الجمعة  10 تموز 2020
LOGO

رؤية الصحة النفسية في فلسطين 2030.. ​مشروع جديد للمبادرة الفلسطينية لعلوم الأعصاب في جامعة القدس

بدعم من الشركة العربية الفلسطينية للاستثمار (أيبك)

2020-06-28 08:25:48 AM
رؤية الصحة النفسية في فلسطين 2030.. ​مشروع جديد للمبادرة الفلسطينية لعلوم الأعصاب في جامعة القدس
د. جمان النتشة و د. محمد حرزالله

خاص الحدث

تساهم الثقافة الاجتماعية داخل المجتمع الفلسطيني في تهميش أهمية ودور الصحة النفسية إلى درجة أن كثيرين يعتبرون أن الحديث عن المشاكل النفسية يسبب الإحراج، رغم أهميتها في مجتمع يعاني من أزمات جوهرية متمثلة بالقضايا الاجتماعية والنفسية وأخرى سياسية واقتصادية، ولأن البحث العلمي يعتبر أحد العوامل المساعدة في إعادة تشكيل الوعي والسلوك البشري إذا تم ربطه باحتياجات المجتمع؛ تشكلت المبادرة الفلسطينية لعلوم الأعصاب.

وتعتبر المبادرة الفلسطينية لعلوم الأعصاب، الأولى من نوعها في مجال الأمراض النفسية والعصبية، والتي نشأت عام 2009 في جامعة القدس (أبو ديس) بهدف إنشاء بنية تحتية في فلسطين لعلوم الأعصاب قائمة على أساس البحث العلمي، في ظل عدم وجود بنية تحتية للبحث العلمي في فلسطين في هذا المجال المتخصص، وفق د. محمد حرز الله مؤسس ومدير المبادرة الفلسطينية لعلوم الأعصاب في جامعة القدس.

تقوم المبادرة على تدريب مجموعات كبيرة من الباحثين على أساس البحث العلمي وإجراء التجارب العلمية، وكذلك استهداف المرضى المصابين بالأمراض النفسية والعصبية والسلوكية وتعريفهم وعائلاتهم بالمرض.

ويقول د. محمد حرزالله لـ"الحدث"، إن المبادرة، تعمل على ابتعاث الباحثين والطلاب إلى أفضل جامعات العالم واستكمال دراساتهم العليا وتطوير مهاراتهم الشخصية والعلمية، لتكوين معرفة وخبرة حول آخر ما توصل له العلم للإسهام في بناء وتعزيز بنية البحث العلمي في فلسطين.

وبحسب د. حرزالله، فإن المبادرة تسعى لتكوين موطئ قدم في فلسطين لتخصصات علوم الأعصاب، "فنحن نستثمر في البنية التحتية ونحاول تكوين خبرات وقدرات فلسطينية في عالم البحث العلمي وعلوم الأعصاب، تعتمد في ذلك على الإنسان كأهم استثماراتها".

ويضيف: خلال السنوات العشر الماضية، دربنا أكثر من 250 باحثا وباحثة، منهم 15 باحثا يستكملون دراساتهم لنيل درجة الدكتوراه في الخارج، وتمكنت المبادرة من خلال الباحثين الفلسطينيين لديها، من نشر 23 ورقة بحث علمي أصيلة، وتسجيل براءتي اختراع، وكذلك الحصول على ما يقارب 2 مليون دولار لصالح دعم البحث العلمي في فلسطين، كما وابتعثت المبادرة أكثر من 50 طالبا وطالبة للدراسة والتدريب في جامعات العالم، وتم استقدام ما لا يقل عن 40 عالما وعالمة بعضهم حاصل على جوائز نوبل إلى جامعة القدس للحديث عن آخر ما تم التوصل إليه في مجال علوم الأعصاب.

كما وساعدت المبادرة بحسب حرزالله، أكثر من 10 آلاف مريض يعانون من أمراض نفسية وعصبية وسلوكية، وتثقيف المرضى وعائلاتهم حول هذه الأمراض، من خلال شبكة تتكون من 40 طبيب أعصاب وطبيبا نفسيا في الضفة الغربية.

 وأوضحت د. جمان النتشة، المديرة المشاركة وإحدى مؤسسي المبادرة الفلسطينية لعلوم الأعصاب، أن المبادرة، تضم في الوقت الحالي 6 وحدات بحثية، تركز على عدة زوايا في دراسات علوم الأعصاب، وتشمل وحدة علوم الأمراض النفسية، ووحدة علوم الأمراض العصبية، ووحدة علوم الأعصاب التطورية، ووحدة علوم الأعصاب الوراثية، ووحدة علوم الأعصاب المحوسبة، ووحدة علوم الأعصاب الجزيئية، حيث تهدف المبادرة إلى تطوير هذه الوحدات مستقبلًا إلى مختبرات بحثية مستقلة تحت مظلة المبادرة.

وأضافت، "بدأنا العمل من لا شيء منذ عشر سنوات بشخص واحد، ثم تطورت المبادرة بأهدافها ورؤيتها ورسالتها وعدد الباحثين أيضا.. وتحول العمل من محاضرات وورشات بسيطة إلى مؤتمرات استضفنا فيها علماء حاصلين على جائزة نوبل. ونأمل من خلال الإنجازات التي قمنا بها ضمن إطار المبادرة الفلسطينية لعلوم الأعصاب أن نبني لمستقبل واعد في مجال علوم الأعصاب والبحث العلمي في فلسطين، وفي العالم".

وأكد حرزالله، أن الهدف الرئيسي من المبادرة هو خلق موطئ قدم للباحثين الفلسطينيين، "من خلال تأسيس المبادرة، اكتشفنا أن أكثر ما يمكن أن يصبوا إليه الباحث الفلسطيني الذي عمل على مستوى عال في أي مكان في العالم بعد العودة إلى فلسطين هو التدريس الأكاديمي في الجامعات، لأن ثقافة البحث العلمي غير موجودة. "لذلك نسعى لوضع فلسطين على خارطة العالم في ما يتعلق بالبحث العلمي وعلوم الأعصاب والعلاجات وتشخيص الأمراض النفسية والعصبية ونحن قادرون على ذلك" يضيف حرزالله.

ويرى حرزالله، أن المبادرة ليست مؤسسة تقليدية تعتمد على تدريب الطلاب والباحثين وإصدار الأوراق البحثية وتسويقها على الرغم من أنها أحد أهداف المبادرة؛ إلا أن ما تسعى إليه هو الاستثمار بالعقول، ومحاولة زرع عقلية الاستثمار في الإنسان الفلسطيني لدى الباحثين عن طريق الأبحاث العلمية.

رؤية 2030 للصحة النفسية في فلسطين

وأوضح مؤسس المبادرة د. حرزالله، أنه تم بدء العمل بخطة المبادرة للسنوات العشر المقبلة، ضمن مشروع جديد بالتعاون مع الشركة العربية الفلسطينية للاستثمار (أيبك)، تحت إطار "رؤية 2030 للصحة النفسية في فلسطين" والتي تتمثل بإنشاء بنية تحتية كاملة للصحة النفسية في فلسطين.

وأشارت النتشة، إلى أن هذه الخطة ستكون قابلة للتعميم على أي مكان في العالم والانتقال إلى الدول الأخرى، على أن تكون التجربة الأولى في فلسطين.

"التعاون مع أيبك يعتمد على استعمال روح العصر، بحيث سيكون هناك دور كبير للتكنولوجيا والحوسبة والذكاء الاصطناعي" يضيف محمد حرزالله. مشيرا، إلى أن الضفة الغربية لا يوجد فيها سوى 24 أخصائيا نفسيا فقط، من بينهم 3 طبيبات فقط، وطبيبين أخصائيين في الطب النفسي للأطفال، على الرغم من وجود نحو 65% من الفلسطينيين ما دون 24 عاما، وهؤلاء لا يجدون احتياجاتهم النفسية لعدم توفر الكادر الكافي للقيام بهذه المهمة، خاصة بوجود نوع من عدم الاهتمام في هذا الجانب بسبب الرؤية الاجتماعية. من هنا يأتي دور "رؤية 2030 للصحة النفسية في فلسطين".

ويتطلع القائمون على المبادرة من خلال التعاون مع  "أيبك"، إلى تطوير نظام محوسب يهدف ليس فقط إلى علاج الأمراض النفسية وإنما إلى العمل على مستوى المجتمع، "على سبيل المثال، هناك أعداد كبيرة من أطفال المدارس يعانون من مشاكل نفسية، تصل أحيانا إلى مستويات متطورة بسبب عدم ملاحظة الأهالي لها أو وجود إشكالية لدى المجتمع في ما يتعلق بالتوجه إلى الأخصائيين في هذا المجال، كما أن هناك نسبا عاليا جدا للمشاكل النفسية في الضفة الغربية ولكنها تصطدم إما بالعدد القليل من الأخصائيين أو ضعف الثقافة المجتمعية، ومن هنا تأتي أهمية هذا المشروع، بحيث سنعمل على استخدام وتطوير نظام محوسب يمكن استخدامه في الجامعات والمدارس سواء لإجراء تقييم عام حول الصحة النفسية، أو تقديم برامج علاجية أو مساعدة سلوكية وإدراكية للأفراد قبل وصولهم للحالة المرضية" تضيف النتشة.

وبحسب القائمين على المبادرة، فإن مشروع "رؤية 2030 للصحة النفسية في فلسطين" يقوم على وجود نوع من الحوسبة لخدمات الصحة النفسية وخدمات أبحاث علوم الأعصاب على مستوى الضفة الغربية، حيث سيتم إجراء تجارب على هذا النظام في المرحلة الأولى في جامعة القدس، والتي هي عبارة عن فحوصات نفسية وتقديم تشخيصات أولية، ثم تعميم التجربة على باقي الجامعات والمدارس ومجموعة من العيادات ومراكز الصحة الأولية، وهي عبارة عن نظام يحتاج إلى عمل طويل المدى.

وأوضح السيد طارق العقاد، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لأيبك في تصريح له، حاجة فلسطين الملحة إلى تغيير الصورة النمطية عن الطب النفسي والصحة النفسية وتعزيز أهميتها، مشدداّ على أن الإصابة باضطرابات أو تحديات نفسية ليس بالشيء المعيب ويلزمها علاج ومتابعة مثلها مثل أي مرض آخر يمكن أن يصيب الإنسان. مشيراً في الوقت ذاته إلى أن الصحة النفسية تتأثّر بشكل كبير بالعوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبالنظر إلى تاريخ الشعب الفلسطيني ومعاناته الكبيرة من الاحتلال بالدرجة الأولى وممارساته بحق الشعب الفلسطيني وتهديد أمانهم النفسي والاجتماعي، لذلك ارتأينا أن نولي أهمية لهذا الموضوع من خلال دعم هذه المبادرة الهامة لتوفير خدمة العلاج اللازم والمتخصص لأبناء شعبنا خاصة أن الصحة النفسية هي جزء لا يتجزأ من الصحة العامة. مؤكدا، على اهتمام أيبك بالقطاع الصحي بشكل خاص ضمن استراتيجيتها للمسؤولية الاجتماعية.

تأسيس منصة إلكترونية خاصة بالطب النفسي

وأوضح د. محمد حرزالله أنه سيجري العمل من أجل أن تكون هناك منصة مع رواد الأعمال للحصول على دعم كامل وشامل لهذه المنصة التي ستعمل على مستوى الوطن.

وأضاف: سنعمل بداية على مستوى ضيق للتمكن من بناء أسس متينة للمشروع، وبعدها يمكننا تصدير النموذج الخاص بنا إلى دول أخرى، ودعم "أيبك" يمكّننا من وضع حجر الأساس للاستمرار في هذا المجال وتطوير اللبنات الأساسية لهذه الرؤية التي يمكن أن تعمم على علوم الأعصاب والصحة النفسية.

وحول النظام المحوسب، أوضحت د. جمان النتشة، أن النظام عبارة عن تطبيق إلكتروني أشبه ما يكون بلعبة كمبيوتر، يحتوي على معايير إدراكية مدروسة، يتم اختبارها على مجموعة من الأشخاص قبل البدء بتعميمها، يمكن لها أن تقدم معلومات عن طبيعة إدراك الأشخاص والصحة النفسية لهم، ويمكن أن تكون أيضا عبارة عن استبيانات من خلالها يمكن استخلاص بعض الأبحاث النفسية، وهو ما يحتاج إلى منصة إلكترونية وأدوات متطورة وجهد للتأكد من عملها بالطريقة الصحيحة وبحاجة إلى طاقم عمل وعلاقات لخلق نوع من التوعية المجتمعية حول الأمراض النفسية والطرق الصحيحة للتشخيص.

وأشار حرزالله، إلى أن المشروع سيتم تنفيذه بالتعاون مع كوادر الطب النفسي وطب الأعصاب، "لأن قدراتنا في هذا المجال محدودة لتغطية العدد الكبير من المرضى في فلسطين. كما أنه من ناحية مجتمعية؛ ينظر إلى أن الحديث مع أخصائي أو معالج نفسي عبر منصة إلكترونية أكثر سهولة وأقل حرجا من الذهاب إلى عيادة خاصة بالطب النفسي، وهي مسألة في غاية الأهمية لأن النظام المحوسب سيخلق خصوصية أكثر للأشخاص".

وترى النتشة في حديثها مع "صحيفة الحدث"، أنه يجب بناء المنصة الإلكترونية، التي تصبوا إليها المبادرة، لأن الصحة النفسية لا تقتصر على الدواء وإنما تحتاج كذلك إلى جلسات علاج نفسي، خاصة في ظل عدم توفر منصات فلسطينية تقدم هذه الخدمات.

وتأمل النتشة، أن يحدث مشروع "رؤية 2030 للصحة النفسية في فلسطين" تغييرا في ثقافة المجتمع الفلسطيني في ما يتعلق بالصحة النفسية على أنها حق للجميع وغاية في الأهمية، خاصة بعد ما خلقته جائحة فيروس كورونا من مشاكل في الصحة النفسية في دول العالم، التي لها آثارها وأبعادها، والتي تأمل، من خلال النظام المحوسب، أن تكون قادرة على التعامل مع الأشخاص قبل الوصول إلى مرحلة المرض الشديد، لأن الصحة النفسية حق من حقوق الإنسان.

وأكد حرزالله، على أن 8 من كل 10 مرضى، يلجأون إلى طرق تقليدية بعيدًا عن الطب النفسي قبل الوصول إلى عيادات الاختصاص، "وبناء على ذلك، يجب أن نبدأ من اللبنة الأساسية للمجتمع خاصة في ظل الظروف التي يمر بها الفلسطينيون".

عمل المبادرة في قطاع غزة

ويأمل مؤسس المبادرة أن يتم تأسيس موطئ قدم للمبادرة في قطاع غزة بسبب الحاجة الماسة للصحة النفسية، "على الرغم من الظروف الراهنة التي تعيق تواجدنا في القطاع"، بناء على استراتيجية المبادرة التدريجية في الوصول إلى مستوى من ضمان الديمومة.

ويشير، إلى أن الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية التي يمر بها الفلسطينيون، تجعل من الوضع الفلسطيني وضعا خاصا، لأنها تجعل الفلسطيني ينظر للصحة النفسية كنوع من الرفاهية، "وما نسعى إليه هو تعريف المجتمع بأن الصحة النفسية أمر أساسي ومهم في الحياة ليتمكن الأفراد من الإنجاز والعمل بشكل متزن".

وأكد الباحثان المؤسسان للمبادرة الفلسطينية لعلوم الأعصاب على عدم وجود الدعم الكافي وثقافة المجتمع وثقافة البحث العلمي وغياب الدور الرسمي والحكومي في تشجيع ودعم البحث العلمي على مستوى الوطن. وعلى الرغم من أنّ فلسطين مليئة بأفراد على مستوى عال من القدرات في هذا المجال، إلا أنها تحتاج إلى بنية تحتية وطنية وثقافة مجتمعية وتعاون صناع القرار وتقدير الأشخاص الذين يمتلكون القدرات.

 

للتواصل مع المبادرة: 

الموقع الالكتروني: https://neuroscience.alquds.edu/
حساب الانستغرام: https://www.instagram.com/pni.palestine