الإثنين  10 آب 2020
LOGO

من التراث حتى بنود الإسلام السياسي المستغرب/ المفكر حسن حنفي نموذجاً

الكاتب: عبد الرحمن الريماوي

2020-07-27 02:33:00 PM
من التراث حتى بنود الإسلام السياسي المستغرب/ المفكر حسن حنفي نموذجاً
المفكر حسن حنفي

 

 الحدث: فكر ونقد 

 علم الاستغراب في النهاية هو ردة فعل على التغريب ومحاولة انتشال الأنا الحضاري من الاغتراب بالآخر، ولكن الحذر عند حسن حنفي كان في تعريف وتوضيح كيف أن علم الاستغراب بكل ماهيته مغلوط في تعريف الأنا الإسلامية، وذلك بكل بساطة لأن التراث له "أساس ومركزية وحدود" تمثل الإشارة الموضوعية لعملية التحديد الذي هو مختل توازناً وغير ثابت، ولكن مع الوقت والتزاحم فوق بعضه البعض ظهرت الأدراج التي تم اعتبارها ثابتة وهي غير ثابتة لا نصاً ولا معنى. والإجابة هنا ستتوصل إلى الاختلاف الكبير بين الإسلام كأنا أصلية والإسلام السياسي الممتهن لطريقة الإحياء التجديدي. طريقة الإجابة ستتضمن تعريفاً لماهية التراث والتجديد وكيف عرف علم الاستغراب بشكل منقطع أم متصل وأخيراً التوصل للأنا الإسلامية وموضعها في الإسلام السياسي اليوم.

كيف أثرت دراسات التراث على تشكيل علم الاستغراب عند حسن حنفي، وهل هو تواصل أو قطيعة مع الواقع للأنا الإسلامي؟

 التراث، والتجديد:

التراث كيفما كان يجب اعتماده كأساس لعملية البحث، التي ستوضح الكثير من المبني عليها من توضيح لعلم الاستغراب.

التراث قضية موروث أي كل ما وصل إلينا من الماضي داخل الحضارة السائدة؛ التجديد هو إعادة تفسير التراث طبقا لحاجات العصر، والتراث هو الوسيلة والتجديد هو الغاية.

الذي يخزن ويجمع لإعادة المفهوم المحيط به في العصر، بالرغم من كونه ملتصق بالعصر الذي كان فيه ويصعب تحويره لمادة معاصرة منفصلة عن واقعه، وهذا الأمر ملتصق بالتصور الثنائي للعالم والذي يفصل عن الواقع والمرغوب وما هو أصيل وواجب.

التحليلات الصوفية هي المعزي لهذا الأمر والذي يصنع الأخلاق والحق الضائع، وعلى كل التقديرات فإن التراقي ضرورة واقعية وهو جزء من مكونات الواقع وليس دفاعاً عن موروث القديم، فهو حي يفعل في الناس ويوجه سلوكهم. والتراث والتجديد يعبران عن موقف طبيعي فإن الماضي والحاضر كلاهما معاشان في الشعور وأنه إسقاط للحياة المعاش ومرجع له وبالتالي فتحليل التراث هو في نفس الوقت تحليل لعقليتنا المعاصرة وبيان أسباب معوقاتها وبالتالي فالتراث والتجديد يؤسسان معاً علماً جديداً هو وصف للحاضر وكأنه ماضي يتحرك.

في النهاية إن دراسة التراث والتجديد يمثلان عملية حضارية هي اكتشاف التاريخ، وهذا مطلب ثوري والذي يجاوب عن سؤال الهوية، والذي يجيب انه تراكمات للماضي، وبالتالي يؤمن حسن حنفي أن الفقر والضعف وغياب النظام الاقتصادي في الماضي هو سبب نفس المشاكل اليوم. (حنفي 2017، 15-23) 

يرى الكاتب أن عملية البحث الحقيقية هي؛ عبر إرجاع المادة الفكرية إلى أصلها في الوحي لإعادة بنائها في العقل دون نقد أو تمحيص أو تدخل شخصي من الباحث خاصة إذا كان مجددا همه الأول هو عرض الموضوعتين أو النظريات او العلوم وترتيبها وتصنيفها دون أدنى تفسير من جانبه، وثانيا تجاوز الترتيب والعرض إلى النقد والتمحيص محللاً وناقداً عاضاً ومقترحاً مع الأصول في الوحي أو بالرأي الشخصي وثالثاً بعد عرض المادة العالمية يجب العمل بموضوع المشكلة القديمة وإعادة وضعها كموقف التزم فيه بفكر التراث وأخذ موقف منه. (حنفي 2017، 85-86)

كيف عرف علم الاستغراب:

جذور علم الاستغراب تمتد مع الأنا الإسلامي بشكل قديم كما هو الحال مع الغرب والشرق ومن فيهما وكيف تم تعريف الأنا والآخر وقت إذن؛ ففي حضارات الشرق القديم في مصر وكنعان وأشور وبابل وفارس والهند والصين (وقد ورثها الإسلام تاريخياً) ماهيك ذكراً عن الأديان الروحانية كاليهودية والمسيحية، وبالتالي كما أن العلاقة الاستغرابية او الاستشراقية ما بين الإسلام واليونان فهي كذلك ما بين مصر والرومان على شاكلة التبعية للانا المتوحدة في عدة أشكال على مر الزمان.

الأساس في تشكيل أي علم كان هو القدرة على الدراسة بالذات، فقد كان الإسلام يدرس اليونان وتحول العكس عندما وجدت قدرة الدراسة عندهم، وبالإشارة لكيفية صنع علاقة الدارس والمدروس فكانت (نقلاً نصياً للمعاني/ الحرص على المعنى فوق النص/ شرح النص والمعنى/ تلخيص لب المعنى بدون البرهان للنص/ التأليف لاحتواء النص والمعنى/ التأليف حول النص والمعنى/ النقد لعمليات التأليف/ رفض المعنى والنص والاكتفاء بالنقد).

مرحلة جديدة من علم الاستغراب قد ظهرت في صورة الآخر في وعي الأنا والذي أظهر الاستشراق في الغزوات الصليبية ان صح التعبير، حتى أتت مرحلة أخرى وصفها ابن خلدون للغرب، وثم عادت مرة أخرى في الحملات الاستعمارية. على إثر ذلك بدأ علم الاستغراب في زمننا المعاصر والذي ركز على إنشاء علم يحرجنا من نطاق التبعية الثقافية للغرب، فهو ليس نقيض فقط بل هو ردة فعل على التغريب ومحاولة انتشال الأنا الحضاري من الاغتراب بالآخر. (حنفي، التراث والتجديد: مقدمة في علم الاستغراب 1991، 57-62)

علم الاستغراب نشأ لمواجهة التغريب، فالنقص أصبح يسد لغوياً وثقافيا واقتصاديا وسياسياً وغيره من الغرب وطرق الغرب والحلول والتوجيهات كلها غربية وبالتالي وجد علم الاستغراب لمواجهة السيطرة ونقد السابق، وثم تحول كل شيء لهم فلم تعد الثقافة وغيرها مهمات لان الأصح والمقبول بالطبقتين الدنيا والوسطى هو الأنا الغربي بعدما كان في الطبقة العليا وفقط والذي كان اختلف اليوم، المواجهة ما بين النقص للانا والعظمة للآخر. (حنفي، التراث والتجديد: مقدمة في علم الاستغراب 1991، 18-20)

الاختلاف ما بين الاستشراق والاستغراب هي اللحظة التاريخية في النشوء، فعرَّف الاستشراق كأنه دراسة للحضارة الإسلامية بنظرة مختلفة فإن الاستغراب نقيد والمضاد لها أي التي تنفي تعاليها وعظمتها عندما درست الحضارة الإسلامية وعندما صغرتها وثم تعاظمت عليها والتهمتها، كحضارة (حنفي، التراث والتجديد: مقدمة في علم الاستغراب 1991، 30-31)

دراسة الواقع هي التي تؤدي الى تطبيق علم الاستغراب، ولكن دراسة الواقع وليس القديم والغربي هي مثال علم الاستغراب عند حنفي.

بعد هذا التعريف النظري لكيفية التفكير؛ نأتي لصورة الشرق في وعي الغرب التي هي في بدايات الوعي الإنساني "مجرد كائن عضوي" ليس به فكر او علم وهو موطن السحر والدين والخرافات والأوهام وكثافة سكانية وبها دكتاتورية ولا حرية، والمصيبة هي النظرة الشرقية للغرب في الزمن المعاصر وهي التي يرفضها حسن حنفي فهم نموذج التقدم والنهضة والحداثة والتغير الاجتماعي والمستقبل والعلم و الاكتشافات العلمية والصناعة وحقوق الانسان والديمقراطية البرلمانية، اما النظرة او الصورة للشرف في وعينا القومي فهي غامضة قليلاً وليس لها حدود فالقلب معنا والعقل مع الغرب ونعجب له ولكن نتحالف مع غيره. (حنفي، التراث والتجديد: مقدمة في علم الاستغراب 1991، 768-777)

إن الإشكالية التي صنعت هذا التعريف حول "علم الاستغراب" والذي ليس موجوداً بالمناسبة عند حسن حنفي بل هو يعمل على نفده وقد أظهرت ذلك سابقا، (إن التحرر من الغرب هو هدفنا والخروج منه عبر مرجعياته) والذي أنشأ إشكالية الهوية للانا الإسلامي، وصنع مكانها هويات متداخلة تريد التأقلم مع الوضع الراهن حتى حلول الحل الإلهي، واقصد بذلك الحركات الإسلامية السياسية.

التراث أدى للتواصل مع الإسلام السياسي وقطيعة مع الأنا الإسلامية:

 يرى حنفي الدين كوظيفة، لخلاص الإنسان وتنظيم حياته وعمله وعلاقته بالله وبالآخرين، فالدين مصدره الشعوب التاريخية التي تحتفظ بقيمها وفكرها. أما استغلال السلطة للدين التي ثبت السلطة كحاكم عن الله وثم الزعيم الأوحد والتي أعلت من شأن القمة على حساب القاعدة فهي علاقة أمر وتنفيذ (حنفي، الدين والثورة في مصر: اليسار الإسلامي والحدة الوطنية 1989، 231-233).

التراث والتجديد هي ازمة للدارسات الإسلامية؛ للباحث فهي ازمة لشخصيته بين المسلم المستسلم والباحث المحايد فكأنه يدرس ظواهر لا دخل له بها، ثم يأتي المنهج الذي ينتج الخطأ في الحكم فمثلا يبحث الباحث في الدراسات الإسلامية عن التأليف الذي يبعث مسار خاص فيه يلغي صفة البحث عنه، إن الشقين لإشكالية المنهج هي النعرة العلمية للمستشرقين والنزعة الخطابية للمسلمين المتبعين للمستشرقين (علم الاستغراب).

النعرة العلمية هي كما يتم تحويل معنى الفكرة الى نص وثم يتم دراسة النص كأنه مدخلات لظاهرة فكرية وكل ما حولها من معاني، فيتم متابعة خروج الظاهرة الفكرية من النص لتبيين النشأة والتطور وثم يتابع خروج الظاهرة الفكرية من النص لمتابعة الارتدادات والآثار الثقافية الأخرى أي انهما يدرسان التاريخ والمجتمع ولكن لا يتم العروج على أصل النص القادم من الوحي. وبالتالي هم لا يدرسون الوحي الإسلامي ولا يتأكدون منها بل يبحثون عن الموضوع التاريخي والاجتماعي لأي ظاهرة إسلامية. فالاستشراق ملحق بالتراث والعلوم الإنسانية عبر منهجه وموضوعه وغايته تأثراً لماضيهم. فعند دراسة التاريخ او الحالات الاجتماعية فانه يتم؛ متابعة المكان او الزمان وطبيعة الناس والتطور الذي كانوا فيه والتأثيرات التي تعرض لها المكان نفسه والشخص نفسه، ولا يتابع الوحي الإسلامي. (حنفي 2017، 69-77)

النزعة الخطابية تعطي الأولوية للوحي على التاريخي، والذي يأخذ دور المدافع للوصول للانتصار الديني وتكون تكراراً لكثير من الدراسات بدون فهم، او دفاعاً عبر إعطاء التبرير بدون تساؤل كالتقبل بدون تمحيص، وثم هذا السير الأعمى يؤدي الى الجدل والمهاترات فهذا يهدف للانتصار وليس للحقيقة، بالرغم من ان الموضوع يكون واضحاً ولكن اخذه كما هو والامتعاض عن العدول عنه يؤدي إلى التشبث بمنهج استشراقي غير صالح للبحث العلمي والوصول للحقيقة. (حنفي 2017، 97-102)

نظر إسلاميا بعد تبيان أمور قام بها الإسلام البحث لحفظ نفسه او الانا الخاصة به، لقد حرم القرآن موالاة الغير والتقرب الى الأعداء والتودد إليهم ومصالحتهم، كذلك رفض التقليد والتبعية في السلوك الفردي وفي العقائد من أي فرد كان فالإيمان المقلد لا يجوز والاعتذار بالتقليد غير مقبول، كذلك وصف الإسلام القديم بدون فقد هويته ومع ذلك ينتقد الغرب في اباحيه ودنيويته، ووضع علاقة الأنا بالآخر كالدارس بالمدروس، وغير ذلك. (حنفي، التراث والتجديد: مقدمة في علم الاستغراب 1991، 27-28)

هدف الإسلام السياسي أن يكون حركة في الواقع لاستعادة الماضي؛ بشكل عام السياق الإسلامي هو جماعات قومية تسخر الدين، او في مرحلة ما إسلاميون تخصصوا قومياً، والتنظير للإسلام السياسي الجديد بسبب المستشرقين مرة لإيجاد الحل وبسبب طبيعة الإسلام.

لقد توصل الى فكرة الأنا الإسلامية بطريقة تحليل الموقف من التراث القديم والغربي والواقع، وفي وسطها الأنا كي يكتشف حقيقة تشكل عقليته وماهيته التي دفعت لها حتى تكون حرة في الاختيار من الثلاث (الحرية بالنسبة له في المقابل لكل أمر)، وفي النهاية نرى الموقف مع القديم (انقطاع وثم قطيعة او اتصال وتواصل والواقع خاسر هنا)، اما الموقف الغربي (تواصل واستمرارية: مصادره، بداية الوعي، النهاية للوعي في نقده)، الموقف من الواقع هو:

دعي الى عدم التبعية أكثر من التنظير نحو الإسلامي السياسي بطريقة غير مباشرة لأن المتأثر المباشر الأكبر في كتاباته هي الحضارة الإسلامية؛ فبحث عن علم الاستغراب في مقابل الاستشراق لدحض المركزية الأوروبية وثم البحث عن تكوين الوعي الأوروبي لدحض الثقافة العالمية وثم بيان التحويل الثابت ما بين التكوين والبنية لأن البنية حصيلة تاريخية وليست مستقلة وبالتالي تكون متغيرة وثم إيجاد البعد ما بين الأنا والآخر في التوجه الغربي للآخرين كمعلم وتلميذه لتحديد مصير الوعي المستقبلي لان الآخر يلتف حول الأنا والبعد بينهما يلغيه. (حنفي، التراث والتجديد: مقدمة في علم الاستغراب 1991، 11-19)

يذكر في خاتمة الكتاب (اليسار الإسلامي والوحدة الوطنية) ما يلي: "أمام تحدّي النموذج الغربي، وتردّي واقع البلاد العربية والإسلامية مع فترة بداية الاستعمار الحديث، برزت إلى المشهد الفكري عدة تقليعات أو تيارات فكرية، متعددة ومتنوعة في استجابتها وفي رؤيتها للخروج من مأزق التحديين الداخلي (الفقر والتخلف) والخارجي (الاستعمار ونموذج صدمة الحضارة الغربية)، ويمكن إلى حد ما الحديث عن ثلاثة نماذج رئيسية في هذا السياق: النموذج الأول، إحيائي ما قبل حداثي جاء رد فعل على تحدٍّ داخلي متعلق في السياق الإسلامي «بانحراف» المسلمين عن التدين أو الدين الصحيح، وتعتبر الوهابية في الحجاز والمهدية في السودان نموذجًا له، وميزة هذا النموذج الأساسية عدم اتصاله بأي أفكار من خارج المنظومة الإسلامية. أما النموذج الثاني، فهو إحيائي تجديدي على صلة بالحداثة الغربية من جانب التحدي الذي طرحته أمام المجتمعات الإسلامية، ويعتبر الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وحسن البنا، وتيارات الإسلام السياسي المتناسلة من أفكارهم نموذجًا عليه. بينما النموذج الثالث، هو نموذج حداثي قُح يتبنى مقولات الحداثة الغربية بشكل كامل ويعتبر طه حسين وسلامة موسى وشبلي شميل وفرح أنطون من أهم روّاده. اليسار الإسلامي يتموضع في هذه الخريطة الفكرية على نحو مشابه ومغاير في الآن نفسه للنموذج الثاني، فهو يتقاطع معه في العودة إلى الإسلام «نصّا وممارسة» ومحاولة اشتقاق مفاهيم التقدم والثورة منه، لكن بمنهج انتقائي منحاز للعقل والحرية والإرادة الإنسانية والمصالح في تراث الإسلام وتياراته العقائدية والسياسية، ومنحاز في مستوى آخر للمستضعفين والمقهورين في المجتمعات الموصوفة بالإسلامية."

غياب الحوار تؤدي لاتجاهات فكرية مختلفة؛ فعملية السيطرة على الدين عبر السلطة جعلت من الدولة المسيطرة والآمر والذي أصبح في اغتراب عن القاعدة المجتمعية له، وبالتالي ازمة فكر في الذات او الأنا أو العقل، وعليه فان الدين والسلطة والجنس ثالوث مقدس يحرم علينا التفكير فيه، وهذا ما جعل من المالك لهذه الهويات ان يحدث فعل سياسي إسلامي مسيطر على واقع الهوية نفسها أي الأنا الإسلامية وتسخيرها. (حنفي، الدين والثورة في مصر: اليسار الإسلامي والوحدة الوطنية 1989، 260-273)

المراجع

 

 

 

 

حنفي, حسن. 1991. التراث والتجديد: مقدمة في علم الاستغراب. القاهرة: الدار الفنية للنشر والتوزيع.

 

 

—. 2017. التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديم. المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي سي آي سي.

 

 

—. 1989. الدين والثورة في مصر: اليسار الإسلامي والوحدة الوطنية. القاهرة: مكتبة مدبولي.