الخميس  03 كانون الأول 2020
LOGO

كيف يمكن لأمريكا أن تتجنب حرب استنزاف مع إيران؟

2020-10-02 03:55:24 PM
كيف يمكن لأمريكا أن تتجنب حرب استنزاف مع إيران؟

 

ترجمة الحدث - جهاد الدين البدوي

نشرت مجلة " ناشيونال إنترست" الأمريكية مقالاً للكاتبين إليورا كاتز محللة أبحاث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وإيال تسير كوهين زميل زائر في معهد بروكينجز في واشنطن العاصمة. وتحدثا في افتتاحية مقالتهما أن علما جديدا ظهر مؤخراً في الساحة العراقية؛ يظهر فيه شعار يظهر قبضة مرفوعة تمسك بندقية "AK-47" أمام الكرة الأرضية. وهذا شعار الجماعة المسلحة التي أعلنت عن وجودها حديثاً وهي "عصبة الثائرين"، والتي أعلنت مسؤوليتها عن الهجوم الصاروخي في 11 آذار/مارس والذي أسفر عن مقتل أمريكيين اثنين، وجندي بريطاني، وجرح 14 آخرين في معسكر التاجي، وهي قاعدة عسكرية شمال بغداد.

وقد ردت الولايات المتحدة بغارات جوية بعد يومين من الحادثة، مما أدى إلى إدانة المسؤولين العراقيين. وفي اليوم التالي، أسفر هجوم صاروخي آخر على معسكر التاجي عن إصابة خمسة من جنود التحالف واثنين من القوات العراقية.

يشير الكاتبان، إلى أن هذا يدل على انهيار الجهود الأمريكية لردع الهجمات التي تشنها الجماعات المسلحة الشيعية المدعومة من إيران. فيما يتلقى المسؤولون الأمريكيون معلومات استخباراتية يومية عن الاعتداءات المخطط لها ضد القواعد العسكرية في العراق، ويعتقدون أن الأمر مجرد مسألة وقت قبل أن يتم جرح أو قتل المزيد من القوات.

وقد شهد شهر مايو بالفعل هجومين صاروخيين منفصلين بالقرب من تواجد أفراد أمريكيين في العراق. وقد تلحق الغارات الجوية الأمريكية ضرراً كبيراً بالمهاجمين، لكن الولايات المتحدة أكثر حساسية بكثير تجاه خسائرها. وبالتالي، فإن الديناميكية الحالية تميل لصالح إيران وحلفائها. بينما يستعد البنتاغون لمزيد من العدوان ويضع مخططاً لحملة جديدة في العراق.

يضيف الكاتبان أنه ينبغي أن ينظر في دمج عناصر النهج الإسرائيلي في التعامل مع حلفاء إيران، المعروفة باسم "الحملة بين الحروب". من خلال الإجراءات الوقائية والمستمرة التي تؤدي إلى إضعاف وردع قدرات العدو، فالحملة بين الحروب تؤخر الحروب وتحسن موقف "إسرائيل" إذا اندلعت الحرب. وهو يعتمد على التدابير الحركية المتناسبة، والحرب المالية، والدبلوماسية الديناميكية. وهي أكثر استباقية مع احتواء خطر التصعيد.

ووفقاً للكاتبين فإن "الحملة بين الحروب" تسعى لمعالجة التطوّر العسكري الإيراني المتنامي في المنطقة ونشر أسلحة متطورة للجماعات المتحالفة المحيطة بالدولة اليهودية. وعلى وجه التحديد، أمضت إيران عقوداً في تطوير قاعدة لها على الحدود الشمالية لـفلسطين المحتلة. وقد دفع الإحباط الذي واجهته "إسرائيل" في حربها مع حزب الله عام 2006 إلى قيام الدولة "اليهودية" بإعادة النظر في نهجها في التعامل مع إيران. وبدلاً من الاستعداد للحرب المقبلة، سيتعين على "إسرائيل" أن تمنع إيران من بناء القدرات اللازمة لشن الحرب المقبلة.

يتابع الكاتبان: ومع انزلاق سوريا إلى الحرب الأهلية، أصبح من الواضح أن الحرس الثوري الإسلامي الإيراني لا يدعم نظام بشار الأسد فحسب، بل يستعد لتحويل سوريا إلى قاعدة ثانية للعدوان على "إسرائيل"، تماماً كما أصبح لبنان قاعدة حزب الله.

يقول الكاتبان إنه خلال الحرب في سوريا، وخاصة منذ عام 2017، شنت "إسرائيل" مئات الغارات الجوية، ووسعت مؤخراً حملتها إلى العراق ولبنان. وفي عام 2018 وحده، ألقت القوات الجوية ألفي قنبلة على الأراضي السورية. وقد أدى هذا التطبيق لـ "الحملة بين الحروب" إلى إحباط الهجمات على إسرائيل، وإبطاء حشد القوات الإيرانية، وتقليص قدرات حزب الله الصاروخية الدقيقة، مع تجنب صراع أوسع، أو رد فعل دبلوماسي عنيف، أو خسائر إسرائيلية كبيرة. ومع ذلك، فإن الحملة لم تنتهِ بعد. وتتطلب "الحملة بين الحروب" الاتساق في مواجهة العدو الذي يقاتل منذ عقود.

يوضح الكاتبان بأن مفتاح نجاح هذه الاستراتيجية هو استهداف "إسرائيل" الدقيق للبنية التحتية - وليس الأشخاص - من أجل تقليل خطر التصعيد إلى أدنى حد. ويقوم الجيش الإسرائيلي بجمع معلومات استخباراتية لاستهداف البنية التحتية "للعدو" عندما تكون فارغة، أو تسقط صواريخ وهمية تحذر المسلحين بإخلاء المباني أو السيارات، وهو تكتيك يعرف باسم "الطرق على الأسطح". وبحسب ما ورد فقد تلقى عناصر حزب الله في سوريا مكالمات هاتفية من مسؤولين إسرائيليين يحثونهم على إخلاء القواعد قبل قصفها. وعلى الرغم من وقوع أضرار جانبية، يبدو أن عدد الإصابات في كل غارة منخفض. ولا تتوفر بيانات دقيقة، ولكن خلال دراسة استقصائية للتقارير مفتوحة المصدر أحصت 452 حالة وفاة على مدى ثمانية أعوام ماضية. واعترف المدير العام لوزارة جيش الاحتلال الإسرائيلي بشن مائة غارة من عام 2012 حتى عام 2017، ويبدو أن الوتيرة قد تسارعت، لذلك يبدو أن هناك حالة وفاة أو حالتين لكل غارة.

ينصح الكاتبان أنه بدلاً من الانجرار إلى مناوشات متبادلة على الأراضي العراقية، ينبغي على الولايات المتحدة أن تضع تصورا وتنفذ حملة منهجية واستباقية مستقلة عن الهجمات التي تشنها إيران وحلفائها. ومن شأن مثل هذه الحملة، مثل "الحملة بين الحروب" أن تركز على إضعاف البنية التحتية الحيوية للخصم مع تقليل الخسائر غير الضرورية التي من شأنها أن تؤدي إلى انتقام لا مفر منه.

الاستراتيجية الإيرانية في العراق

إن كتاب اللعب الجيوسياسي للجمهورية الإسلامية مبني على مفارقة. فمن ناحية، تزرع طهران الجماعات شبه العسكرية الأجنبية التي تبني دولاً داخل الدول من خلال اختراق حكوماتها الوطنية. وحزب الله مثال على ذلك: الحكومة اللبنانية الحالية هي امتداد للجماعة وحلفائها. ويسير العراق في اتجاه مماثل لأن الجماعات المسلحة التي تتلقى أوامر من طهران أصبحت من بين أقوى اللاعبين في الحياة السياسية والعامة في البلاد. فقد أصبحت هذه الجماعات شبه العسكرية جزءاً رسمياً من قوات الأمن العراقية، وشكلت أذرعها السياسية تحالفاً يحتل المركز الثاني في الانتخابات البرلمانية لعام 2018. ومع ذلك، ومع إضفاء الطابع المؤسسي على الجماعات المسلحة، فإنها تكتسب بنية أكثر استقراراً ووضوحاً وأصبحت أكثر عرضة للانتقام. وبالتالي، ومن أجل حماية حلفائها من انتقام الولايات المتحدة وغيرها، تسعى إيران في كثير من الأحيان إلى منحهم إمكانية معقولة لإنكار مسؤوليتهم عن الهجمات، من خلال إعادة تسمية فروع الجماعات القائمة ككيانات متميزة، والتي غالباً ما توصف بأنها جماعات مسلحة "صاعدة وقائمة" أو "مارقة".

كان اللواء قاسم سليماني، مسؤول فرع العمليات الخارجية للحرس الثوري الإيراني المعروف باسم فيلق القدس، هو مهندس جهود إيران لزرع الجماعات المسلحة في جميع أنحاء الشرق الأوسط. ومنذ اغتيال سليماني، ظهر عدد كبير من الكيانات الجديدة المزعومة في العراق، بما في ذلك "سرايا الثورة العشرين"، و "عصبة الثائرين"، حيث أعلنت الأخيرة مسؤوليتها عن هجوم 11 مارس/آذار على معسكر التاجي الذي أسفر عن مقتل أمريكيين وبريطاني.

يشير الكاتبان إلى أن هذه الجماعات تقدم نفسها على أنها تشكيلات شعبية جديدة تسعى للانتقام من الهجوم الأمريكي الذي أودى بحياة سليماني والقائد الأعلى للحشد الشعبي في العراق أبو مهدي المهندس، ومع ذلك فقد أدرك المسؤولون الأمريكيون أن هذه الجماعات هي في الواقع جبهات للجماعات المسلحة القائمة مثل كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق – وهي أساساً من حلفاء لإيران.

ينوه الكاتبان إلى أنه لا يحتاج المرء إلى النظر أبعد من شعارات الجماعات الجديدة، ليلاحظ أنها جميعها تستعير شارة الحرس الثوري من قبضة ممدودة تمسك بندقية من طراز "AK-47" أمام الكرة الأرضية. ومن المفارقات، في عصر أصبح فيه الدليل القاطع هو المعيار لإثبات مسؤولية الدولة، تدرك هذه الجماعات أن بإمكانها الحفاظ على إمكانية الإنكار المعقولة بينما لا تزال تتباهى برموز أو شعارات راعيها.

يرى الكاتبان أن انتشار الجماعات المسلحة الحليفة هو تلبية لأوامر سليماني المباشرة. ففي أكتوبر الماضي، كلف الجنرال الراحل كتائب حزب الله بتجميع مجموعة من الجماعات المسلحة غير البارزة لضرب القوات الأمريكية في العراق، مشيراً إلى أن هذه الوحدة "سيكون من الصعب اكتشافها من قبل الأمريكيين".

ورداً على هذا التهديد المتزايد، اتخذت الولايات المتحدة إجراءات لحماية القوات مثل توحيد القوات في قواعد أقل ونشر أنظمة دفاع صاروخية محسنة. كما تزيد إدارة ترامب من ضغوطها على الحكومة العراقية لكبح جماح الجماعات المسلحة مع تشديد العقوبات على الجهات الفاعلة التي تدعم إيران.

ومع ذلك، فإن هذه التدابير لا تخلو من القيود. وفي حين أن التدابير الدفاعية تقلل من فعالية الهجمات الإيرانية، إلا أنها لا يمكن أن تذهب إلا إلى أبعد هذا الحد، ويسمح الوجود الأمريكي المتضائل للجماعات المسلحة بالتجول بحرية أكبر. ففي الشهر الماضي فقط، استولى أعضاء من حلفاء إيران على منطقتين بالقرب من مكتب رئيس الوزراء والسفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء في بغداد. وقد توترت العلاقات بين واشنطن وبغداد بالفعل، وقد أثبت العراق عجزه في قمع هؤلاء المسلحين.

يرى الكاتبان بأن العقوبات الاقتصادية التي فرضتها إدارة ترامب نجحت بشكل ملحوظ في ضرب الاقتصاد الإيراني وتقييد بعض التدفق النقدي إلى إمبراطوريتها من الحلفاء، ومع ذلك، لا تزال طهران قادرة على تشغيل شبكاتها، كما تتلقى الجماعات المسلحة في قوات الحشد الشعبي تمويلاً من الدولة العراقية أيضاً. 

كيف يمكن للولايات المتحدة أن تتكيف؟

يقول الكاتبان إن الولايات المتحدة يمكنها التعامل مع تهديد الجماعات المسلحة في العراق بشكل أكثر فاعلية من خلال مواصلة حملة مستنيرة بتكتيك "الحملة بين الحروب". إن السعي وراء البنية التحتية والأصول العسكرية، على عكس الأفراد العسكريين، يقلل من التداعيات السياسية، ويقلل من احتمال الانتقام، ويلحق خسائر مالية أكبر بالجمهورية الإسلامية. ومع مرور الوقت، يبعث برسالة مدمرة إلى طهران مفادها أن استثماراتها في مراكز القيادة والسيطرة وحملات التدريب والأسلحة والقواعد سوف تضيع. ومن شأن شن حملة مستمرة أن يعيق قدرة طهران على الرد نظراً لأن الولايات المتحدة ستحطّ بشكل منهجي من قدرات "العدو"، والأهم من ذلك، إعادة تأسيس الردع. كما ستدفع إيران ثمناً سياسياً محلياً لأن الإيرانيين سيزدادون غضباً لأن حكومتهم تضخ أموالها في مشاريع لا طائل منها، لأن شعبها يعاني اقتصادياً في الداخل. وفي الواقع، في العام الماضي، وفي الاضطرابات السياسية الأكثر دموية منذ الثورة الإسلامية، هتف العديد من المتظاهرين: "لا غزة، ولا لبنان، روحي فداء إيران فقط".

يشير الكاتبان إلى أن التباهي بضعف حلفاء إيران هو أيضاً شكل من أشكال الحرب النفسية. كما أن استهداف البنية التحتية الواضحة يحرم الجماعات المسلحة من إظهار قوتها، مما يشوه صورتها العامة بين السكان المحليين. كما أن ضرب مكتب الجماعة المسلحة ونشر صورة للموقع بعد الضربة على نطاق واسع عبر وسائل التواصل التقليدية والاجتماعية هو وسيلة فعالة لإذلال القوات المتحالفة مع إيران، وخفض الروح المعنوية، وعرض حجم الضرر الذي يمكن أن تلحقه الولايات المتحدة. ومن المرجح أن يواجه هذا الأمر مقاومة ضئيلة من جانب المواطنين العراقيين الذين أحرقوا بأنفسهم مقار الجماعات المسلحة المدعومة من إيران خلال العامين الماضيين.

يتابع الكاتبان: وبما أن البنى التحتية للجماعات المسلحة المدعومة من إيران يقصد بها أن تكون سرية، فإن سحب أنشطتها من الظل يعد ضررًا في حد ذاته. كما أن الكشف عن الأنشطة العسكرية السرية التي تنتهك القانون العراقي يعزز شرعية مثل هذه العمليات بالنسبة لـ "إسرائيل" في لبنان.

وفي الوقت نفسه، تحتفظ "إسرائيل" بقدر من الإنكار لدورها في هذه الغارات الجوية. وبالمثل، لا ينبغي للولايات المتحدة أن تتسرع في إعلان مسؤوليتها عن الضرر الذي لحق بالأصول المرتبطة بإيران خارج العراق. فالضربات المجهولة تحبط الخصم في حين يقلل من التكلفة السياسية حيث لا يوجد أدلة دامغة. وتستعمل إيران هذا التكتيك بانتظام - فالهجمات التي شنت العام الماضي على منشآت النفط السعودية والناقلات في الخليج الفارسي هي من بين أكثر الحالات جرأة.

يضيف الكاتبان بأن هناك درسا آخر من تكتيك "الحملة بين الحروب" وهو توسيع الغارات السرية في أراضي الخصم. لقد استهدفت "إسرائيل" فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني وأتباعه في جميع أنحاء الشرق الأوسط. فعلى سبيل المثال، عندما كانت "إسرائيل" في مأزق مع حركة الجهاد الإسلامي وحركة حماس، أدرك الجيش الإسرائيلي أن استهداف هذه الجماعات المدعومة من إيران في غزة سيتحول إلى مواجهة لا داعي لها. بحثت "إسرائيل" عن حركتي الجهاد الإسلامي وحماس خارج غزة؛ فقد استهدف الجيش الإسرائيلي نائب الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، أكرم العجوري في مكان إقامته في دمشق، وضربت شحنات الصواريخ المتوجهة إلى حماس في السودان.

وبالمثل، لردع إيران وحلفائها في العراق، ينبغي على الولايات المتحدة أن تسعى إلى ذلك في ساحات إضافية - وهو نهج له ميزة إضافية تتمثل في تجنب الاحتكاك بين بغداد وواشنطن. بينما يقع مقرها الرئيس في العراق، تنشط العديد من الجماعات المدعومة من إيران مثل كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق في لبنان وسوريا وحتى في اليمن. وقد يتطلب هذا النوع من الاستراتيجية الاستباقية الحصول على إذن جديد باستخدام القوة العسكرية من الكونغرس. وفي الوقت الحاضر، لا يمكن للجيش الأمريكي أن يستهدف الجماعات شبه العسكرية الموالية لإيران إلا رداً على الهجمات على الأهداف أو عندما يكون هناك تهديد مباشر. لقد وصل الكونغرس إلى طريق مسدود لسنوات فيما يتعلق بـ "الإذن باستخدام القوة العسكرية ضد الإرهابيين"، ولكن على البيت الأبيض أن يتعامل مع التحدي من منظور كيفية التغلب على التحديات السياسية الداخلية حتى تتمكن القوات الأمريكية من تبني أفضل استراتيجية.

يضيف الكاتبان بأن تكتيك "الحملة بين الحروب" يؤكد على استهداف البنية التحتية بدلاً من استهداف قوات العدو، سيكون من الضروري في بعض الأحيان استهداف أفراد الجماعات المسلحة أو أفراد الحرس الثوري في العراق وخارجه. وهكذا، كان القتل المتعمد للواء سليماني منطقياً بسبب دوره الفريد ككبير الاستراتيجيين العسكريين للتوسع الإيراني. وعند استهداف أفراد الجماعات المسلحة، ينبغي على الولايات المتحدة أيضاً استخدام تحليل الشبكة لتحديد الشخصيات الرئيسة التي سيكون اغتيالها إلى تعطيل أنظمة الجماعات المسلحة بغض النظر عن رتبتها.

مثل هذه الشخصيات ليست بالضرورة أن تكون رأس الجماعات، ولكنها نقاط حاسمة في سلسلة الإمداد بعمليات الجماعات المسلحة. وهذا سيقلل من رد فعل عنيف وتعظيم فعالية ضربة. على سبيل المثال، في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، تعرف الجيش الإسرائيلي على بهاء أبو العطا، وهو قائد إقليمي في الجهاد الإسلامي في فلسطين، وتم اغتياله، كونه كان يلعب دوراً محورياً في تنسيق الهجمات الوشيكة بناء على طلب إيران.

يقول الكاتبان: ينبغي أن يكون الهدف النهائي للولايات المتحدة هو جعل الأنشطة العدوانية مكلفة للغاية بالنسبة لطهران. إن تدمير البنية التحتية يرفع التكاليف، ولكن "الحملة بين الحروب" تسعى أيضا لتتبع القنوات المالية مباشرة. وتحقيقاً لتلك الغاية، ينبغي على واشنطن أن تستهدف تدفق رؤوس الأموال إلى ما هو أبعد من العقوبات والمعاملات الإلكترونية. وإلى جانب الحوالات غير الورقية، وهي نظام تحويل غير ورقي يعتمد على صرافين موثوقين، فإيران تمول الجماعات المسلحة من خلال تحويل النقد براً وجواً. ويستمر هذا التمويل حتى في الوقت الذي طلبت فيه الجمهورية الإسلامية قرضاً طارئاً بقيمة خمسة مليارات دولار من صندوق النقد الدولي لمكافحة أسوأ تفشي لفيروس جائحة كورونا في الشرق الأوسط.

ينوه الكاتبان بأن "إسرائيل" تتتبع المسارات المالية من إيران إلى حركة الجهاد الإسلامي وحماس وحزب الله، وتقوم باستهداف الأشخاص الذين ينقلون الأموال، ولا سيما من ينقلون ويهربون حقائبهم من مصر إلى غزة. وفي حين تتطلب مثل هذه المعاملات نوعاً مختلفاً من جمع المعلومات الاستخباراتية والعمل الميداني، إذا كانت الولايات المتحدة تريد تجفيف أذرع الجماعات المسلحة، فينبغي على مجمع الاستخبارات أن يركز على هذه الشبكات.

وأخيرا، في حين أن استمرار الضغط العسكري والمالي أمر بالغ الأهمية، فإن هذه الحملة ستكون ناقصة بدون بذل جهود لبناء الدعم الدولي. ويجب على الولايات المتحدة أن تواصل التأكيد على أن إيران وحلفاءها سيحاسبون على الضرر الذي يلحقونه بالولايات المتحدة وحلفائها في العراق والخليج الفارسي وغزة وأماكن أخرى. ويتعين على واشنطن التأكيد على أن الهجمات الصاروخية هي جزء من حملة منظمة أمرت بها طهران، وليست ثورة شعبية مفترضة.

يقول الكاتبان بأن الدبلوماسية ستمنح الولايات المتحدة الأكسجين السياسي والشرعية التي تحتاجها لفضح حقيقة النظام الإيراني. كما أن حظر ألمانيا مؤخراً حزب الله كمنظمة إرهابية هي علامة فارقة وهامة. في السابق، ميزت برلين بين الجناحين السياسي والعسكري للجماعة، وهو تمييز خيالي حتى وفقاً لـحزب الله نفسه. فمن خلال تبادل المعلومات الاستخباراتية الاستراتيجية، وحملة الرسائل الواسعة، والتعاون بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" وألمانيا، انتهى تنكر حزب الله ككيان سياسي غير عنيف.

الخاتمة

تتطلب "الحملة بين الحروب" مواجهة مستمرة مع إيران وحلفائها في الوقت الذي يريد في الناخب الأمريكي والعديد من المسؤولين المنتخبين التركيز على "أنها الحروب التي لا نهاية لها". وفي حين أن السلام الحقيقي هو دائماً أفضل بكثير من الحرب، ولكن الحرب لا تنتهي بتظاهر أحد الأطراف بأن الحرب انتهت بينما يواصل الطرف الأخر القتال. واكتشفت الولايات المتحدة ذلك في أفغانستان، وتعلمت دراساً مماثلاً بعد أن سهل انسحابها المستعجل من العراق في عام 2011 من صعود الدولة الإسلامية.

يرى الكاتبان بأن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تريد جر الولايات المتحدة إلى حرب استنزاف، تتمتع فيها طهران بميزة حاسمة لأن الولايات المتحدة لا تستطيع أو لن تتجاوز موقفها السلبي ورد الفعل.   وبينما لا يوجد حل بسيط لاحتواء النفوذ الإيراني في العراق، فإن مواجهة إيران تتطلب حملة تأخذ زمام المبادرة بعيدًا عن طهران وتزيد باستمرار تكلفة أعمالها المزعزعة للاستقرار.

ومع ذلك، إذا استفادت الولايات المتحدة من تجربة "إسرائيل" من تكتيك "الحملة بين الحروب"، فإن هذه الحملة قد تكون عملية جراحية لا تتطلب بالضرورة التزاماً أكبر من القوات البرية. بل إنها ستشتبك مع العدو عن بعد بشكل رئيس من خلال الغارات الجوية والطائرات بدون طيار والأسلحة الدقيقة. وهذا يتطلب زيادة حدة رد الفعل الأمريكي وتخصيص المزيد من الموارد لمعالجة المعلومات الاستخباراتية القابلة للتنفيذ – مع تقليل عدد الجنود على الأرض. وستتوقف مدة هذه الحملة على المدة التي تستغرقها إيران لكي تصلها الرسالة وتزيل مستوى التصعيد.

ويخلص الكاتبان إلى أن النهج الأمريكي الحالي لردع الهجمات من قبل حلفاء إيران لا يعمل. وإذا لم يتغير شيء، فمن المرجح أن تصمد إيران وجماعاتها المسلحة أمام حملة الضغط القصوى التي تمارسها الولايات المتحدة، وستوطد وجودها الإقليمي. ومع ذلك، إذا زادت واشنطن بحكمة من التدابير الحركية النسبية، وعززت الضغط الاقتصادي، ووظفت حملة سياسية قوية، فقد تتمكن، في الوقت المناسب، من تقويض التوسع الزاحف للجمهورية الإسلامية.