الإثنين  25 أيار 2020
LOGO

كورونا... فيروس الموت والحكمة/ بقلم: نبيل عمرو

2020-03-28 07:41:14 PM
كورونا... فيروس الموت والحكمة/ بقلم: نبيل عمرو
نبيل عمرو

 

انقسمت البشرية في زمن الكورونا إلى فئتين...  أقلية أصيبت بها فمات من مات، ونجا من نجا حتى الآن.

وأغلبية لم ينجُ منها أحد إذا ما اتفقنا على أن الخوف منها هو وباء بحد ذاته. 

توصيف الفيروس والتوجيهات الصادرة لتفاديه هيمنت على جميع وسائل الإعلام التقليدية والإلكترونية، بدءا من تنبيهنا إلى غسل اليدين قبل الأكل وبعده وليس انتهاءً بدعوتنا إلى الإقلاع عن المصافحة والعناق وتجمعات الأفراح والأتراح.

الوصف المتداول على صعيد البشرية كلها هو أنه فيروس خطير وفتاك، تمكن في أيام معدودة من إزاحة السرطان عن عرش الأمراض المرعبة، وبدا أن لا موت في هذا الزمن إلا ما يسببه الكورونا، وحتى قتل البراميل المتفجرة والسلاح الكيماوي لم يعد قيد التداول ولو في ذيل نشرات الأخبار.

هذا الفيروس الذي كلما قيل ويقال عن شره وأذاه صحيح تماما وحقيقي، إلا أنه ينطوي بالمقابل على حكمة، ما كان لنا أن نحظى بها لولاه وما سأورده هو غيض من فيض يبدأ على مستوى الفرد والأسرة ليصل إلى ما درجنا على تسميتها بالحضارة الكونية.

لقد فرض الفيروس سلوكا مختلفا على الفرد منا، فتخلينا عن عادة المصافحة والعناق التي كنا نمارسها حتى لو غاب شخص عن الآخر لعدة ساعات، وأصبحنا أسريين ودودين وحميمين تجاه زوجاتنا وأبنائنا وأحفادنا وعدنا بعد انقطاع طويل كاد أن يصبح مزمنا إلى القراءة، وخارج المنازل تخلصنا من الندوات والمؤتمرات والاجتماعات التي كانت تلتئم وغالبا بلا لزوم سوى أنها كانت فعالة لتغطية البطالة ولارتياد المقاهي والمطاعم ولعب النرد والورق ثم إن فيروس كورونا برهن عن أنه ديموقراطي يوزع كوارثه على الجميع وينشر مزاياه على الجميع كذلك.

 نجوم ساطعة في عالم السياسة والأدب والاقتصاد يجثمون في العزل كأفقر الفقراء من الذين لم يعرفهم ولم يسمع بهم أحد، كما أنه فعال في إذابة الفوارق بين الأثرياء المترفين والفقراء المعدمين، فلم يعد الأثرياء يمارسون هوايتهم بالسفر لا في طائراتهم الخاصة ولا في يخوتهم التي يقدر ثمنها بالمليارات، ولا حتى في مقاعد الدرجة الأولى في الطائرات أو حتى السياحية، والفقير الذي لم يعرف السفر حتى في سيارات الأجرة يشاطرهم الحرمان من الهواية بل إنه يتفوق على زملائه الأثرياء بأن لا جديد بالنسبة له ويستحق أن يأسف عليه.

وفيروس كورونا نجح في تأسيس محكمة يمثل في قفص الاتهام فيها حضارة القرنين العشرين والحادي والعشرين، ففي هذين القرنين انطلقت حربان كونيتان ومئات الحروب الأهلية والإقليمية، بما في ذلك حروب التحرر من الاستعمار وحروب الإرهاب، وجنبا إلى جنب شهد القرنان أوسع طفرة في مجال التكنولوجيا والاختراعات، وكنا نحن سكان الكرة الأرضية شديدي الإعجاب بها وبسرعة وتيرة تطورها الذي أسميناه بالحضاري.

 كان الزعماء والرؤساء ووزراء الدفاع يتباهون باختراعاتهم العسكرية ويتنافسون في بناء المفاعلات النووية، ألم يقل النوويون إنهم قادرون على تدمير البشرية مئات المرات.

ما الذي فعله فيروس كورونا على هذا المستوى الكوني؟

لقد أنبأنا الفيروس بأن أصحاب الاختراعات والمفاعلات وحاملات الطائرات وغيرها من أدوات القتل والدمار الشامل ظهروا عاجزين تماما عن مواجهته أو حتى التقليل من ضحاياه، ذلك أن المفاعلات النووية التي هي عنوان حضارة الموت لم تقابلها مختبرات كافية لإنتاج أمصال ولقاحات كفيلة بمقارعة كورونا والتغلب عليها، لا كمامات كافية وفعالة ولا أجهزة تنفس اصطناعية ولا أسرة كافية في المستشفيات ولا أطباء وممرضين ولا تأمين صحي لأكثر من ثلاثة أرباع سكان المعمورة، إنها لم تعد في زمن الكورونا طفرة حضارية بل حضارة موت. 

إن هذا الفيروس الذي لا يزال مجهولا 'لا من أعراض مرضه وأعداد وفياته وتقديرات الهواة والمتطفلين في وقت انتهائه، كشف لنا كم كانت الحضارة الكونية هشة ومع أول تحد بدا أنها معاقة.

فيروس كورونا وفوق نجاحه في إقامة محكمة الحضارة الكونية وتجريمها، فإنه فرض على العالم سؤالا كبيرا ولا أحد يعلم متى ستتم الإجابة عنه.

 السؤال من سيحكم الكون في زمن ما بعد الكورونا؟

 هل هي أمريكا التي احتلت بجدارة المرتبة الأولى في تفشي الوباء والمرتبة الأخيرة في معالجته؟

هل هي الصين مسقط رأسه والتي تتولى دور الممرض الذي يساعد في حصاره داخليا وخارجيا؟

هل هي روسيا ومن تضمه إلى منظومة حلفائها وشركائها ؟

أم أن من يحكم العالم هو ذلك الإنسان أو الكيان الذي ينجح في القضاء عليه؟

تجارب حضارة القرنين تقول إن الاستنتاج أقرب إلى السلبية، ذلك أن البشرية التي أنتجت حربين عالميتين في قرن واحد لم تستفد من دروس وعبر هاتين الحربين والدليل الحاسم أنها ما إن انتهت الحرب العالمية الثانية حتى بدأ التحضير وبأدوات فتك أشد للثالثة وهكذا.