السبت  05 كانون الأول 2020
LOGO

ذكريات محمد عساف ورحلة "السلام" الخليجية| بقلم: ناجح شاهين

2020-09-06 03:33:22 PM
ذكريات محمد عساف ورحلة
ناجح شاهين

 

ينحاز "الفنان" الفلسطيني "الكبير" أو "العظيم" أو ما شئتم من ألقاب، إلى مجده الشخصي وأولياء نعمته. لا يمكن لعساف أن يتخلى عن دبي وأبوظبي وبرج خليفة والنخيل والفنادق الساحرة الباذخة من أجل مجاملة مشاعر مخيمات غزة أو قرى الضفة. أصلاً عساف ما كان ليكون لولا كرم الخليج كله ومحطة ام بي سي على نحو خاص.

نتذكر وقائع "أراب آيدول" التي شارك فيها الفلسطينيون بحماسة لا نظير لها من أجل رفع الطفل عساف إلى مصاف النجوم لكي يسجل شعب فلسطين انتصاراً في حقل الغناء ما دام غير قادر على تسجيل الانتصارات في ميدان السياسة والحروب. غاب عن بال الناس غياباً تاماً أن ما يفعله معسكر النفط لا يمكن أن يكون خيراً لفلسطين أو العرب بأي حال من الأحوال. وهكذا تناغم جهد رجال السياسة والمال والأعمال وأصوات الجماهير الغفيرة من أجل تحقيق الحلم الرائع بفوز محمد عساف. إنه عالم الإمارات والسعودية الذي أصبح راعياً للإبداع والثقافة والفن بما يملكه من كنوز البترودولار التي لا تأكلها النيران. هكذا أصبح المبدع في المجالات كلها يغمض عيناً ويفتح الأخرى ليقنع نفسه بأنه يتنعم بخيرات النفط لأنه موهبة من الله وليس لأن الخليج يريد شراء الذمم وإفسادها وتوظيفها في معركة كبرى تقود إلى تحطيم الأمة وأحلامها وتنتهي ببناء تحالف مع الصهيونية العالمية، وأمريكا وإسرائيل.

 طلب أحمد جمال المرشح المصري في "أراب آيدول" من الجمهور العربي أن يصوت في صف الموسيقى الجميلة والأداء العذب، وليس في صف السياسة والدين والجنسية. كان الشاب المصري البالغ من العمر خمسة وعشرين سنة يعي مثل الجميع أن المرشح الفلسطيني قد خرج أو أخرج عن قواعد اللعبة بدخوله ساحة السياسية والتجارة بامتياز. حصل عساف على رقم خارق للمعقول مقداره 60 مليون صوت. ومن الواضح أن هذا شأن يتجاوز أراب آيدول النسخة المستنسخة من أمريكان آيدول، الحدث كان حدثاً فلسطينياً وربما عربياً عبر عن السياسة أولاً ثم مصالح رجال الأعمال ثانياً. 

من هذه البداية نستطيع أن نقول على الفور ودون الحاجة إلى محاججة أن المعركة كانت معركة سياسية، ولكن العدو فيها لم يكن إسرائيل. ولعل فحص حساب الربح والخسارة أن يوضح بجلاء أن إسرائيل خارج المعادلة. ولعل من المفيد هنا الاستئناس بواقعة أن عساف -رمز فلسطين في تلك اللحظة على حد تعبير امرأة صغيرة من قلنديا قالت لي إنها صوتت بما مجموعه 200 شيقل-، قد تلقى مكافأة من وكالة الغوث ومن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بتعيينه سفيراً للنوايا الحسنة. الوكالة كما يعرف القاصي والداني "لا تحب السياسية" ولا تتدخل فيها بل تعد من يتدخل في السياسة شخصاً لا أخلاقياً يستحق العقوبة التي قد تصل الطرد من العمل. وهذا بالطبع توجه أخلاقي انتقائي يمكن تطبيقه في أحوال وإغفاله في أحوال أخرى مثلما يعرف العرب جميعاً الذين يتمتعون بخيرة طويلة مع قرارات الأمم المتحدة ويعون جيداً كيف تطبق على العراق أو سوريا وكيف تطبق على إسرائيل أو جنوب أفريقيا العنصرية ناهيك عن زعيم العالم الحر الولايات المتحدة. فمن هو الخاسر سياسياً إن لم يكن إسرائيل؟ 

الإجابة الواضحة في ذلك الوقت هي حركة المقاومة الإسلامية حماس.  لقد كانت مناسبة استثنائية للسلطة الفلسطينية لتوحيد الضفة وغزة للمرة الأولى منذ سنين طويلة حول قضية أسطورية ألهبت خيال الناس واندفاعاتهم الجماهيرية الهائلة في الميادين العامة والطرقات في الوقت الذي لم يكن بوسع حماس لأسباب أيديولوجية معروفة إلا أن تنأى بنفسها عن الحدث الذي يصعب التوفيق بينه وبين الدين مهما حاولت أن تكون براغماتية. وقد كان ذلك مواتياً للطرف الثاني ليركب الموجة ويسجل انتصاراً من النوع الثقيل. والحقيقة أن الشاب الصغير محمد عساف لم يكن بعيداً عن المشاركة في إنتاج المحتوى الملائم لتسجيل نصر أيديولوجي وثقافي وسياسي لصالح السلطة الفلسطينية وما تتبناه من خطاب. فالخطاب الذي دار عساف في فلكه مشبع برموز السلطة من قبيل "الكوفية، والطلقة الأولى، ورام الله وجبال النار...الخ". وفي الأحوال كلها كانت الموسيقى والكلمات من النوع الشعبوي الذي ينطبق على التراث الفلسطيني مثلما تبنته وعدلته قليلاً منظمة التحرير وخصوصاً حركة فتح المهيمنة تاريخياً على تلك المنظمة. من هنا يمكن القول إن الخطاب إجمالاً كان خطاب السلطة من حيث الشعبوية والوطنية العمومية ونمط الأهازيج السهلة التي لا تقول شيئاً على الرغم من تظاهرها بقول الكثير، وهو بالطبع ما يلاحظ بسهولة في أغنية الكوفية التي مثل مطلعها المتصل بمقطع غنائي يمثل كل حرف من حروف كلمة فلسطين موقفاً سياسياً غامضاً ولكنه مع ذلك منحاز للسلطة. 

عمت السعادة بفوز عساف الشارع الفلسطيني "العلماني" كله بما في ذلك أنصار فصائل "اليسار" الفلسطيني. ولكن مهما تكن درجة سعادة الجمهور الفلسطيني أو السلطة الفلسطينية، فإن أحداً بالطبع لم يكن سعيداً مثل مؤسسة تلفزيون ام بي سي، أو منتج البرنامج الكسي ملوشي الذي تحول إلى بطل في صناعة الحدث لا مثيل له. يتوهم الكثير من الناس أن الجماهير هي التي تصنع البطل، ولكن هذا صحيح من حيث ملاءمة اللحظة لصناعة البطل، أما من يصنع الأسطورة (إذا كان اللاحق يفسر السابق على رأي ماركس) فهو وكالة الغوث الدولية والقيادات السياسية ثم وربما بدرجة أهم بنك فلسطين وشركة حضارة وعشرات المؤسسات المالية والرأسماليين الأفراد الذي صبوا على النار  البنزين والغاز ومشتقات النفط جميعاً حتى وصل التصويت إلى رقم اسطوري لا مثيل له. ربما أن فيروز قد شعرت بالحسد تجاه نجوم أراب ايدول فهي لا تستطيع منافستهم في بريقهم حتى لو شهد لها أدورنو ولو كاش من فلاسفة الجمال وشتراوس وبتهوفن من أفذاذ الموسيقي. ترى هل يفسر ذلك اضطرارها إلى ركوب موجة السياسة وهي في أرذل العمر واستقبالها لربيب آل روتشيلد التافه إيمانويل ماكرون؟

 لقد تم وضع الموسيقى والفن تحت تصرف رجال الأعمال والسياسة. كان أدورونو يظن أن الإفلات من العقل الميكايكي الغربي واستعادة العقل النقدي قد تكون ممكنة في الفن على جهة التحديد، وقد سبق لي أنا أيضاً أن كتبت بأن الفلسفة والفن معاً يمكن أن يحافظا على ما تبقى من العقل الناقد المنتج للحكمة التي تتجاوز جنون اللحظة المعلبة. كلا سيداتي وسادتي أنا كنت مخطئاً: لقد تمكن المال والسياسة من السيطرة على اللعبة بقيادة أساطين إعلام البترولادولار السعودي تمثلهم عبقرية م.ب.سي ومختصات الجمال ومختصيه لديها من قبيل منافسة أدورونو نانسي عجرم. 

افتخرت مجلة سيدتي السعودية المملوكة لأمير سعودي بأنها ذكرت مراراً أن اراب ايدول في ذلك العام (2013) سيكون من نصيب الفلسطيني محمد عساف، وهذا الرأي ليس له علاقة فيما يبدو بالنقد الجمالي ولا بعلم نفس الجماهير، لكن المجلة كانت متأكدة من نفسها لأسباب لم تفصح عنها.

اتصل الرئيس محمود عباس منذ وقت مبكر في مشوار أراب ايدول وأعرب عن دعمه الواضح لمحمد عساف وطلب من ممثليات فلسطين أن تحث على التصويت له، وأما منيب المصري فقال: تمنيت لو أن "أبوعمار" على قيد الحياة كان سيقول نحن شعب الجبارين.

وكما تعلمون، في الواقع الفلسطيني تم الاعتياد على مسرحة الحدث وإعطائه طابعاً استعراضياً ميلودرامياً، وقد عزز الإعلام الذي قادته الجزيرة وزميلاتها الخليجيات الاتجاه ذاته الذي ينحو نحو التصنيع غير المتقن الشعبوي والذي يتكل على ضحالة إدراك المتلقي أكثر مما يعتمد على براعة التصنيع. في سياق لحظتنا تلك سجد محمد عساف وقبل الأرض تماماً كما يفعل الزعماء عندما تحدث معجزة من الطراز الأول من قبيل شفائهم من السرطان كما حدث مع الراحل ملك الأردن الملك حسين الذي انحنى وقبل الأرض لعودته سالماً ثم توفي بعد ذلك بساعات. وطبعاً من نافل القول إن الفائزة في الدورة السابقة كارمن من مصر لم تقبل الأرض ولا من يحزنون، وسبقها أيضاً فائزة من الأردن في البرنامج ذاته أو برنامج شبيه لم تفعل ما فعل "الآيدول" الحالي. وهنا يجب أن نفكر في احتمال التصنيع الذي رافق الظاهرة، ولنلاحظ بدون عقلية مؤامرة أن منصب السفير كان جاهزاً لدى وكالة الغوث مثلما لدى رئيس السلطة. 

باختصار لقد شاركنا على نحو محموم في ترويج عالم الخليج "الجديد والشجاع". شاركنا قصداً أو سهواً، بذكاء أو بسذاجة في التمكين لإمارات تافهة من قبيل قطر وأبوظبي. ولم ينج منا أحد: الشعراء والروائيون والمعلمون والتلاميذ والمفكرون والمغنون والسينمائيون...الخ كلهم/ن حجوا إلى دبي وأبوظبي والدوحة والرياض من أجل الحصول على البطولات والجوائز والتمتع بما يرافقها من مال وجاه وترويج وانتشار.

الآن حان وقت الحصاد: هذا الإرث من الإبداع لا بد من أن يشارك في معركة السلام التي يقودها ثلاثة من فئة خير الأسماء: محمد بن زايد، محمد بن سلمان، ومحمد بن راشد. هؤلاء أيضاً يشرف عليهم رجل "مبارك" اسمه نتنياهو أو بالعربية عطية الله. 

بالطبع يصعب علينا أن نطلب من العباقرة الذين فازوا بجوائز الخليج أن يقفوا ويقولوا: إن جوائزكم كاذبة مثلكم، وإنما أخذناها لتكون ألف حصان من أجل اقتحام ما تبقى من ممانعة لدى طروادة الفلسطينية. لا بد لغالبيتهم من السكوت فالسكوت اليوم ثمنه الذهب دون أدنى شك.