الإثنين  10 آب 2020
LOGO

صف، وما طفى! بقلم: د. سامر العاصي

2020-07-06 08:53:02 AM
صف، وما طفى! بقلم: د. سامر العاصي
د. سامر العاصي


 

في نهاية عام 1944، تم استدعاء نخبة من ضباط الاستخبارات اليابانيين المدربين جيدا على حرب العصابات وأعمال التخريب، لتوكل إليهم مهام إعاقة إنزال قوات البحرية الأمريكية في جزر الفلبين، التي كانت اليابان قد احتلتها قبل نشوب الحرب. وصدرت الأوامر لضباط وجنود النخبة: الموت  قبل الاستسلام!.

وفي نهاية شباط التالي، كانت البحرية الأمريكية قد احتلت الآلاف من الجزر الفلبينية (7600 جزيرة). ومع انقطاع وسائل الاتصال مع القيادات العسكرية اليابانية، ظل الآلاف من الجنود والضباط اليابانيين الذين انسحبوا إلى داخل أدغال الجزر المحتلة، يقومون بشن هجمات تخريبية ضد الأمريكان والفلبينيين. ومع أن اليابان استسلمت في 2 أيلول 1945، إلا أن الحرب ظلت مستمرة في أدغال تلك الجزر. وأيقن الأمريكيون أن الجنود اليابانيين المنتشرين في الغابات لا يعلمون البتة، أن الحرب قد انتهت!. وبدأت الطائرات الأمريكية بالتعاون مع قيادة الجيش الياباني الجديد، بإلقاء مئات الآلاف من المنشورات والبيانات باللغة اليابانية فوق كل غابات وأدغال الفلبين، تعلن بأن الحرب قد وضعت أوزارها، وتحث الجنود المختبئين، على الخروج من مخابئهم والتوقف عن القتل والقتال.

ونجحت الخطة، وخرج عشرات الآلاف من الجنود والضباط المختبئين وبدأوا بالاستسلام، الذين سرعان ما تم إرسالهم إلى بلادهم بكل أمن وسلام، إلا أن الملازم "هيرو أٌونودا"، المتخصص في حرب العصابات، وسياسات التخريب، ظل مختبئا في غابة جزيرة "لوبانغ" ومعه 4 من زملائه ممن رفضوا الاقتناع بأن الحرب قد انتهت، أو أن اليابان قد خسرت الحرب!، بل ظنوا أن إلقاء المناشير من الطائرات الأمريكية ما هي إلا خدعة يراد منها اصطيادهم،  فقد كان أمر قائدهم عند إرسالهم إلى هذه الجزيرة، بعدم الاستسلام واضحا وضوح الشمس. 

وظل الرفاق الأربعة يقاتلون ويقومون بحرق المزروعات وقتل الجنود الأمريكيين والفلبينيين والمدنيين، وهم لا يعلمون ما حل بمدنهم من دمار ذري، أو ما حل بكرامة إمبراطورهم الذي ظل في مخيلة اليابانيين منذ آلاف السنين، مقدسا وابنا لآلهة الشمس.

وفي آذار من العام 1950، تيقن أحد رجال "اونودا" الأربعة، أن الحرب قد انتهت، فقام بتسليم نفسه إلى الجيش الفلبيني الذي سرعان ما قام بتسليمه إلى حكومة اليابان، وهو ما سمح للشعب الياباني أن يعرف بأن هناك 3 جنود على قيد الحياة!. 

وعادت الطائرات الأمريكية فوق سماء الجزيرة، لتلقي بعشرات الآلاف من منشورات الحكومة اليابانية ورسائل من عائلات الجنود الثلاثة، تحثهم على وقف القتال والاستسلام، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فبعد 3 أشهر من استسلام ذاك المقاتل، بدأت الحرب الكورية-الكورية، لتعود الطائرات المقاتلة والقاذفات العسكرية الأمريكية، تمر من فوق سماء الجزيرة، لتؤكد للجنود الثلاثة، أن تلك المناشير ما هي إلا حيلة وخطة أمريكية للقضاء على المقاومة، وأن الحرب العالمية ما زالت مستمرة. وقرر الرفاق الثلاثة عدم الاستسلام والاستمرار في الحرب التي بدأها قادتهم حين قاموا بالإغارة على قاعدة بيرل هاربر الأمريكية يوم 9 ديسمبر 1941.

وفي العام 1954، فقدت المجموعة مقاتلا بعد اشتباك مع الجيش الفلبيني، ليظل اثنان منهما، يقاتلان ويقومان بالإغارة بين الحين والآخر على مواقع الجيش الفلبيني وعلى المزارعين المدنيين. ومضت بضع سنوات من الهدوء في الجزيرة حتى ظن الناس أن المجموعة قد قتلت، وأعلنت اليابان رسميا عام 1959، عن موت "اونودا ورفيقه".

وجاء العام 1972، حين قتلت الشرطة الفلبينية مقاتلا يابانيا في جزيرة "لوبانغ" كان بصحبة رفيق له أثناء سرقتهما أحد المخازن التموينية. وتم تسليم الجثة إلى الحكومة اليابانية، وفهم الشعب الياباني أن الرجل الذي ظل على قيد الحياة هو ضابط الاستخبارات، الملازم "هيرو أونودا". وبدأت اليابان والعالم كله يتحدث عن الرجل الذي ما زال يحارب منذ العام 1944. وعادت الطائرات الفلبينية واليابانية لتلقي بعشرات الآلاف من المناشير التي تدعو الرجل إلى الاستسلام، كما استسلم إمبراطورة واستسلمت بلاده قبل 27 عاما!. ولكن صاحبنا ظل يعتقد جازما أن تلك أيضا مكيدة، فتحليق الطائرات الحربية والقاذفات الأمريكية التي كانت تشارك في حرب فيتنام لم ينقطع ومنذ سنوات من فوق رأسه. وقرر الرجل الاستمرار في حربه.

وتطوع العشرات من اليابانيين للسفر إلى أدغال وغابات جزيرة لوبانغ، حاملين الأعلام اليابانية ومعهم مكبرات الصوت، يطلبون من الرجل الظهور بعد التعهد له بالأمن والأمان. ولم تلبث البعثة اليابانية بعد أشهر قليلة، حتى عادت إلى بلادها بخفي حنين، بعد أن فهم الجميع أن الرجل لا بد أن يكون قد مات. 

وقرر أحد الشباب "الهيبز" اليابانيين في نهاية شباط 1974، واسمه (نوريو سوزوكي) أن يأتي إلى تلك الجزيرة للبحث عن الرجل الذي عجزت فرق الإنقاذ المدربة عن إيجاده. وفي اليوم الرابع من دخول "سوزوكي" الغابة، وجد الشاب نفسه وجها لوجه أمام الملازم أول "اونودا"، وسرعان ما قال له:

  • "اونودا- سان (السيد أونودا)، إن الإمبراطور والشعب الياباني قلقون عليك"!

وجاء رد الملازم:

  •  لن أغادر موقعي إلا بأمر عسكري من الضابط الذي كان مسؤولا عني. 

وابتهجت اليابان على هذا الخبر، وتم العثور على قائده السابق الرائد "نيغوشي". 

ومع بداية شهر آذار، استسلم الرجل الذي صار عمره 52 عاما إلى الجيش الفلبيني بعد أن استلم من الرائد "نيغوشي"، أمرا كتابيا بالاستسلام. وأصدر الرئيس الفلبيني "فردنادو ماركوس" الذي تسلم سيف الساموراي الخاص بالملازم "اونودا". وتم منح الرجل عفوا رئاسيا عن قتله أكثر من 30 جنديا فلبينيا وعشرات المزارعين، وعن جرائمه المختلفة التي ارتكبها ضد ممتلكات الدولة الفلبينية، قبل أن يعود صاحبنا إلى وطنه اليابان حيث استقبل استقبال الأبطال الحقيقيين.

وصار الرجل ضيفا مزمنا على جميع محطات الإذاعة والتلفزة اليابانية والعالمية، وعرف السياسيون اليابانيون معنى وتأثير الظهور والتقاط الصور مع الجندي الملتزم والمطيع لقوانين بلاده، و… أوامر رؤسائه.

وظل "اونودا" يردد دائما، بأن "سر" بقائه وصموده وصبره وتحمله لشتى أنواع الشوق والعذاب النفسي والجسدي في تلك الغابة طيلة 30 عاما، كان من أجل المحافظة على بلده بأن تظل حرة، ويظل شعبها أصيلا بتقاليده وعاداته. ولكن، وبعد سنوات قليلة من عودته إلى دياره، أصيب "اونودا" بالإحباط والاكتئاب الشديدين بعد أن فشل في استغلال شهرته وسيرته الوطنية لتعزيز القيم والعادات الوطنية. ولما لم يستطع الرجل التأقلم مع نمط الحياة الجديدة، التي حولت المجتمع الياباني إلى مجتمع استهلاكي لم يعد يهتم بتقاليده وعاداته أو لمعاني الأخلاق والشرف والأصالة، قرر "اونودا" الهجرة إلى البرازيل، خاصة بعد أن صار الناس والأجيال الجديدة، يرمقونه بنظرات السخرية وكأنه "تحفة فلكلورية"، أو كأنه رجل جاء من كوكب آخر! وهو ما جعله يقول عند رحيله:

  • إن اليابان صارت مزدحمة وليست هي نفسها!

ولم يستطع الرجل البقاء بعيدا عن وطنه، فسرعان ما عاد إلى اليابان لينخرط في نشاطات سياسية تابعة للحزب اليميني المتطرف، وقام بتأليف كتاب (لا استسلام، 30 عاما في الحرب). كما أسس الرجل أكاديمية أسماها "أكاديمية فن البقاء على الحياة".

ومن الجدير ذكره، أن "اونودا"، لم يكن آخر جندي ياباني توقف عن القتال بعد الحرب العالمية الثانية. ففي نهاية العام 1974، سلم الجندي الياباني، الذي ظل يقاتل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، (تيرو- ناكامورا) نفسه للسلطات الأندونيسية، إلا أنه لم يحظ بتاتا بالشهرة التي حاز عليها صاحبنا (أونودا) الذي ظل يعمل من أجل تحقيق أهدافه الوطنية دون توقف ودون ملل. أما الجندي (تيرو- ناكامورا)، فقد عاد إلى اليابان وعاش حياته العادية، وكما يقال بالعامية: صَف، وطفى!، بعكس "اونودا"، الذي (صَف، وما طفاش)، تماما كمقاتلي وفدائيي شعبنا الفلسطيني، الذين عادوا منذ 27 عاما دون أن (يَصُفوا) جانبا أو(يَطفُون)، والله تعالى أعلى وأعلم.