الأربعاء  28 تشرين الأول 2020
LOGO

شرعية التمثيل ردا على التطبيع

2020-09-29 08:25:58 AM
شرعية التمثيل ردا على التطبيع
رولا سرحان

يستطيع المراقب للخطاب الإعلامي الفلسطيني ما بعد توقيع اتفاقي التطبيع بين الإمارات والبحرين وبين دولة الاحتلال الإسرائيلي، أن يلحظ التوجس لدى القيادة الفلسطينية، وتحديداً في الضفة الغربية، من مسألة سحب بساط التمثيل الوطني من تحت أقدامها، وذلك رغم التحفظ الكبير على فكرة "التمثيل" في ظل ما تشهده الساحة الفلسطينية من انقسام والمحاولات التي غالباً ما تبوء بالفشل لتوحيدها. ففي عبارات تبدو أحياناً "مصطنعةً"، وأحياناً أخرى تُعبَّرُ عن "ريبة"، تُعبِّرُ مصطلحات القيادة الفلسطينية الإعلامية، في أحيان ثالثة، أهم، عن قراءة تجربة صعبة من التاريخ الفلسطيني، ومن تاريخ العرب مع القضية الفلسطينية، والذي كان تاريخاً تتصدره الشعاراتية والاستغلال للقضية الفلسطينية للحفاظ على شرعية حكام دول عربية لم تعرف تجربة ديموقراطية حقيقية واحدة في التداول السلمي للسلطة.

وبينما يتم تصديرُ المشهد الإعلامي الفلسطيني بعبارات من قبيلِ "أن من يتحدث باسم الفلسطيني هو فقط الفلسطيني"، وأن "منظمة التحرير لم تفوض أحدا للحديث أو التفاوض باسم شعبنا الفلسطيني"؛ وأن "شعبنا الفلسطيني هو الذي سيرسم خارطته، ويختار قيادته التي تحافظ على حقوقه الوطني"، فإن هذه العبارات -التي لا خلافَ عليها بالمطلق- تستحقُ، لتُفهمَ، أن تُقرأ في سياق خطاب إعلامي موازٍ تطلقه وسائل إعلام إماراتية أو ناطقون إعلاميون باسم كل من الإمارات والبحرين والسعودية. فقد خصصت قناة "سكاي نيوز عربية"، المملوكة مناصفة باستثمار مشترك بين شركة أبو ظبي للاستثمار الإعلامي وبين مجموعة سكاي البريطانية، أجندتها الإعلامية على مدار أكثر من شهر لتمرير فكرة مركزية، أحياناً بشكل علني وأحياناً أخرى ما بين السطور، تقوم على أن القيادة الفلسطينية الحالية لا تُعبر ولا تتحدث باسم شعبها، وبأن هنالك حاجةً لمسار تصحيحي لطريقة التفاوض مع إسرائيل.

ويبدأ الترويج للفكرة بتصدير اتفاق السلام الإماراتي الإسرائيلي على أساس كونه إنجازاً تاريخياً لأنه أوقف ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية لإسرائيل، ولأنه قد شكل بالتالي إنقاذا لحل الدولتين. ويُراد لهذا الأمر تعزيز مكانة الإمارات كثقل قيادي في المنطقة على حساب دول أخرى مثل مصر، وكتورية أو استعارة أو مجاز للتغطية على دور وثقل دولٍ أخرى داعمة للاتفاق  بالخفاء ولا تتمكن من الكشف عن دعمها في العلن كالسعودية. وهو يعني أيضاً محاولة لتثبيت مبدأ تحقيق المكاسب عبر الإمارات، وأن لدى الدول العربية ثقة في سياسات الإمارات، وأنه لولا هذه الثقة لما انضمت دولٌ أخرى لهذا الاتفاق، لذلك كان حيوياً أن تلحق البحرين وعلى وجه السرعة بتوقيع اتفاق تطبيع ثان مع "إسرائيل"، وأن تظهر البحرين بدور "الذيل" المُلحق بالإمارات الكيان الحيوي المتحرك بحماسة وثقة المدرك لأفعاله الوازنِ لقراراته.

وينسجمُ هذا الأمرُ أيضاً مع محاولات وسائل الإعلام الإماراتية بتصوير القيادة الإماراتية وكأنها قيادة بارعة في تحصيل الحقوق الفلسطينية وهو أمرٌ فشلت القيادة الفلسطينية فيه. ففي مقابلة ٍ أجرتها قناة سكاي نيوز مع مدير مكتب صحيفة الرياض، وليد العمير، قال الأخير إن الاتفاقية الإماراتية الإسرائيلية ضمنت جزءاً من حقوق الفلسطينيين، وهو على "العكس من الاتفاقات الأخرى التي وقعها الفلسطينيون والتي لم تضمن لهم شيئاً، وأن الإمارات بإمكانها الحصول على مكاسب أكبر وهم بارعون في ذلك." بل يأخذ هذا الخطاب منحى تصاعدياً أكثر خطورةً في تهميش القيادة الفلسطينية عندما يتم الحديث عن أهم قضية من قضايا الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، ألا وهي قضية اللاجئين، إذ تجري القناة مقابلة مع "سعد راشد"، وهو كاتب صحفي بحريني، له مقال رأي أسبوعي في صحيفة "الوطن البحرينية" اليومية، ليقول إن "حق عودة اللاجئين الفلسطينين إلى فلسطين هو حق نطالب به دوما، فاليوم نحن على ثقة كاملة بأن دولة الإمارات ستقود هذه المفاوضات وستحقق هذه المكاسب، ونتمنى قدر الإمكان من أصحاب القرار الدولي أن تدعم الإمارات في خطوتها."

من جهة ثانية، وهي أيضاً جهة تشكلُ منحى تحدٍ خطيرً بالنسبة للقيادة الفلسطينية، فإنه يجري الترويج بأن الاتفاق يساعد الشعب الفلسطيني، وهذه المساعدة كما يقول الكاتب الصحفي السعودي جاسر الجاسر على سكاي نيوز أيضاً، يأتي بالدرجة الأولى للشعب الفلسطيني "لأن المؤسسات الفلسطينية سواء منظمات التحرير الفلسطينية وحماس والتكوينات الفلسطينية تعيش في حالة صراع دائم ولا تستطيع أن تقدم أي خطوة عملية."

وبالتالي فإنه يتم تصدير مأزق التمثيل الفلسطيني لنزع شرعية التمثيل عن الفلسطينيين، وهو ما تتممه وسائل إعلام إسرائيلية بمساعدة صحفيين وباحثين ومحللين سعوديين وخليجيين أيضاً، وللترويج لخطاب إعلامي جديد يقوم على أساس الفصل ما بين القيادة الفلسطينية وما بين شعبها، إذ يقول المحلل السياسي السعودي أمجد طه في مناظرة إعلامية عبر قناة i24 الإسرائيلية، إنه بالنسبة لهؤلاء ويقصد، عضو المجلس الثوري لحركة فتح أحمد غنيم بصفته الشخصية وبصفته الاعتبارية كممثل للقيادة الفلسطينية والذي كان مشاركاً في المناظرة، فيصفهم طه بأنهم: "مجرد صوت- إذاعة لا يؤثرون على الأرض، ومجرد تجار بالقضية وأصوات لن تؤثر على الشعب الفلسطيني، وأن الداخل الفلسطيني يطالب بإسقاط السلطة الفلسطينة." وأن السلطة الفلسطينية دائما ما كانت تبيع نفسها، بل ويشتمها في محاولات توحيد الصف الفلسطيني، بأن السلطة الفلسطينية لا يجب أن تشكل من قبل "حثالات وإرهابيين" قاصداً حركتي المقاومة حماس والجهاد الإسلامي. وعلى هذا، يضيف طه فإن القيادة الحالية التي يطالب الشعب بإسقاطها يجب أن تفسح المجال لقيادات أخرى في الشعب الفلسطيني، قادرة على حد قوله أن تحقق طموحات الفلسطينيين، ملوحاً باسم "دحلان" وهو عفريت- العلبة، الذي يتم إخراجه في وجه الرئيس عباس في كل مرة يتم فيها الحديث عن قيادات بديلة للقيادة الفلسطينية الحالية.

إن الكارثة لن تقف عند حد التطبيع العربي الرسمي مع إسرائيل، فالدول العربية بمواقف حكامها الرسمية ستلحقُ تباعاً بالإمارات، ليصبح من قبيل التندر الحديث عن دول عربية وجامعة عربية ومبادرة عربية وخليج عربي وإمارات عربية وتضامن عربي وكل ما يوصف بأنه عربي للأسف. لذلك، لم نعد كفلسيطينيين نخشى من تأثير التطبيع العربي الرسمي مع إسرائيل فهو قائم منذ العام 1979، وقائم منذ إنشاء الدول القطرية العربية قبل مئة عام وفق اتفاقية سايكس بيكو وسان ريمو وغيرهما. ومنذ ذلك الوقت، ورغم الكبوات الكثيرة في مسيرة نضالنا الوطني ورغم الخذلان العربي في كثير الأحيان، فإن نضالنا وإن تراجع لا يتوقف من أجل نيل حقوقنا المشروعة ولا من أجل أحقية تمثيلنا وأحقية دفاعنا عن شرعية تمثيلينا الوطني.

وكلما انحرف العرب الرسميون باتجاه التطبيع كلما زادت الحاجة إلى تقوية الموقف الفلسطيني بإعادة تجديد الشرعيات عبر انتخابات حرة ونزيهة، تعيد لم شمل الموقف الفلسطيني المنقسم على نفسه، وتجعله قادراً على الحديث بصوتٍ واحدٍ يمثله، وهو ما سيكون أبلغ رد على هرولة المطبعين تجاه كيان الاحتلال.