الثلاثاء  22 أيلول 2020
LOGO

ملكة العشاق/ بقلم: الدكتور سامر العاصي

2020-09-12 08:25:58 AM
ملكة العشاق/ بقلم: الدكتور سامر العاصي
الدكتور سامر العاصي

ما إن بلغت الآنسة "صوفيا دورنبورج"، السادسة عشر من عمرها، في العام 1745، حتى أُعلِن خبر زفافها لابن الأميرة "أنًا"، (ابنة القيصر "بطرس الأكبر)، ولي عهد روسيا، الأمير "كارل بطرس" الذي اتسم بضعف الشخصية والبلاهة، (والده كان قائدا في الجيش الألماني).

ولما كانت إمبراطورة روسيا "اليزابيت"، عاقر، فقد اضطرت على مضض، أن تسمي ابن شقيقتها الأبله "كارل بطرس"، وليا للعهد. واختارت الخالة أن تزوج ولي العهد بفتاة ذكية، تكون سندا قويا للإمبراطور القادم. ووقع اختيار الإمبراطورة على الآنسة "صوفيا" (ابنة المارشال الألماني "فريدريك"، التابعة أراضيه للتاج الروسي). وسرعان ما أحب الشعب الروسي أميرته الجديدة، لذكائها وتواضعها، خصوصا بعد أن تخلت عن اسمها وكاثوليكيتها واعتنقت "الأرثودوكسية"، وأصبح اسمها "كاترينا" (يه-كاترينا بالروسية) بعد أن أجادت اللغة الروسية بسرعة، وإن كانت اللكنة الألمانية لم تفارق لسانها. وسرعان ما فهمت العروسة المسكينة أنها تزوجت بأمير أبله، لا حول له ولا قوة! وأن عليها أن تستعد ليوم غامض قادم. الغريب ذكره، أن ولي العهد كان قد صرح لعروسه بعد أيام من زواجهما الفاشل، أن لديه عشيقة في قصره (ممثلة مسرح مشهورة)!. وفهمت "كاترينا" أن عليها أن تحافظ على لقبها المستقبلي بإنشاء علاقات مع رجال الدولة والجيش بعد أن صارت العلاقة الزوجية بينها وبين الإمبراطور القادم في يد امرأة أخرى. وفي العام 1752 نسجت كاترينا أول علاقة جنسية لها (والله أعلم)، مع جنرال الجيش القوي "سلطي كوف"، ويقال بأن ولي عهد كاترينا، الأمير "بافل الأول" (خلف والدته عام 1796)، هو ابن الجنرال "سلطي كوف"!. وسرعان ما تم نفي الجنرال عام 1756 "سفيرا" إلى السويد ثم فرنسا. وفي نفس العام، أعجبت الأميرة "كاترينا" بالدبلوماسي الروسي "بانياتو فسكي"، الذي كان يعمل مستشارا في السفارة البريطانية. واستمرت العلاقة بين الاثنين حتى نهاية العام 1758، ويقال بأن الرجل ما هو إلا الأب الشرعي لابنة كاترينا البكر، الأميرة (أنًا) (والله أعلم).!

أما الحب الحقيقي، أو لنقل العلاقة الأطول عمرا التي احتفظت بها "كاترينا" منذ العام 1960 واستمرت أكثر من 12 عاما (مع استراحات متقطعة)، فكانت من نصيب الجنرال "ارلوف". وقيل بأن الرجل هو الأب الشرعي لابن كاترينا الثالث (الأمير الكسي) (والله أعلم).!. وسارت الشائعات أن "كاترينا" كادت أن تتزوج من الجنرال الذي أحبها حتى الموت. والحقيقة أن (مجموعة الجنرالات) أصدقاء الجنرال "ارلوف"، هم أصحاب الدور الحقيقي في الانقلاب العسكري، تموز 1762، الذي أطاح ببطرس الثالث بعد حكم استمر 6 أشهر فقط، وجعل من كاترينا أمبراطورة على روسيا وبولندا، ولُقِبت بعدها ب "كاترينا الثانية". وقيل بأن عشيقها الجنرال هو من قتل الأمبراطور المعزول بعد 8 أيام فقط. ومن الجدير ذكره أن "كاترينا" وبعد اعتلائها العرش، قامت بمكافأة العاشق رقم 2، الجنرال "بانياتو فسكي" بتعيينه ملكا على بولندا، أما الجنرال ارلوف الذي ظلت على علاقة طيبة معه، فقد كافأته بتعيينه في أعلى المناصب، كما أهدته قصرا على شاطئ نهر "نيفا" في العاصمة بطرسبرج. وفي العام 1972، قررت كاترينا إرسال جنرالها القوي للتباحث وإنهاء الحروب مع الإمبراطورية العثمانية. وما إن غادر الرجل العاصمة، حتى علم المسكين أن عشيقته وقعت في غرام الجنرال (سيميون فيتش) الذي كان يصغرها ب 17 عاما.  

وسرعان ما ملت ملكة العشاق من معشوقها الصغير، عندما التقت في ربيع 1774، بالجنرال (باميو تكين) القوي الشخصية، والذي كان سندا لها يوم الانقلاب العسكري. ثم وقع اختيارها بعد أقل من عامين على عشيق "أكثر هدوءا وراحة"، هو الجنرال (زافود سكي). وجن جنون العاشق (باميو تكين)، الذي قام بدس العقيد الشاب (زوريتش) الذي تمتعت شخصيته بالجمال والجاذبية، وسرعان ما ألقت الأمبراطورة عينيها عليه! واعتبرته صيدا جديدا رغم أنه كان يصغرها ب 14 عاما. (بالمناسبة، كان يتم تخصيص جناح خاص في القصر الإمبراطوري يسكن فيه العاشق كي يكون تحت الطلب الإمبراطوري الفوري). وبعد أقل من عام واحد ضاقت الإمبراطورة ذرعا من شح ثقافة وشخصية ساكن الجناح الصغير، لتجد أمامها عقيدا شابا أكثر وسامة وجمالا وثقافة ممن قبله، يصغرها ب 25 عاما!. يدعى العقيد "ريمسكي". وعلى الفور تم طرد العاشق الممل من جناح العشاق. وما إن اعتاد العاشق الجديد على العيش في القصر المريح، حتى صدر الأمر الإمبراطوري له بإخلاء "الجناح الرومانسي" للعاشق الجديد القادم، العقيد (لانسكوي) المتذوق للأدب والشعر والموسيقى والمرهف الإحساس، الذي كان يصغر إمبراطورته ب 29 عاما فقط. وما هي إلا بضعة أشهر حتى مات المسكين في ظروف وصفت بالغامضة. ولما كانت كاترينا صاحبة قلب كبير، فقد تتالت أسماء الكثيرين من الجنرالات والعقداء والسياسيين الذين "أحبتهم" الإمبراطورة، حتى أن حاجبها الشخصي، صرح بعد وفاتها، بأن سيدته كان لديها 20 عاشقا من كبار مارشالات وجنرالات الجيش الروسي. وتجزم مصادر أخرى أن عدد العشاق الرسميين كان 23، ويؤكد الكثيرون من دارسي التاريخ الروسي، أنه يمكن، وببساطة، وضع رقم -0- إلى يمين الرقم الأول. كما أن زوجها الأبله قال بعد أن أنجبت زوجته "في المرة الثانية":

  • لَا أَحَدَ يَعلَمُ كَيفَ حَمِلَت زَوجَتِي، سوى الله!.

 

وهكذا استطاعت كاترينا وبمساعدة الجنرالات الأكفاء من القضاء على الفتن والثورات الداخلية، وتوسعة أراضي روسيا بالطرق العسكرية أو الدبلوماسية. وتمكنت من سلخ أراضي القرم من السلطنة العثمانية وضمها لأراضي الإمبراطورية. ويقال بأنها ساندت ثورة "محمد علي الكبير"، ودعمت الحركات الثورية في البلقان ضد الحكم العثماني. واهتمت كاترينا بإصلاح الأراضي الزراعية، ونظمت إدارة الدولة ونشرت التعليم وأرسلت البعثات للدراسة في الخارج. وانتعش اقتصاد البلاد في ذاك العصر الذهبي الكاتريني، حتى صارت روسيا منذ ذاك الحين وحتى اليوم، تعرف بأنها "دولة عظمى".

في النهاية، ومع أن "كاترينا" كانت "ماشيه على حل شعرها!، كما يقول المثل المصري، إلا أن الكاتب والفيلسوف الفرنسي الشهير "الكسندر دوما"، كتب يقول:

  • فقط إليزابيث الإنجليزية وكاترينا الروسية، عرفتا كيف تكونان عشيقات وإمبراطورات في آن واحد!

يذكرني هذا بقصة عشق ثعلب ومخطط السياسة الأمريكية هنري كيسنجر، بالراقصة المصرية نجوى فؤاد، التي طلب الزواج منها قبل أن يمس يدها ورفضته!.

ترى لو أن نجوى رضيت بالزواج من كسينجر، هل كان من الممكن أن تستمر سياسة الخطوة خطوة، التي أدت إلى فك الارتباط… إلى معاهدة السلام… إلى معاهدة أوسلو… إلى صلح وادي عربة.... إلى التطبيع مع العالم العربي؟ أم أننا بحاجة إلى مليون نجوى و 100 مليون هيفا (وهبي)، حتى نصبح أمة من بين هذه الأمم؟ أم أننا أُمة، خلت من جنرالاتها الحقيقيين؟