الإثنين  25 أيار 2020
LOGO

العالم ما بعد كورونا/ بقلم: محمد الريماوي

2020-04-08 05:33:55 PM
العالم ما بعد كورونا/ بقلم: محمد الريماوي
محمد الريماوي

يواجه العالم بكافة اختلافاته الثقافية والسياسية وباءً فاتكًا، يفتكُ بالبشريّة كما يفتكُ بأقوى النَّظريات التي كانت قد بُنيتْ كتعليلٍ قويٍّ لدور الدّولة، وعلاقة الدّولة بالفرد، وعلاقة الدّولة بالدّولة، والنّظام الدّولي، وعلاقة الفرد بالإيمانيّات. يقول جون آلن، رئيس معهد بروكنجز، في مجلّة فورين بوليسي:"إن جائحةَ كورونا شأنُها شأن أحداثٍ مفصليّة في التّاريخ، كسقوط جدار برلين"، الذي أسفر عن تغييراتٍ جوهريّة في السّياسة، كانهيار النّظام الإشتراكي، إذن نحنُ نتعاملُ مع مرحلةٍ بالغةِ الأهميّة، قد تُؤدي إلى قلبِ الطّاولةِ السّياسيّة رأسًا على عقب، مما يقودُنا إلى دراسةٍ ضروريّة للوقائع الآنيّة، والتّساؤلِ ومحاولةِ التّنبؤ بشأنها.

أولًا: دور الدّولة، من الطّبيعي جدًا أن يتمثّلَ دورُ الدّولةِ في حمايةِ شعبها وأرضها، وتوفيرِ الأمن والأمان لهم، وتحصينِهم من الأوبئة والحروب، لكن، هذا الدّور تتفاوتُ مستوياتُهُ من دولةٍ إلى أخرى. في ظلِّ هذا الوباءِ المتفشي كالنّارِ في الهشيم، من أهم ما تقومُ به الدّولة هو محاصرة الوباء، وإيجادُ طريقة لعلاجه، لكن هناك العديد من الدّول، بمختلف الأنظمة السّياسيّة، واجهت صعوباتٍ عديدةً في حصار الوباء، وهذا لسببين رئيسيين: فالأوّل: عدمُ القدرة على ضبط المجتمع، والّذي يجب عليه، بحسب النّظرياتِ التي تدعمُ عقلانيّة الفرد في محافظته على حياته، أن يضبطَ نفسَهُ بنفسِه. أمّا الثاني: فيتمثّلُ بضَعف معظم الأنظمة الصَحيّة الطَبيّة في العالم، التي من المفترض أن تكونَ مجهّزة لمثلِ هذه الأوبئة، وخصوصًا في الدوّل المتقدمة. فالسَؤال هنا جلي كل الجلاء: هل ضبط المجتمع كافٍ لمحاصرة الوباء أم أننا بحاجة إلى نظام صحّي متكامل ومتطور؟

ثانيًا: علاقة الدّولة بالفرد، لاحظ دكتورُ العلوم السياسية في جامعة بير زيت، علي الجرباوي، أن هناكَ تعاظمًا في دور الدولة، ممثلةً بالحكومة، وازديادًا ملحوظًا في تدخّلها بمعظم الجوانب المتعلّقة بتنظيم الحياة المجتمعيّة، حيث كان، هذا الأمر، متروكًا للمجتمع إذ ينظم نفسَهُ بنفسِه، وأكّد على أن اعتيادَ الفردِ على الإنصياع لتعليمات الحكومة يكرّس مفهومَ سلبِ الحرّيات والتّقييد المُلزَم، وينتهي به المطافُ ليصبحَ مجرّدَ تابع لسلطة الدّولة. وفي سياقٍ آخر، رأينا، مؤخرًا، أن بعض الأفرادِ عندما شعروا بعدم الأمن والأمان، أصبحوا يناشدون الحكومة بأن تشدِّدَ العقوبات على من لا يلتزم بتعليماتها، وهذا يقودنا، بطبيعة الحال، إلى نظريّة عدم اليقين أو الرّيبة بحسب هوبز، والتي ينتهي بها الحال في تنازل الأفراد عن حقوقهم وحرّياتهم لسلطة ما؛ رغبةً في الاستقرار، وهذا يناقض ما تريده الشعوب في الحالات الطبيعية الهادئة، بل ينبذونه ويرفضونه رفضًا تامًا؛ فالسّؤال: فهل تتجه الشعوب إلى منحى آخر متمثّل بتشريع الحكم التوتاليتاري (بتعريف حنّة أرندت)؟

ثالثًا: علاقة الدّولة بالدّولة، رأينا، أن هناك سقوطًا اضطراريًا لمفهوميّ العولمة والاعتماديّة المتبادلة اللذان كانا يسيطران، إلى حد الإندماج الثقافي والإقتصادي والسّياسي في بعض الأحيان، على العالم، وخيرُ مثالٍ على هذا السّقوط: موقف الإتّحاد الأوروبي تجاه إيطاليا التي لم تكن قادرة على محاصرة الوباء المتفشّي، كما كانت دول الإتّحاد تتخوّف وتنطوي أكثر على ذاتها، وتقلّلُ بنسبة كبيرة من حدّة الاعتمادية؛ وهذا يقودنا إلى سؤالٍ ربما مهم: هل نتجه نحو انكماش العولمة والاعتمادية؟

رابعًا: النّظام الدّولي، إن تقدّم الصين المتزايد يشكّلُ تهديدًا للسيطرة الأمريكيّة الإنفراديّة على المركز الدّولي، كذلك الإعجاب العالمي المتصاعد بالصين كدولة تُقدّم المساعدات الإنسانيّة في عصر ينجو فيه من لديه الفكر الإنساني، وكدولة استطاعت محاصرة وباء كورونا بتقنيّة عالية؛ مما يزيد من كفّة الصين على الميزان العالمي مقابل كفّة الولايات المتحدة الأمريكية التي بدأت بالتناقص نسبيًا في ظل رئاسة ترامب. الخطير في الأمر، وما هو ملفت للأنظار، أن المجتمعات المشهورة بصرامة قوانينها، أظهرت استجابة ومحاصرة أكثر فعاليّة للوباء، مثل كوريا الجنوبية، والصين، على عكس الدّول الديموقراطيّة مثل الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن، إذ كنا نتحدث عن الصين، فتباعًا لنظرية إعمال العقل لدى إبن خلدون، فهي استمرت في محاصرة الوباء من ثلاثة إلى أربعة أشهر، وهذه فترة مدهشة، لكن في المقابل، لم تأخذ الولايات المتحدة الأمريكية فرصتها، كزعيمٍ أساسيّ للنّظام الدّولي، بمثل هذه الفترة بعد؛ فالسّؤال: هل فقدت الولايات المتحدة الأمريكية مركزها؟ وهل هي قادرة على استعادة مركزها من الصين إن فُقد؟

علاقة الفرد بالإيمانيّات: سقط القناعُ عن الأوهام التراجيديّة التي تُبنى على أساسات هشّة التكوين، والتي تساعد بالضّرورة على الحد من التفكير والميل إلى الكسل الذهنيّ والعملي، كما أن المرحلة أزاحت اللثام عن الأشخاص الذين لديهم حس غريب، حس بالمؤامرة الكونيّة الدّائمة، سواء كانت بشرية أم إلهية، حيث أظهرت هذه المرحلة أن الكورونا يصيب المؤمن وغير المؤمن، كذلك يصيب الدول القوية المتنافسة والضعيفة المتآكلة، كما أنها بيّنت أن المصاب لا يمكنه أن يتعافى بحبّة تمر أو دعاء؛ السّؤال: هل نحن مقبولون على مرحلة خاوية من الأفيون الذي في عادته يصيب الشّعوب المتآكلة ذهنيًا؟