الجمعة  23 تشرين الأول 2020
LOGO

تقرير: العلاقات بين طهران وبكين ستعزز اقتصاد إيران ونفوذها الإقليمي

2020-08-12 09:47:25 AM
تقرير: العلاقات بين طهران وبكين ستعزز اقتصاد إيران ونفوذها الإقليمي
إيران- الصين

 

 الحدث- جهاد الدين البدوي 

نشرت مجلة "الفورين بوليسي" مقالاً للأكاديميين علم صالح المحاضر في الدراسات الإيرانية في مركز الدراسات العربية والإسلامية بالجامعة الوطنية الأسترالية، وزكية يزدانشيناز الزميلة الباحثة في مركز الدراسات الإستراتيجية للشرق الأوسط، وتحدثا أن وثيقة تم تسريبها مؤخراً تشير إلى أن الصين وإيران ستدخلان في اتفاقية شراكة استراتيجية مدتها 25 عاماً في مجالات التجارة والسياسة والثقافة والأمن.

يضيف الأكاديميان بأن التعاون بين الصين وإيران ودول الشرق الأوسط ليس جديداً ولا حديثاً. ومع ذلك، فإن ما يميز هذا التطور عن غيره هو أن كلاً من الصين وإيران لديهما طموحات عالمية وإقليمية، وكلاهما له علاقات تصادمية مع الولايات المتحدة، وهناك عنصر أمني في الاتفاق. ويتعلق الجانب العسكري من الاتفاق بالولايات المتحدة، تماماً كما أفزعت المناورات البحرية المشتركة الإيرانية -الصينية الروسية التي لم يسبق لها مثيل في العام الماضي في المحيط الهندي وخليج عمان واشنطن.

يتابع الأكاديميان: وقد تحدّى النفوذ المتنامي للصين في شرق آسيا وأفريقيا مصالح الولايات المتحدة، والشرق الأوسط هي ساحة المعركة التالية التي يمكن لبكين أن تتحدى فيها الهيمنة الأمريكية - وهذه المرة من خلال إيران. وهذا أمر مهم بشكل خاص لأن الاتفاق وآثاره تتجاوز المجال الاقتصادي والعلاقات الثنائية: فهو يعمل على المستويات الداخلية والإقليمية والعالمية.

ويلفت الأكاديميان إلى أنه على الصعيد الداخلي، يمكن أن يكون الاتفاق شريان حياة اقتصادي لإيران، مما ينقذ اقتصادها الذي يعاني من العقوبات ويفتقر للسيولة المالية من خلال ضمان بيع نفطها وغازها إلى الصين. وبالإضافة إلى ذلك، ستتمكن إيران من استخدام علاقاتها الاستراتيجية مع الصين كورقة مساومة في أي مفاوضات مستقبلية محتملة مع الغرب من خلال الاستفادة من قدرتها على توسيع نطاق تواجد الصين في الخليج الفارسي.

وفي حين لم يتبقَ سوى ثلاثة أشهر على الانتخابات الرئاسية الأميركية في عام 2020، إلا أن التدقيق المفصل في الشراكة الاستراتيجية الجديدة بين إيران والصين يمكن أن يعرض إمكانية فوز الجمهوريين للخطر. وذلك لأن الشراكة الاستراتيجية بين الصين وإيران تثبت أن استراتيجية الضغط الأقصى لإدارة ترامب كانت فاشلة. فهي لم تفشل في كبح جماح إيران وتغيير سلوكها الإقليمي فحسب، بل دفعت طهران إلى أحضان بكين.

يضيف الأكاديميان أنه على المدى الطويل، فإن القرب الاستراتيجي لإيران من الصين يعني أن طهران تتبنى ما يسمى بسياسة "النظر إلى الشرق" من أجل تعزيز قوتها الإقليمية والعسكرية وتحدي وتقويض القوة الأمريكية في منطقة الخليج الفارسي.

وبالنسبة للصين، يمكن أن تساعد الاتفاقية في ضمان أمنها في الطاقة. فالخليج الفارسي يوفر أكثر من نصف احتياجات الصين من الطاقة. وبالتالي، فإن تأمين حرية الملاحة عبر الخليج الفارسي له أهمية كبيرة بالنسبة للصين. وقد أصبحت المملكة العربية السعودية، الحليف الوثيق للولايات المتحدة، أكبر مورد للنفط الخام إلى الصين، حيث سجلت الواردات الصينية من المملكة في مايو/أيار رقماً قياسياً جديداً بلغ 2.16 مليون برميل يومياً. وهذا الاعتماد يتعارض مع السياسة العامة للصين المتمثلة في تنويع مصادر الطاقة وعدم الاعتماد على مورد واحد. (إن موردي النفط العرب الآخرين في الصين في منطقة الخليج العربي تربطهم علاقات أمنية وثيقة مع الولايات المتحدة).

يشير الأكاديميان إلى أن الصين تخشى من أنه مع اشتداد الحرب التجارية بين البلدين، قد تمارس الولايات المتحدة ضغوطاً على تلك الدول لعدم تزويد بكين بالطاقة التي تحتاجها. فالشراكة الاستراتيجية الشاملة مع إيران تساعد الصين على ضمان أن طاقتها، عبر توفير مصدر آمن للطاقة بأسعار منخفضة.

ينوه الأكاديميان أنه من المحتمل أن تعيد العلاقات الصينية الإيرانية تشكيل المشهد السياسي في المنطقة لصالح إيران والصين، مما يزيد من تقويض النفوذ الأمريكي. والواقع أن الاتفاقية تسمح للصين بلعب دور أكبر في واحدة من أهم المناطق في العالم. لقد تغير المشهد الاستراتيجي منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003. وفي النظام الإقليمي الجديد، انتشرت الهوية الدينية والطائفية العابرة للحدود القومية وغيّرت جوهر ديناميكيات السلطة.

ووفقاً للأكاديميين فقد أتاحت هذه التغييرات، فضلاً عن انسحاب القوات الأمريكية والاضطرابات التي سادت خلال الربيع العربي، فرصة للقوى المتوسطة مثل إيران أن تملأ الفراغ وتعزيز نفوذها الإقليمية. وفي الوقت نفسه، منذ تولي شي جين بينغ السلطة في عام 2012، أعربت الحكومة الصينية عن رغبة أقوى في جعل الصين قوة عالمية وأن تلعب دوراً أكثر نشاطاً في مناطق أخرى. وقد تجلى هذا الطموح في تقديم مبادرة الحزام والطريق التي سلطت الضوء على الأهمية الاستراتيجية للشرق الأوسط.

يقول الأكاديميان أن الصين تدرك جيداً دور إيران وأهميتها كقوة إقليمية في الشرق الأوسط الجديد. وقد عززت التطورات الإقليمية في السنوات الأخيرة على تقوية نفوذ إيران. وعلى عكس الولايات المتحدة، تبنت الصين نهجاً غير سياسي موجه نحو التنمية في المنطقة، مستفيدة من القوة الإقليمية الإيرانية لتوسيع العلاقات الاقتصادية مع البلدان المجاورة وإرساء الأمن في المنطقة من خلال ما تسميه السلام التنموي - بدلاً من المفهوم الغربي للسلام الديمقراطي. وهو نهج تميل إليه الدول الاستبدادية في الشرق الأوسط.

يتابع الأكاديميان: وكان انسحاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق النووي مع إيران في عام 2018، وما تلاه من تطبيق سياسة الضغط الأقصى، هو آخر جهد تبذله الحكومة الأمريكية لوقف النفوذ الإيراني المتزايد في المنطقة. وعلى الرغم من أن هذه السياسة قد أضرت الاقتصاد الإيراني بشدة، إلا أنها لم تتمكن من تغيير سياسات البلاد وطموحاتها الإقليمية والعسكرية حتى الآن. وعلى هذا النحو، فإن التعاون الاستراتيجي الجديد بين الصين وإيران سيزيد من تقويض النفوذ الأمريكي، مما يمهد الطريق أمام الصين للقيام بدور أكثر نشاطاً في الشرق الأوسط.

يوضح الأكاديميان: أن الشراكة الاستراتيجية الصينية الإيرانية ستؤثر على المناطق المجاورة، بما في ذلك جنوب آسيا. ففي عام 2016، وقعت الهند وإيران اتفاقية للاستثمار في ميناء جابهار الاستراتيجي في إيران لبناء خط السكك الحديدية الذي يربط مدينة جابهار الساحلية الجنوبية الشرقية بمدينة زاهدان الشرقية وربط الهند بأفغانستان وآسيا الوسطى غير الساحلية. وتتهم إيران الهند الآن بتأخير استثماراتها تحت الضغط الامريكي وقامت إيران بإخراج الهند من المشروع.

يقول الأكاديميان بأن المسؤولين الإيرانيين يرفضون الربط بين إبعاد الهند من مشروع جابهار-زاهدان وبين الاتفاق الجديد مع الصين الذي دام 25 عاماً، يبدو أن علاقات الهند الوثيقة مع واشنطن أدت إلى هذا القرار. كما إن استبدال الهند بالصين في مثل هذا المشروع الاستراتيجي من شأنه أن يغير ميزان القوى في جنوب آسيا على حساب نيودلهي. ولدى الصين الآن فرصة لربط ميناء جابهار بمينا غوادار في باكستان، الذي تعد مركزاً حاسماً في مبادرة الحزام والطريق.

وبغض النظر عن رأي واشنطن، فإن العلاقة الصينية الإيرانية الجديدة سوف تقوض في نهاية المطاف مصالح الهند في المنطقة، وخاصة إذا ما دخلت باكستان في هذه الشراكة. فإن تنفيذ مقترح إيران بتوسيع الممر الاقتصادي القائم بين الصين وباكستان على طول المحاور الشمالية والغربية والجنوبية وربط ميناء غوادار في باكستان بجابهار ثم إلى أوروبا وآسيا الوسطى عبر إيران عن طريق شبكة السكك الحديدية أصبح الآن أكثر احتمالاً. وإذا ما مضت هذه الخطة قدماً، فإن الحلقة الذهبية المؤلفة من الصين وباكستان وإيران وروسيا وتركيا ستشكل محور المشروع "البري" لمشروع الحزام والطريق الذي يربط الصين بإيران، ثم بآسيا الوسطى وبحر قزوين والبحر الأبيض المتوسط عبر العراق وسوريا.

 يقول الأكاديميان بأنه في 16 تموز/يوليو، أعلن الرئيس الإيراني حسن روحاني أن ميناء جاسك سيصبح نقطة التحميل الرئيسية للنفط في البلاد. ومن خلال التركيز بشكل أكبر على تطوير مينائي جاسك وجابهار الاستراتيجيين، تحاول إيران تحويل تركيزها الجيوستراتيجي من الخليج الفارسي إلى خليج عمان. وهذا من شأنه أن يسمح لطهران بتجنب منطقة الخليج الفارسي المتوترة، ويقصر من مسافة الرحلة لناقلات النفط التي تشحن النفط الإيراني، كما يمكن طهران من إغلاق مضيق هرمز عند الحاجة.

  وبحسب المجلة، فإن الاتفاقية الثنائية ستتيح للصين الفرصة الاستثنائية للمشاركة في تطوير الميناء. وستتمكن الصين من إضافة جاسيك إلى شبكتها من المراكز الاستراتيجية في المنطقة. ووفقاً لهذه الخطة، فإن المجمعات الصناعية الاقليمية التي طورتها الشركات الصينية في بعض دول الخليج الفارسي سترتبط بالموانئ التي تتمتع فيها الصين بحضور قوى. ويمكن لهذه الشبكة المترابطة من المجمعات الصناعية والموانئ أن تزيد من تحدي مركز الهيمنة للولايات المتحدة في المنطقة المحيطة بمضيق هرمز الاستراتيجي.

 يتابع الأكاديميان: كما أن الشراكة الاستراتيجية بين إيران والصين ستؤثر أيضاً على التنافس بين الولايات المتحدة والصين كقوى عظمى. وفي حين لا تزال الصين الشريك التجاري الاكبر للولايات المتحدة ولا تزال هناك علاقات ثنائية واسعة بين القوتين العالميتين، وان اشتداد المنافسة بينهما في مختلف المجالات وصل إلى الحد الذي يقول العديد من المراقبين إنه أوصل العالم إلى حرب باردة جديدة. ونظراً للأهمية الجيوسياسية والاقتصادية للشرق الأوسط، فإن الاتفاق مع إيران تعطي الصين فرصة أخرى تمكنها من تحدي القوة الأمريكية.

يختتم الأكاديميان مقالتهما بالقول: " وفي الوقت نفسه، وبالإضافة إلى ضمان بقائها، ستستفيد طهران من العلاقات مع بكين لتعزيز موقعها الإقليمي. أخيراً وليس آخراً، بينما تستفيد الولايات المتحدة من التنافس والانقسام في المنطقة، فإن الشراكة الصينية الإيرانية قد تعيد في نهاية المطاف تشكيل المشهد الأمني في المنطقة من خلال تعزيز الاستقرار من خلال النهج الصيني للسلام التنموي".