الجمعة  10 تموز 2020
LOGO

العبور: سؤال البياض الثوري/ كتب: عبد الرحيم الشيخ

2020-06-23 10:58:55 AM
العبور: سؤال البياض الثوري/ كتب: عبد الرحيم الشيخ
جدارية للشهيد الفلسطيني إياد الحلاق والأمريكي جورج فلويد

 

الظلم ظلمات سوداء تولِّدُ الأسئلة، والعدالة فضاءات بيضاء تجهض الإجابات. ونحن في فلسطين، حين نتجاوز البُكم، نتلعثم في سرد إنسانيَّتنا، وإنسانيَّة الآخرين، التي لا تزال الجسور بينها سؤالاً برسم الإجابة. وهذه مساهمة على الطريق. فمثلاً: في 25 أيار 2020، استشهد الأسود جورج فلويد (46 عاماً) في مينيابوليس على يد وحدة من الشرطة الأمريكية البيضاء؛ وفي 30 أيار 2020 استشهد إياد الحلاق (32 عاماً) في القدس على يد وحدة خاصة من الشرطة الصهيونية البيضاء؛ وفي 10 حزيران 2020 استُشهدَت "مقبرة الإسعاف" في يافا على يد وحدة خاصة بيضاء من الجرَّافات الصهيونية. ثلاثة أحداث ملوَّنة لم تُروَ، بعد، ولن تُفْهَمَ إلا بالأبيض والأسود، ولن يسعف في روايتها إلا المزيد من الأسئلة: كيف كان فلويد سيروي "توحُّد" الحلاق في لحظاته الأخيرة؟ وكيف كان الحلاق سيرسم الهواء في جدارية فلويد على حائط مركز العناية؟ ولو دُفِنَا معاً (لا في مقبرة المجاهدين في باب الساهرة ولا في مقبرة ميموريال غاردن في بيربلاند، بل) في ضريح مشتركٍ في "مقبرة الإسعاف" في يافا، ماذا كان الفلسطينيون والسود سيكتبون على الشاهدة؟

التقطت كاميرا المرأة السوداء استشهاد فلويد في مينيابولس، دون أن تمنحه قليلاً من الأكسجين؛ وتـَمكَّن الشرطي الأبيض من محوه من الوجود؛ لكن كل تقانة إمبراطورية الرقمنة الأمريكية لم تستطع محو الصورة السوداء من تاريخها، ولن تستطيع.

والتقطت كاميرات "الأمن" الصهيوني البيضاء استشهاد الحلاق في القدس وأخفتها؛ ولم يدرِ أحدٌ إن كان الحلاق بحاجة إلى غير الأكسجين؛ وتمكَّنت الوحدات الخاصة الصهيونية البيضاء من محو جسده الملوَّن من الوجود؛ لكنَّ كل ترسانة تأبيد الضحيَّة اليهودية في امبراطورية الضحايا-"إسرائيل"، لن تتمكن من طرد ضَحَوِيَّة الحلاق من صورتها السوداء.

تمكَّنت وحدة المحو الصهيونية من محو آثار الموت الفلسطيني، وهذه من معجزات الاستعمار المسلَّح بالأسطورة

والتقطت كاميرات الفلسطينيين الملوَّنة استشهاد "مقبرة الإسعاف" في يافا، ولم يسمع أحدٌ صراخ الموتى، وإن كانوا أصلاً بحاجة للأكسجين أم لا. تمكَّنت وحدة المحو الصهيونية من محو آثار الموت الفلسطيني، وهذه من معجزات الاستعمار المسلَّح بالأسطورة، إذ لديه القدرة على محو المحو-"اسمه وذِكْره"، كما بشَّرت التوراة. لكن كلَّ ما في "بيت بيرس للسلام"، المقام على مقبرة الكازخانة، لن يتمكن من منح بعض السلام لرفات موتى "مقبرة الإسعاف". فأين يقف الفلسطيني بين حضور الكاميرا، وغيابها؟ وماذا يقول الفلسطيني بين محو الوجود، ومحو الذكرى، ومحو المحو؟

سأبدأ من هارليم. ففي أواخر العام 2015، كنتُ في جامعة كولومبيا في نيويورك. لم أشأ أن أسكن على البقع البيضاء على ضفة نهر الهَدسن، فبحثت في هارليم السوداء. وخلال معاينة بعض الشقق هناك، أحسست بفلسطينيَّتي، لا موقفاً وحسب، بل موقعاً... وتذكَّرت على الفور رواية "العبور" لآلان آلبير. لم أجدها في مكتبة جامعة كولومبيا، ولا في مكتبة إدوارد سعيد التي حُصرت في ركن قصيٍّ منها... فأوصيت عليها، ولم أجد في مكتبة "أمازون" العملاقة إلا "نسخة مستخدمة" أصلية من العام 1964، تأخر شحنها شهراً. استغربت من عدم وجود الرواية، ولكنني كففت، الآن، عن الاستغراب: فمن يعرف، اليوم، آلان ألبير؟ ومن يتذكَّر إيلان هاليفي؟ ومن يقرأ جورج ليفين؟ ومن يبكي على دانيال بيبلس؟

كتب هاليفي رواية "العبور" التي أذهلت العالم الأبيض

إيلان هاليفي: أربعة في واحد، "يهودي 100٪ وفلسطيني 100٪"، هو مؤلِّف رواية "العبور" بلهجة هارليم التي لم تطأها قدماه، وهو مشهدها وشاهدها وشهيدها. فرنسي يهودي أبيض، ولد دون قابلة، في 12 تشرين الأول 1943، في مكتب للبريد كانت تستخدمه المقاومة الفرنسية مخبأ سريَّاً ومخزناً للسلاح في مدينة ليون. أمه يهودية من تركيا، وأبوه يهودي من روسيا. بعد وفاة والده، اكتسب إيلان اسم زوج أمَّه، إميل ألبير، فصار اسمه إيلان آلبير. بعد انتقاله إلى باريس، تعلَّم الإنجليزية بنفسه خلال تدرُّبه على الجاز في الحي اللاتيني، وعبر صداقته مع كبار الموسيقيين والمثقفين السود، من أمثال: بَد باول، وإيريك دولفي، وجيمس بالدون، وإيلين رايت زوجة (ريتشارد رايت)، التي عرَّفته على جان بول سارتر... صار هاليفي ينشر في مجلة "الأزمنة الحديثة" وفي مجلة "الحضور الأفريقي" أشعاراً ومقالات عن معاناة حياة "الزنوج" في أمريكا، متأثراً بإيمي سيزار، ومالكوم إكس الذي التقاه مرة واحدة في باريس.

في تلك الأثناء كتب هاليفي رواية "العبور" التي أذهلت العالم الأبيض، موقعاً وموقفاً، ووصفتها الواشنطن بوست، حينها، بأنها "من أعاجيب التماهي لشاب أبيض يكتب عن مسرح الجرائم البيضاء بحق السود من باريس". نشرت الرواية، التي ليس هنا محل نقدها، بالإنجليزية في نيويورك في العام 1964 باسم آلان آلبير، وترجمها بنفسه إلى الفرنسية، ونشرت في باريس في العام 1965 باسم مستعار هو جورج ليفين. لم يكن "العبور" عبوراً لغوياً وحسب، بل كان عبوراً في الموقف والهوية من موقعيَّة الضحيَّة اليهودية البيضاء التي عاشت أهوال النازية والمعاناة التي تاجرت بها الصهيونية (بوصفها "سمسار الدم اليهودي" كما عبَّر محمود درويش مرَّةً)، إلى موقعيَّة الضحيَّة التي لا بواكي لها: الضحية السوداء (الأفريقية) والضحيَّة الملوَّنة (الفلسطينية). عبر هاليفي إلى أفريقيا، وتعرُّف على المظلمة الفلسطينية في منتصف الستينيات، فقرر "الهجرة" إلى دولة الاستعمار الصهيونية مع العام 1967، حيث أقام في كيبيوتس، وانضمَّ إلى جماعة "ماتسبين" (البوصلة)، ومن ثم إلى منظمة "مأفاك" (النضال) الأكثر راديكالية في مقاومة عنصرية دولة اليهود والصهيونية.

لم يسعفه عمله كمراسل لصحيفة "ليبراسيون"، ولا يهوديَّته، حين قرر الارتباط بالمناضلة كاترين ليفي: فطُرد هو من الكيبوتس حين انكشف أمر "خليته"، ومنعت هي "من دخول إسرائيل" في منتصف السبعينيات... فغادرا إلى باريس ثانية. هناك، عرَّفته ليفي على عدد من "الفوضويين الشباب"، المشهود لهم في ثورة الشباب في أيار 1968، وفي مواقفهم الداعمة "للفهود السود"، وللثورة الفلسطينية، من أمثال: فيليكس غتَّاري، وجيل دولوز، وجان جينيه (والذين ليس محل القول فيهم هنا أيضاً). هناك، تفرَّغ هاليفي للعمل الفكري والنضالي، والتحق بالثورة الفلسطينية من أوسع أبوابها، فنشر: "تحت إسرائيل، فلسطين" (1978) عن جرائم الصهيونية بحق القرى الفلسطينية المطهرة عرقياً، و"المسألة اليهودية: القبلية، القانون، المكان" (1981)، عن أسطوريات الهوية اليهودية ودحض الأيديولوجيا الصهيونية، وساهم في مجلة الدراسات الفلسطينية في نسختها الفلسطينية.

انتمى هاليفي إلى حركة التحرير الوطني الفلسطيني-فتح، وكلَّفه الرئيس الراحل ياسر عرفات بتمثيل فلسطين في لجنة الأمم المتحدة الخاصة بحقوق الإنسان، ومن ثم في الأممية الاشتراكية بعد اغتيال عصام سرطاوي... فكان مدافعاً بليغاً عن عدالة القضية الفلسطينية، وبخاصة بعد اندلاع انتفاضة الحجارة في العام 1987. أفادت منظمة التحرير الفلسطينية من خبرته في الشؤون الاستراتيجية، والدولية، فشارك في طواقم الوفد الفلسطيني (الأردني المشترك) لمؤتمر مدريد للسلام في العام 1991، وحين رغب بالعودة إلى فلسطين، بعد توقيع اتفاقية أوسلو، منعته "إسرائيل" من الدخول، لولا تدخُّل الأممية الاشتراكية التي ضمنت له مشاركة لتمثيل منظمة التحرير الفلسطينية في مؤتمرها الذي انعقد في القدس في العام 1995. انتخب هاليفي عضواً في المجلس الثوري لحركة فتح، وعاش بين القدس ورام الله وباريس، إلى حين رحيله بعد صراع مع المرض في 10 تموز 2013، تاركاً المزيد من جمال البياض الثوري: كتيِّبَ "في مواجهة الحرب: رسالة من رام الله" صدر في العام 2003 تنديداً بالإمبريالية الأمريكية والعدوان العالمي على العراق؛ ورواية-سيريَّة "ذهاباً وإياباً" في العام 2005، كما صدرت أخيراً ترجمة كتابه "رهاب الإسلام ورهاب اليهودية: الصورة في المرآة"، في العام 2017.

يتوجَّب علينا إعادة النظر في بلاغتنا الفلسطينية الراهنة، وفي أدواتنا المؤسسية

لم يكن المقصد من هذه المقالة إيجاز سيرة هاليفي، ولا استعراض رواية "العبور"، بل الإشارة إليهما كنموذج لتحوُّلات البطولة، التي لا لون لها، في إهاب ضحايا تتعدد ألوانهم: بيضاً، وسوداً، وملونين. لم يكن آلان ألبير/ إيلان هاليفي/ جورج ليفين/ دانيال بيبلس بشرة سوداء في قناع أبيض، ولا بشرة بيضاء في قناع أسود... بل كان مفتاحاً ضرورياً لإجابة أسئلة إنسانية كبرى، لم تتقصد هذه المقالة إجابتها بقدر ما تقصَّدت إثارتها والإشارة إليها.

فقبل أن نفكَّر في إجابات ما سبق من أسئلة، يتوجَّب علينا إعادة النظر في بلاغتنا الفلسطينية الراهنة، وفي أدواتنا المؤسسية، مثلاً: هل تملك "لجنة التواصل مع المجتمع الإسرائيلي" إجابة عن مساهمة جمهورها اليهودي في قضية جورج فلويد وإياد الحلاق ومقبرة الإسعاف... كتلك التي امتلكها، مرَّة، عصام السرطاوي؟ وهل يمتلك الرئيس الفلسطيني الحالي بلاغة الرئيس الراحل ياسر عرفات حين خصص فقرة مطوَّلة لإيهود أديب في خطاب "البندقية وغصن الزيتون" مثالاً لرفقة السلاح والنضال الثوري المشترك، المتخطِّي للدين والقومية، في مقاومة عنصرية الصهيونية وجرائمها؟ وهل يملك المثقفون، الثوريون والمطبِّعون على حدِّ السواء، خطاباً غير خطابات العدمية وإعلان وفاة "الضمير اليهودي"، يداني خطاب محمود درويش في استنهاض "الضمير " ذاته، والردِّ على "اللاسامية المعكوسة" التي امتهنها المثقفون الصهاينة؟

إن من شأن هكذا أسئلة أن تبدأ الدورة المعاكسة لزمنِ محوِ المحوِ الذي تمارسه العنصرية البيضاء في فلسطين، وأمريكا، والعالم، ومن شأنها كذلك أن تبقي جذوة الأمل مشتعلةً ببياض ثوريٍّ قادم، لن يكون له وجود، ولا أسئلة، إلا بوجود بوصلة قادرة على التقاطه.