الثلاثاء  26 أيار 2020
LOGO

كل من فضل الأرقام على الإنسان سقط| بقلم: فراس أبو الحمص

2020-03-31 10:28:57 PM
كل من فضل الأرقام على الإنسان سقط| بقلم: فراس أبو الحمص
فراس أبو الحمص

 

 

دول عظمى تتهاوى، وأنظمة صحية لطالما كانت مدعاة فخر لهذه الدول وقعت في حفرة عميقة لا خروج منها إلا بملئها بجثث المواطنين والأحباء دون تميزٍ بين قريب وبعيد، غنيٍ وفقير، وزير ومواطنٍ بسيط، فقد استفحل الفيروس في هذه الدول وأصبح ينخرها من كل مكان ومن حيث لا يتوقعون.

إيطاليا، إسبانيا، المملكة المتحدة، الولايات المتحدة الأمريكية... والقائمة تطول بدولٍ أصبحت اليوم أمام مفترق طرق سيغير وجهها للأبد وسيضع عشرات علامات الاستفهام أمام أصحاب القرار وطريقة تعاملهم مع هذه الأزمة، أما القاسم المشترك بين هذه الدول فهو أنها فضلت الاقتصاد على المواطن، وجلست تحسب التكلفة الاقتصادية لكل خطوة تتخذها، ووضعت كل القيم الإنسانية التي لطالما تغنت بها ونظرت بها على العالم في كفة  والمال والاقتصاد في الكفة الأخرى، وللأسف كانت الغلبة للاقتصاد والحسابات المالية وهم يغضون أبصارهم وبتعبير اقتصادي إن أساس أي اقتصاد هو المستهلك وإن هذا "المستهلك" على وشك أن يهلك! مستنسيين سنين طويلة من الحديث عن قيمة الإنسان لديهم وكيف أنه لا صوت يعلو فوق صوت الإنسان والإنسانية، متفاخرين أمام كل العالم بهذه المفاهيم وكيف أن بقية العالم لا يقدر مواطنيه ولا يفهم معنى الإنسانية لتسقط كل هذه القيم عند أول مفترق جديٍ يواجهونه، ويكتشفوا اليوم وبعد فوات الأوان أن الإنسان هو كل ما يملكونه وحينما يسقط الإنسان تسقط الدولة فلا يبقى اقتصاد ولا أعمال ولا عرض ولا طلب، حينما يسقط الإنسان تسقط البورصة وتتوقف المصانع وتصدى الطائرات، حينما يسقط الإنسان يتوقف دوران العالم وتحبس الأنفاس وتتوقف العيون عن الرمش محاولين فهم ولو قليل مما يحصل، مستنجدين الله لو يعود الزمن بضعة أسابيع إلى الوراء، فلا العمل ولا الرتب ولا الاقتصاد بظفر إنسان.

أما على الجهة الأخرى من العالم فقد قامت العديد من الدول التي لا تقدر الإنسانية بحسب تعبيرهم باتخاذ إجراءات قاسية منذ اليوم الأول، وقاموا بنفسهم بإجراءات شلت الاقتصاد والحركة الاقتصادية وأعلنوا الطوارئ في البلاد استنادا لجملة يبدأون بها الخطاب "لأن سلامتكم أولويتنا"، لينحسر الوباء لدى تلك الدول أو يزداد بنسبة قليلة وغير مفزعة كأوروبا وأمريكا، ولربما تكون هذه المرة الوحيدة في حياتي التي أتمنى أن لا تصل دولتي لما وصلت له أوروبا! وافتخر تقديمنا للإنسان على الاقتصاد، وإدركنا أن معاناتنا جميعا بتقليص حركتنا وتوقف أعمالنا لفترة من الزمان أفضل بكثير من الوصول لمنطقة اللارجوع حيث تضطر للعيش لسنوات كثيرة قادمة في صدمة وخيبة وركود لا مثيل له، ففي نهاية المطاف الاقتصاد وقوانينه من صنع الإنسان وبنيت على متغيرات كثيرة، وهي خاضعة للتعديل والتغيير في كل موقف وحين. 

أتمنى أن تكون هذه الحادثة درسا للأجيال القادمة ولكل مواطن في هذا العالم أن يحسن اختيار رئيسه ومن يتخذ قرارات دولته وأن لا يغشي عينيه الاقتصاد والجيوش والسلاح فكلها زائفة لم تستطع الصمود ولو قليل أمام "العدو الخفي" بحسب تعبير الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، ورغم كل الخطط الاقتصادية التي كانت لها الأولوية أمام الإنسانية لم تنجح تلك الخطط وتوقف الاقتصاد وضرب الوباء، شركات طيران وفنادق على حافة الإفلاس، وفيات بالآلاف، نقص بالمواد الطبية، وسباق متأخر لدعم الهيئات العلمية والعلماء الذين كانوا لا يدعمون بنصف ما يدعم به الجيش والشركات والأمور الأخرى التي لا تغني ولا تسمن من جوع اليوم، ومن وجهة نظر اقتصادية فاليوم الطلب على أجهزة التنفس عال جدا فهل من عرض! وختاما فقد وصف الله تعالى تصرف الإنسان رغم كل ما وهبه، "لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها" فلو استعملوا قلبهم قبل اتخاذ أي قرار ونظروا قليلا لعواقب قراراتهم وسمعوا رأي العلم والعلماء لما وصلوا لما هم فيه اليوم، فاللهم نجنا من هذا الوباء واعذرنا لعدم تقديرنا قيمة الإنسان.