عليك أن تنصب خيمتك قرب خيمتي، ومن ينصب خيمته أولا يكون إله صاحبه"، وهزمهما. واللاعب الأمهر له ثلاثة أنماط من الفاعلية، إذ "عيبٌ على المرء أن [لا] يكون ذاته"، و"ذاتي ثلاثة أهرامات مثل أهرامات الجيزة. وليس من سياح هناك. أنا السائح الوحيد. عند الفجر أصعدها هرماً بعد آخر". فالفاعل: شاعرٌ ساخرٌ، وحكيمٌ متألِّه، ونبيٌ واقفٌ بينهما، ولكل مهمَّته، كعود كبريت في علبة: واحد لشمعة الحب، وثانٍ لشمعة الذكرى، وثالث لشمعة النبوَّة. يقول: "شجرة بفروع ثلاثة أنا: الحبُ والذكرى والحريق". "زراوند"، إذن، حكايةُ شاعرٍ يخلق الحب؛ وإلهٍ يتذكَّر قصَّته؛ ونبيٍّ يشعل الحرائق بينهما. 

فهو شاعر ساخر من الألوهة المترددة، والنبوَّة المعلَّقة، خدمةً للتشويق في حكاية التاريخ. ولذا، فقد صار الشاعر "فنان تخريب"، بين الناس تماماً، لكنَّه ليس منهم-(flâneur) "غريبٌ أينما حلَّ، طائرٌ لا سرب له". وهو بتمام القصديَّة، يمارس عنفه الرمزي على كل مقدَّس لم يتكدَّ قداسته: "أنا من الطائفة المعطِّلة. أنزع عن الله أسماءه وصفاته"؛ يطفئ سراج البدايات، وفانوس النهايات، لأنه "حبيس المرآة" ومنها يغنِّي، واللحن ليس له، ولا الكلمات، لكنَّه المؤدِّي. ولذا، فإنه يرى الوجود على هيئة فقاعات: "واحدة على شوكة صبَّار، وأخرى على عصا المكنسة، وثالثة على السياج"، ويزاحم الله على فقئها، وإن كان "قرآنه كلُّه فقاعات"... فالشاعر "ملقط مشبوح على حبل غسيل" يمسك بقميص الوجود، ويراقب الفقاعات تولد وتنفجر.    

وهو نبي مُعلِّقٌ قلوبَ أصحابه بمجهولية الحكمة حين يتحول الشاعر-الراعي إلى "آتمه" هندوسي، يتجاوز "عزُّك في أن تُجْهَل"، وابن عربي، نحو: عزُّك في أن تُجْهِلَ الكونَ بوجود ذاتٍ سواك: "وأنتم لا تعرفون من أنا. لكنني سأدلُّكم على ذاتي حين أعود"، و"إن لم أعد... فأنتم الخاسرون" حتماً، لأن الشاعر "كاسر عظام، [و] وكاسر أصنام، لا راوية"؛ وبالكاد يذكر اسم ربِّه الذي ابتلاه بكلمته-النبوُّة والجرح، فخاطبه: "ويا إلهاً لا أتذكر اسمه، أعطني منديلك كي أمسح به أنفي. أعطني إبهامك الكبير كي أخيط به جرحي". ولذا، نجده زاهداً في النبوَّة المفردة، راغباً في نبوَّة فوضوية، حيث يكون "كل واحد نبي نفسه" ولا يكون "للبشارة معنى". هناك، يصير العارف "حمارَ وحشٍ فوق كثيب" أو صاحب الحمار "يدُه على المحراث، وعينه تتلفَّت بالشك وراءه". ولأنه نبي واثق، فإنه يُجلُّ قدرة الله على مسك الدفاتر، وأنه "سوف يحاسبنا، حين نموت، على البيضة التي انزلقت من كفنا وانكسرت. وعلى الاستعارة والمجاز. وعلى المفاتيح السبعة في العلَّاقة". ليس للنبيِّ ما يخاف عليه، و"علَّاقة مفاتيحه" لا غبار عليها، وهو حاضر لوضعها على "منضدة ضابط المخابرات" و"منضدة الله"، لقاء براءة ذمَّة، وإذْنٍ باجترار الذكريات. 

وهو حكيم متألِّهٌ، والله نفسُهُ "يضع [له] لايكاً كبيرة"، ويعطيه "زناداً وحجراً" يشعل بهما ناره، وهو لا يعبد الله إلا من أجل تلك النار—عبوديته فعل نديَّة لا فعل خضوع، وله من مبررات النكران والجحود الكثير: "كبيرة حصاتك على أفواهنا يا رب، كبيرة ألسنتنا على وجودنا". فالحكيم المتألِّه، لا يكتفي بشطحة البسطامي ولا وقفة النفَّري، بل يذهب أبعد لمزاحمة الله على عرشه، لكنه لا ينكر فضله، إذ ليس "بمهارته يصل، بل بمهارة الله" الذي "يرمي لك في حضنك لغزاً كي تحله، ثم يمضي". هنا، تصير وظيفة الحكيم المتألِّه أخذ ما رماه الله، دون انتحال، والتقاط علَّاقة لمفاتيح الكون، وفتح الأبواب للسيد، وغلقها. وهذه مكانة "خَضْرِيَّة"، أخفض قليلاً من مقام الله، وأعلى كثيراً من مقام النبي، ومهمة حكيم متأله موزَّع بين تجلِّي الأول وتخلِّي الآخر. يوسِّع زكريا محمد قفزته، ويتجاوز مَنْ قبله مِن "حرَّاس الأبواب"، إذ لا حاجة للعبد، بعد "السِّوَى"، للرب نفسه، ولا حاجة للعارف ينشدها غير عزلته المقدسة، وحيداً، لا شريك له، حيث يضعه الكمال على عتبة الخيمة الزرقاء، يقول لصاحبها: إنَّ "المكان لا يتَّسع لاثنين". هنا، يظهر الشاعرُ، نبياً-متألِّهاً-حكيماً، وفي فمه "سِفر جامعة" قصير، لا ينعى زماناً "كانت [فيه] الآلهة تولد في المذاود" ومكاناً فيه "الحبيب يحضر من أول السهرة"، بل يبشِّر بزمان ومكان متغايرين، يدشِّن فيهما "رزنامة قصيرة: وقت لكسر القناني، ووقت للمِّ الشظايا".  

سؤال المشهد: شعرية التزمين والتمكين

في "زراوند"، ثمة مشهدية متغايرة: زماناً ومكاناً. فالديوان—الذي لم يشأ زكريا محمد حتى أن يسمِّيه (كما أفصح في مقابلة "الأخبار" اللبنانية مع المصطفى روض في 13 آذار 2020)، ولم يعدل عن ذلك إلا لاستحالة الفكرة—لا عناوين فيه، ولا فهرس قصائد، بل تواريخ كتابة، وأرقام صفحات، وحسب. يبدو الديوان رزنامة مفتوحة، عصيَّة الإحداثيات، وإن حُددت أزمنة الكتابة وأمكنتها الفلسطينية. زمنه متغاير (Heterochronic)، ومكانه متغاير (Heterotopic)، لا بفعل موضوع الشعر، بل بإرادة الشاعر الذي يمارس سلطة الجمال، وينظِّم تغيير علاقاته. هنا، لا يصوِّر الشعر مشهداً، بل يصير هو المشهد، يصير نظاماً جمالياً محيلاً إلى ذاته. ولعل هذا الخيار الجمالي، يفتح العديد من الخيارات التأويلية، ويحيل "زراوند" إلى كنزِ ألواح طينية، غير مرقَّمة، لحضارة أنهكتها السياسة، وخذلها التاريخ، وفرَّقتها الجغرافيا. ولكن ألواحها بقيت هناك، في قصائد شاعرها الذي لم ينج من الموت إلا لماماً، لكنَّه حفر اسمه بالرمح في أعلى الصخرة. 

تتغاير المشهدية التي نظامها بيد الله، وقد شاركه الشاعر ملكه: فـ"النهار [تنورةٌ بيضاء] بقرش، والليل [تنورة سوداء] بقرشين"، وكل ما على الشاعر-العاشق فعله، هو إدارة "الأرض حول قرص الشمس، كي ترضي الحبيبَ قيافتُه". لكن زكريا محمد يسخر من هذا الفعل الرسولي، ومن تاريخ الاصطفاء واللعنة، فيستحضر "مصطفى"، ثم ينسف تاريخه، وما أحاط به من لعنات الزمن الدائري، وهزائمه الكثيرة، ومصائره البائسة، التي لم تغادر نبياً ولا أترابه إلا وتركتهم "مغازل تدور بلا صوف تفتله وتغزله"، ولا إلهاً ولا عبيده، إلا وتركتهم مغبونين بخطة الزمن المستحيلة. لكن الشاعر، يحاور سقراط "مثل ساعة رملية مقلوبة تفلت على مهل رملها وأهلها"؛ ويضرب له الأمثال (نملةً، وغراباً، وشعراً) ليمشي، كلٌّ في فلكه، على محيط الدائرة أو على نصف قطرها، أو في مركزها؛ ويعبر معه "من حيلة إلى حيلة"... لكنه، حتى لا يهلكه الدهر مثل سقراط، يسير عكس عقارب الساعة، لينشئ سفره الخاص، إذ "الماضي لا يُصلحُ أبداً، ولا الحاضر يُصلَحُ"، بل كل الرهان على مستقبل الشعر لحظة الوصول إلى مركز الدائرة، إذ "في الآخرة فقط، سيتاح للمرء أن يصلح كل شيء. فلديه ما يكفي من الوقت كي يخيط أزرار قميصه التي سقطت، وكي يصنع من سعف النخيل طيوراً"، وإن كانت، كطيور فرانك سيناترا، "لا تغنِّي". 

يُحكم الشاعر في "زراوند" إغلاق "قفل عظيم"، وهو قبضة يده، على المشهد، ويصرِّح أنه آتٍ من عصر غير عصرنا، عصر السيليكون والليثيوم، و"ليس للوجود أي معنى". فحتى قسوة العصر الذي نحن فيه، كأنْ "يختن الأب الرحيم ابنه"، لا تقارن بقسوة العصر الذي أتى هو منه، حيث "كان الصيف يقطع لسان ابنه وشفته". لكنَّه، و"لا ثقة إلا بالغروب وبالفجر"، يسعى بينهما كمسيح كسيح، بين (تجربة أريحا) و(جلجلة القدس): كائنات النهار أحبََّتُهُ، وعسل الليل حليبُ قربتِه، يَدَعُ "الموتى يدفنون موتاهم"، ويمضي ليكمل ثورته التي ليس على الله إلا أن يمنحه "قدحة ظُلمةٍ" لإنجازها، كما منح غيره "قدحة نور" لإنجاز ضدِّها. 

سؤال التاريخ: شعرية العداوة والحب

التاريخ، في "زراوند"، تصنعه سياسات العداوة والحب، وزكريا محمد لا يتردد في جعلهما ثنائية فلسفية، إذ "الحبيب اسم آخر للغريب"، والشاعر يلد الاثنين حتى يكون عادلاً. وهو يحثُّهما ألَّا يجرِّبانه، ليس لأنه تارة "جبل التجربة ذاته"، وأخرى يرفع "جبل التجربة" بيده، وحسب، بل لأنه "خارج التجربة"، ولأنه يستكثر حتى أصابعَه على نفسه، ويمكن أن يقطع واحداً منها بالمنشار، أو يطلب من غيره قطع اثنين. هنا، يأخذك الشعر بعيداً عن "سياسة السطح" التي تزامل الفلسطيني، أنَّى وُجِدَ، انحيازاً لخيار جمالي في كتابة "الشعر الصافي"، وطرحاً للسؤال الكبير: ماذا يتبقى من الشعر بعد أن يغادره المنتصرون والمغلوبون؟ يجيب زكريا محمد، بلا تلعثم، إن كثرة الأحبة لا تَعنيه، ولا قلة الأعداء تُعييه، وإن "الحبَّ زهرة نهار، والكرهَ زهرةُ ليل" وهو يلعب "بهما كأنهما زهرتا نرد". وحتى نعرف أكثر، نعود للذات، حيث أنماط الآخريَّة الثلاثة: أنا-القُرب، وغريب-الحرب، ونسيب-الحب. 

"الأنا" هي أول الآخَرين، وزكريا محمد يواصل وخز فلسفة سقراط بدبُّوس الشِّعر، ويقلب مقولته الشهيرة، لتصير: اعرف عدوَّك، واعلم أن أحبَّتك يوجدون حيث لا تظنُّهم، وهُم قلَّة، إذ من "طيور كثيرة تعبر السماء فوق رأسك. واحدٌ فقط طائرك"، وأقربُ أحبَّة الذات ذاتُها في مرآة النفس، حيث يولد الشاعر، وينامُ، و"يجعلها أنثاه"، ليعرف حقيقته خلفها. وحتى حين تضيق الأنا بذاتها، كأنها "زوجان مطلَّقان والكره يغلي مثل حلَّة على النار بينهما"، فإنها تتحكم بذاتها دون أن يملكها أحد، حتى يصرِّح الناطق الرسمي باسمها: "أنا أعيش مثل حيوان وحيد الخلية. أتكاثر بالانقسام، وأحب بالانقسام أيضاً. خلية تبدع خلية مثلها وتحبها. ليس لي شمس. أنا شمس نفسي. أنا الباب والمفتاح". 

و"الغريب"، ضرورة لكتابة تاريخ يتَّسع الجلاد والضحية، وإن لم تُنسَ الجريمة. بل إنه من المعيب حين نكتب وصايانا، ألَّا نذكر أعداءنا، وإنْ لتسرية الوقت في رحلتنا الأخيرة، حيث الحياة نكأ جراح قُطِبت، باللعق. والشاعر الذي تعب من "جرح الحبيب" يغنَّى "للقطبة التي تقفله"، وتفجعه قسوة قلب هند بنت عتبة، ويتمنى ميتة "حمزة القتيل" ليُحشر مع الصقر وهند، يأكلان قلبه وكبده: فمُه يُغنِّي، ودمه يُغنِّي. وإذا كان الغناء للجرح لا يعفي الجارح من المسؤولية، فإن تذكُّر الجرح لا يعفي الجريح من تحرير التاريخ من فجائعيته، ولا ذاكرة المغلوبين من كآبة أبنيتها التي يسكنها تاريخ المنتصرين كما يسكن جَنينٌ محكوم باللعنة رحمَ مغتصَبَة. لهذا كلَّه، يُصرُّ الشاعر على الغناء للقتَلَة: "غنيت للقتلى طوال عمري. وقد أتعبني ذلك. فحين تقضي عمرك وأنت تغني للقتلى فستتحول أنت ذاتك إلى قتيل من حيث لا تدري". وهذا ما يحيل إليه قابيلُ الشاعرِ في هجاء هابيلهِ، "الأهبل الأكبر"، الذي كان يتوجَّب قتله، وبكاؤه، حتى يتمَّ السيِّدُ التاريخ دورته، بين "برج الثور" و"برج الحجرين".  

وحتى لا يمنح زكريا محمد "المنتصر" الإسرائيلي متعة الظهور في مباني الذاكرة الفلسطينية، فإنه لا يَظهر، في ديوان من 255 قصيدة، إلا مرةً واحدة، بمشيئة فصيلة دم الشاعر، ونسرين، حيث "اللعنة قد حلَّت، والحواجز قد نُصِبَت". أما وقد فكك الشاعر صواعق الألغام في حقول "أناه" ومعسكرات "آخَرِهِ"، وألقى بها في "بحيرة من مني القمر"، والاستعارة لأدونيس، فلم يعد لنياشين البطولة متسع على صدره، ولا لأدواتها حيِّز في خُرجه، إذ لا مكان على ظهر حصانه لسرج ولا لخُرج... و"لا نفع للأحصنة [أساساً] هنا. فالحرب تخطَّت الخيل والليل والرمح والحظيرة"؛ ولا نفع للحجارة ولا للبنادق، فهي لم تعد تزغرد و"لا تبكي. ليس لها ماضٍ تتحسَّر عليه"، ولا نفع للمروحيات، فاليعاسيب أمهر منها... ولا حاجة لـ"المقيم تحت قدم جبل الأربعين" لكل ذلك، فهو سيعطي فرسه لـ"العابر قرب بيتهِ"، إذ كل ما يحتاجه "المقيم" هو حسم معركة الداخل، كالزَّباء التي "جعلت الموت حرباً داخلية. جعلته خاتماً يدور على الخنصر".  

ورغم أنه "ليس للإنسان إلا فم واحد للخبز والقبلات والكلمات"، إلا إن هذه هي المواريث الثقيلة للحب: فهو للخبز، حين يَجرُّ المحبُّ "مثل نملة القمحَ"، ويضعه في درب المحبوب، ويصير صفَّاً طويلاً من القمح لأجله، دون أن يُرى. وهو للقبلة، إذ يجذبُ المحبُّ الحبيب، فيتعافى معه، و"يمرض معه في سريره"، شفاهٌ لا تفترق. وهو للكلمات عن الحب، و"الحب فكرة لغوية لا غير"، إذ يتزامل الألم والحزن، ويصير الحبُّ "خبراً قديماً"، وألماً، حين يكسر المحبوبُ المحبَّ، ويقتله: فـ"الرصاصة لا تَقتل، سرعتُها هي القاتلة. [و] المحبة لا تَقتل. يدُها الرقيقة هي القاتلة". ثلاثية صوفيَّة، إذن، هو الحبُّ في "زراوند": زلزلةٌ، وكرنفالٌ، وفاجعةٌ—حيث: للجرِّ وقتٌ، وللجذب وقتٌ، وللترك وقتٌ. 

للجرِّ وقتٌ - رغم همس المحبِّ: "لا وقت عندي إلا للأشياء التي تخصُّني"، لكنَّه يصرخ في الآخرين أن يحبُّوا الأشياء التي لم ينتبه أحدٌ لها، وكان يمكن أن تخصَّه: "النجمة المتوحدة. [و] الصبيَّة التي ما أحبها أحد". وبين ما يخصُّ المرء، وما لا يخصُّه، تبدأ زلزلة الحب لتكتمل ذات المحب حين تصير المرأةُ، لا المرآة، أنثاه: يولد منها، وينام فيها، ويرى نفسه خلفَها، وينحت لها، وإن "بإزميل اليأس ومطرقته تمثالاً كبيراً" ويصلِّي لها، علَّها تأتي. هنا، لا يوزِّع الشاعر أملاً بالمجَّان على مَنْ قلَّ نصيبهم مِن الحبِّ—النجمة والبنت والحجر—فـ "قنديل الأمل" لن يُطفأ فوق رأس أحد، وستُلقي امرأة وردتها من النافذة لرجل لا تعرفه، وسيصلي رجل لنجمة في السماء لا يعرف اسمها. 

وللجذبِ وقتٌ - يعطي فيه المحبوب يده للحبيب "كي لا يأخذ أحدٌ تمرته"، إذ لا ينادي الحبيبُ محبوبه، فالنداء مسافةٌ، والصلاةُ بُعد، و"حرف النداء صدقةٌ"، و"المنادي ضرير، والمنادى عائل فقير"... بل يعقد خنصره بخنصره ليعرفه، ويضعه "في علَّاقة مفاتيح كي يخشخش [له] طوال الليل والنهار". وحين يتحقق الجذب، ويصير الغريب حبيباً، يطحنان المودَّة، ويغليانها معاً، إذ المودة شربٌ، والحميميَّة عضٌّ، والوصل رسم: "أنا أعض يد حبيبي، أحفر صورته على الصخرة وأعبدها". ولكن، إن دبَّ الخلاف، فلا يصير الحبيبان شمشون وثعالبه، وتحترق الحقول؛ ولا الجلعادي وزوجته، وتُقطَع الأكفُّ والأعناق ... إذ ليس للمحب، هنا، إلا أن يكون نفريَّاً في "موقف لي أعزاء"، يقول للمحبوب، وقد كَسر خاطرَه: أنا "عروةٌ [ضيِّقة] في قميصك. أنا نخلة [مثمرة] في بستانك". قد يعرف المحبُّ أن "الحب نفق قصير لا نفع له" في حالات الطوارئ، لكنَّ قلبه، تلك "العظمة الكبيرة"، تبقى معلَّقة "بين السالب والموجب"؛ يتجلَّى ولا يتخلَّى، وإن عزَّ الوفاء، و"صفَقَ الأحبة الباب في وجهه"... يحفر ثقباً عميقاً في صخرة الحياة، ويغنِّي فيه للريح، والرائحين. 

وللتركِ وقتٌ - والمحبُّ يصرخُ وقد حلَّت خسارة المحبوب، وانحلَّت عروة القميص: "أنا الترَّاك، والترك عِبرتي"، "أنا لا أجد، بل أضيِّع". هنا، يمرض الحبُّ ولا يمرض الحبيبان، فيلحق بهما الحزن كـ"خروف يتبع صاحبه"، وفي صوفه ينبت الألم، حين "يتحوَّل الحبُّ إلى ذكرى...[فـ] الحب حظيرةٌ مقفلة، أما الخيل فحنينها للميادين المفتوحة". وهنا، يتحوَّل الشاعر، الآتي من "ضَيعة الضياع"، إلى رمح في يد الألم، يترك في كلَّ صخرة خدشاً، "صفحة في كتابه الضخم" فـ"الألم دراسة". وهنا، "لا يَسمح لأحدٍ أن يعتاده"، فـ"الحب عادة قبيحة ينبغي تركها تمضي بلا مظلة تحت المطر"، ولا ينبغي أن تعود، لأنه "ليس بالعودة يحيا الإنسان، بل باليأس منها. ليس بالمحبة، بل بفقدانها". وهنا، يصير قلب الشاعر-الخاسر، عضلة من عظم، وأحفورة من بورسلان، ولا يحسُّ بالحبَّ الذي يقيم فيه، ولا يرتجف، ولا يشفق على الملكة التي تكتب الشعر على الفيسبوك، ويسخر ممن رمته "من الخلية كذكر نحل". وهنا، يغادر البابَ الكبير، تاركاً وصيةَ أرضٍ، وجمرةَ سماء: "يَكسر قلب المرء أن يقف هكذا أمام باب لن يفتح له أبداً. يَكسر قلب النجمة أن تبصر تحت ضوئها طفلاً يبكي على عتبة بيت أهله الذين أقفلوا الباب ورحلوا".  

سؤال الكينونة: شعرية الحياة والموت

الحياة، في "زراوند"، "بصلة كبيرة" والموت "نواتها"، وزكريا محمد، قبل أن يكون "خبير موت،" كان خبير حياة، قضاها باحثاً عن "بذرة الفناء الرقطاء في داخله"، وسائقاً "للموت ذاته كأنه بعيره"، ومقسِّما نفسه بين "الحقيقة" و"الموت" بالعدل، كأنه الحقيقة، وكأنه الموت. الأمل لديه "طائر مهاجر" واليأس "طائر مقيم"؛ تورق تينته كل ربيع؛ لكنَّ لغته "أثمرت في الستين"، وبدأ كتابة "زراوند" بعد أن أوصله المصعد "إلى الطابق الخامس والستين، حيث الشجرة المقلوبة، الشجرة التي لا ظل لها"، وبعد أن "بصق الموت في يده". ولذا، فقد وقعنا، بالفعل، على "خبير الموت"، الذي رعى الموت نباته، وهو "يحفر لخبل قبرَها": يقارب الحياة بالتعريفات، والموت بـالأمثولات، فالحياة صلبة حيِّزيَّة، والموت سائلٌ يُشكِّل ولا يتشكَّل—"كأس الحياة نصف مليئة نصف فارغة. أما كأس الموت فطافحة دوماً". يحذِّر كبارُ الشعراء صغارَهم أن يبتعدوا عن كتابة الموت، أما زكريا محمد، فيحذِّرُ الموتَ أن يقترب ممن يمسكُ برسن الشعر إلى أن يكتبَ الوصية. و"زراوند" مصفوفةُ وصايا، لكن وصية زكريا محمد شعر لا يتكرر، لأنه شاعر لا يتكرر، وهو يسدد ديون المحبة بقميصه وفرسه، وينفخ فقاعته الأخيرة، ويطيِّرها: "عند شجرة الجكرندا" في رام الله، و"تحت قدم جبل الأربعين" في أريحا، وجوار "درب التبانة" على حدود السماء.

يرافق زكريا محمد الصقرَ، خبير الموت الثاني بعده، الذي لو أدرك الحقيقة النهائية للموت لتحول جناحاه إلى "إسمنت وحجارة"، ليخبرنا عن الحياة على محيط دائرة الكون. يرافق الموتَ الذي يجري على المحيط ذاته، يرفع روحاً إلى السماء، ويحمل أخرى، ويعرف أن "الروح كلبة مرضع" والعدم كلبٌ شريد يحوم حول دارها. يعرف أن الروح بنت ليل، لا دار لها، بل "تدور من نزل إلى نزل، من فراش إلى فراش، وتحت نجوم الفجر تأخذ غفوتها"... فيعرف أن لا ارتباط بين الروح والجسد، إلا كجارين بليدين. ولأن الحياة، كينونة معلَّقة على حبل غسيل، نثبِّتها بملاقط الكتابة—عنها—يصير الوجود محتملاً. ولأن الحياة كتابة، نص غير منقوط يعجمه الموت، فلا سبيل للفوز في السباق معه، إذ العالم "إصبع واحدة تكتب، وكفٌّ كاملة تمحو". ولأن كلَّ شيء كذلك، فلا انتصار للإنسان إلا بالكتابة والذكرى اللتين لا يعرف الموت أبوابهما، ولا جدوى من الوجود في العالم غير تسرية الوقت لبلوغ "العروسة ما قبل الأخيرة" في متروشكا العدم، إذ ليس ثمة من "عروس أخيرة"، بل عريسٌ أخيرٌ، هو الموت، نواة بصلتنا الكبرى!

تتوالى أمثولات الموت في "زراوند"، فهو تارة كائنٌ لا-مُسمَّى، "يأكل آذان الفئران الصغيرة [و] قمح اليمامات على النافذة"؛ وتارة، كابوسُ إنسانٍ ينتظر دوره، أو دور أحبائه، حين "يتوقَّف البريد عن الوصول"، ثم يعود بعد دفنهم، أو يعودون بعد دفنه، إلى البيت، حيث طقوس الـ (شيفعا يميم) الإبراهيمية: للحداد، والتحقيق مع المرايا إن مرَّت بأرواح الراحلين، أو مرُّوا بها، كـ "شلال نور". يتوقف بريد الحياة، ولا يتوقف بريد الموت حين يقوده زكريا محمد من يده، في ليلة بلُّور مرعبة Kristallnacht، وقد انتحل هيئة عجوزٍ يغوي طفلاً بالحلوى، ويطلب منه تكسير نوافذ بيوت الحي. وفي النهاية، حين يضج الناس من الأصوات في الجو، وثريد الزجاج على الأرض، يتساءلون عن الفاعل، ويسأل الطفلُ الرجلَ: "من أنت؟" فيجيب: "أنا الموت كسَّار النوافذ، وأنت يا صغيري حصاتي". هنا، تنحلُّ شفرة الوصية، وتتضح فتنة السطر الأول، والثاني، والأخير، في "زراوند"، بين لونين عنيدين، أسود الليل وأبيض النهار—حماريِّ زكريا محمد الوحشيين، يمتطيهما بالتناوب، صاعداً جبل التجربة: يلوِّح لنا لأنه يحبُّنا، ونلوِّح له لأننا نحبه.