الثلاثاء  19 كانون الثاني 2021
LOGO

القدرة على الفعل: ميزة أمريكا وفرصة بايدن

2020-11-22 10:53:46 AM
القدرة على الفعل: ميزة أمريكا وفرصة بايدن
تعبيرية

ترجمة الحدث - جهاد الدين البدوي

نشرت مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية مقالاً لسفيرة الولايات المتحدة السابقة في الأمم المتحدة والأكاديمية في كلية هارفارد كينيدي وكلية الحقوق بجامعة هارفارد، سامانثا باور، ترجمته الحدث وجاء فيه:

منذ أن وصفت وزيرة الخارجية الأميركية مادلين أولبرايت الولايات المتحدة بأنها "لا غنى عنها" قبل أكثر من عقدين من الزمن، ناقش الأميركيون والجمهور في الخارج هذا الاقتراح بقوة. واليوم، مع اقتراب انتهاء ولاية الرئيس دونالد ترامب، يزداد استخدام المراقبين الأجانب للولايات المتحدة لكلمة مختلفة وهي: "غير كفء".

وهذا بدوره قد شوه بشكل واضح التصورات عن الولايات المتحدة: فوفقاً لاستطلاعات الرأي التي أجراها مركز بيو للأبحاث مؤخراً في 13 دولة من الاقتصادات الكبرى، فقد وافق 84% من المشاركين على أن الولايات المتحدة قامت بعمل سيء في التعامل مع "COVID-19" وهو التقييم الأكثر إدانة الذي تلقاه أي بلد أو مؤسسة كبرى.

ومع ذلك، فإن سوء التعامل مع الوباء هو الأحدث في سلسلة من الثغرات في الكفاءة الأساسية التي شككت في قدرات الولايات المتحدة بين الحلفاء والبلدان التي قد تسعى واشنطن إلى شراكتها في السنوات المقبلة. وقد كانت العلامة التجارية الأمريكية ذات يوم مرادفة لإبداعات ستيف جوبز التي غيرت العالم، ومرادفة إلى مآثر القوة والإبداع الأخرى كجسر برلين الجوي والهبوط على سطح القمر، ومرادفة أيضا للقيمة التي يمثلها تمثال الحرية، ولكن اليوم كل هذه المشاريع دخلت مرحلة الفوضى والاستقطاب والخلل الوظيفي.

وعلى ضوء كل الانتقادات الموجهة للسياسة الخارجية الأمريكية في العصور الماضية، احتفظ القادة والزعماء الأجانب إلى حد كبير باحترام رغبة الولايات المتحدة للقيام بالمساعي الصعبة وقدرتها على إنجاز مهام صعبة - وهو حجر الزاوية الهام للقوة الأمريكية الذي لم يحظَ بالتقدير الكافي. واليوم، فإن حقيقة أن عدداً أقل من الناس الذين يعتبرون الولايات المتحدة قادرة على حل المشاكل الكبيرة ينبغي أن يكون مصدر قلق كبير لأولئك الذين يعتقدون أن القيادة الأميركية يجب أن تلعب دوراً مركزياً في التصدي لتغير المناخ والعديد من المشاكل العالمية المشتركة التي تتطلب حلولها الخبرة وبناء التحالفات الفعالة على حد سواء.

 والأكثر من ذلك، على عكس ما حدث في الماضي القريب، تتمتع الولايات المتحدة اليوم بقدرة كبيرة على المنافسة القوية على الساحة العالمية، ومن الشائع على نحو متزايد أن نسمع الناس يجرون مقاربة بين الحزبية المنهكة والجمود في واشنطن مع الكفاءة القاسية لحكم بكين الاستبدادي. ولكن حتى مع تعثر الولايات المتحدة بطرق واضحة ومكلفة للغاية، فإن الصين تتخبط في عباءة القيادة العالمية أيضاً – مع تسترها القاتل على الوباء، ودبلوماسيتها المتنمرة، وعدوانيتها خارج الحدود الإقليمية، ونهجها المثير للجدل في التنمية، وأهوالها المستمرة في مجال حقوق الإنسان، بما في ذلك الاعتقال الجماعي لسكانها المسلمين الأويغور. وهذا الواقع يخلق فرصة للرئيس المنتخب جو بايدن وإدارته.

يثق بعض الأميركيين بأنه بعد أربع سنوات من حكم ترامب، سيكون الارتياح في العواصم الأجنبية هائلاً لدرجة أن القيادة الأمريكية في القضايا الرئيسة ستلقى ترحيباً بسهولة. وقال بايدن إن أول خطوة له في السياسة الخارجية ستكون التواصل مع القادة الأجانب والقول: "عودة أميركا: يمكنك الاعتماد علينا"، وقد وضع بايدن خططاً لعكس الانسحابات الأمريكية من الهيئات الدولية، وإلغاء السياسات الضارة، وإنهاء "الحروب إلى الأبد"، واستعادة التحالفات. كما تعهد بإعطاء الأولوية لمكافحة تغير المناخ - خارج نطاق التصدي للوباء وتداعياته، وهي المشكلة الأكثر إلحاحاً لكل دولة في العالم.

إن هذه التحركات سوف تحظى بعناوين رئيسة، ولكن على الرغم من أنها ضرورية بالطبع، إلا أنها لن تكون كافية. وسيتعين على الرئيس الجديد أن يتعامل مع الرأي السائد بأن الولايات المتحدة - التي تضم أكثر من 40% من جميع الفائزين بجائزة نوبل في السلام والأدب والاقتصاد والكيمياء والطب والفيزياء - لا تملك الكفاءة التي يمكن الوثوق بها في المجالات الرئيسة. وبالتالي، فإن استعادة القيادة الأميركية لابد وأن تشمل المهمة أساسية الأكثر والمتمثلة في إظهار أن الولايات المتحدة قادرة على حل المشاكل مرة أخرى.

إن الإدارة الجديدة سوف تعطي بحق الأولوية لحل المشاكل في الداخل - إنهاء الوباء، وبدء انتعاش اقتصادي عادل، وإصلاح المؤسسات الديمقراطية المتوترة. وقال بايدن إنه يعتزم إخراج البلاد من الأزمة الحالية من خلال "إعادة البناء بشكل أفضل" بطريقة تواجه عدم المساواة الاقتصادية والعنصرية المنهجية وتغير المناخ. ومع ذلك فإن التغييرات الهيكلية الرئيسة سوف تستغرق بعض الوقت. لذلك ينبغي على إدارة بايدن أيضاً أن تسعى إلى اتخاذ مبادرات في مجال السياسة الخارجية يمكنها أن تسلط الضوء بسرعة على عودة الخبرات والكفاءة الأميركية. وهنا، ينبغي على بايدن أن يؤكد على السياسات التي توفر فوائد واضحة ومتزامنة في الداخل؛ تلبية الحاجات الحرجة والتي شعرت بها في الخارج؛ وهي أيضاً مرئية للغاية؛ وهي العنصر المفقود في العديد من مساعي السياسة الخارجية الأمريكية في الآونة الأخيرة - ينتج عنه نتائج ملموسة. وهذا يعني تقليل التركيز الخطابي على القضية المجردة المتمثلة في "النظام الدولي الليبرالي" والمزيد من المظاهرات العملية لقدرة الولايات المتحدة المميزة على تنفيذ القضايا التي تهم الآن حياة مئات الملايين من الناس.

هناك ثلاثة مجالات مهيأة لمثل هذه القيادة وهي: قيادة التوزيع العالمي للقاح "COVID-19"، وزيادة الفرص التعليمية في الولايات المتحدة للطلاب الأجانب، وشن حملة رفيعة المستوى ضد الفساد في الداخل والخارج. من خلال اللعب على نقاط القوة الأمريكية والاستفادة من الانفتاح الذي أحدثه التوسع الصيني المفرط، سيكون لمثل هذه المبادرات تأثير ملموس على الثقة في كفاءة الولايات المتحدة – وهو أساس ضروري للإقناع وبناء التحالفات اللازمة لتعزيز المصالح الأمريكية في السنوات المقبلة.

إن المناقشات بين الأميركيين حول كيفية انخراط الولايات المتحدة مع دول أخرى في مرحلة ما بعد ترامب أدت إلى طرح تساؤلات وجيهة حول ما إذا كان من الممكن تصور استعادة الثقة اللازمة للقيادة مرة أخرى. حيث أن بايدن سيعيد الولايات المتحدة إلى اتفاق باريس للمناخ، ومنظمة الصحة العالمية، والاتفاق النووي الإيراني (إذا أمكن تأمين الشروط الصحيحة). وقال إن إدارته ستنخرط من جديد في مجموعة متنوعة من المحافل والمبادرات الدولية التي تخلى عنها ترامب، مثل مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة والاتفاق العالمي للهجرة.

وقد تعهد بايدن بإنهاء السياسات المدمرة لإدارة ترامب، مثل حظر السفر على الدول ذات الأغلبية المسلمة، وخفض أعداد اللاجئين الأمريكيين إلى أدنى مستوياتها التاريخية، والانفصال الأسري عند الحدود الجنوبية، وتوبيخ الحلفاء، واحتضان القادة الاستبداديين. وقد وعد بالاستفادة من العلاقات العميقة التي أقامها على مدى أربعة عقود من العمل في السياسة الخارجية لإقناع دول في آسيا وأوروبا بأنه يمكن الاعتماد على واشنطن مرة أخرى كحليف.

قد تظهر هذه الخطوات أن الولايات المتحدة شريك أكثر استعداداً ومصداقية، ولكنها لن تكون كافية لمعالجة المخاوف المعقولة حول ما إذا كانت شريكاً كفؤاً. وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، ووفقاً لاستطلاعات الرأي لـ "غالوب"، فقد انخفضت الموافقة على القيادة الأميركية في أكثر من 130 بلداً بشكل حاد. وفي العام الماضي وحده، أظهرت استطلاعات الرأي التي أجراها مركز بيو للأبحاث أن آراء إيجابية حول تراجع الولايات المتحدة بفارق 1000 نقطة، وسجّل مستويات قياسية في أستراليا وكندا وفرنسا واليابان وهولندا والسويد والمملكة المتحدة– وهو ما ينسبه بيو في المقام الأول إلى الرأي القائل بأن الولايات المتحدة قد قامت بعمل ضعيف في التعامل مع هذا الوباء.

وإلى جانب الإحصاءات، تراكمت أمثلة على تراجع الثقة في الكفاءة الأميركية. بعد أن بدأ ترامب في اعتماد أدوية الملاريا كعلاجات لفيروس "COVID-19"، وقد اضطرت السلطات الصحية في أفريقيا – بما في ذلك المراكز الأفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، وهي مؤسسة الصحة العامة الرئيسة في القارة – إلى التدافع لثني الناس عن تناولها. وشجعت جامعة نرويجية طلابها على العودة إلى ديارهم من البلدان "ذات الخدمات الصحية والبنية التحتية سيئة التطور . . . على سبيل المثال الولايات المتحدة الأمريكية". ولاحظ صحافي في قناة "N1" الاخبارية في البوسنة أن "نائب الرئيس الأمريكي يرتدي قناعاً في حين أن الرئيس ترامب لا يرتدي قناعاً". ويرتديها بعض الموظفين، والبعض الاخر لا يرتديها. فالجميع يتصرف كما يحلو لهم. ومع مرور الوقت، بدأ البيت الأبيض أكثر فأكثر يبدو مثل البلقان.

إن الوباء قد يكون أهم حدث في حياتنا، ولن يكون من السهل تغيير الانطباعات عن عجز الولايات المتحدة عن تنفيذ استجابة فعالة نيابة عن مواطنيها، ناهيك عن رفاهية أولئك الذين يقطنون في بلدان أخرى. ولخص راينهارد بوتيكوفر، وهو عضو ألماني في البرلمان الأوروبي، كيف أصبحت الولايات المتحدة تُرى في أوروبا: "المدينة الساطعة على التل ليست مشرقة كما كانت في الواقع".

في عام 2009، وهي المرة الأخيرة التي دخل فيها بايدن السلطة التنفيذية، واجه أولئك الذين كانوا جزءاً من إدارة أوباما مخاوف مماثلة ناجمة عن حرب العراق الكارثية ومسؤولية الولايات المتحدة عن الأزمة المالية العالمية. وقد اتخذ الرئيس باراك أوباما خطوات مماثلة لتلك التي وعد بها بايدن: التحرك للانضمام إلى هيئات الأمم المتحدة ودفع مستحقات الأمم المتحدة، وحظر الممارسات غير الأخلاقية مثل التعذيب، وإصلاح الأضرار التي لحقت بالتحالفات بسبب غزو العراق، وإعلان: "نحن مستعدون للقيادة مرة أخرى". ولكن في حين كانت هذه التحركات ضرورية ومفيدة في توليد حسن النية الدولية، إلا أن انطباعي الخاص – بصفتي شخص خدم خلال السنوات الثماني التي قضتها تلك الإدارة – هو أن مخزون الولايات المتحدة لم يصل إلى ذروته حتى 2014-2015، عندما تعززت الثقة في القيادة الأميركية من خلال سلسلة من النتائج المرئية.

وفي تلك الفترة، حشد أوباما أكثر من 62 بلداً للقضاء على فيروس إيبولا في غرب أفريقيا، ونشر عاملين في مجال الرعاية الصحية، وبناء وحدات لعلاج الإيبولا، وإرسال مختبرات لإجراء اختبارات سريعة. وقد تفاوض الخبراء النوويون الأميركيون على أفكار مبتكرة لعرقلة مسارات إيران نحو الحصول على سلاح نووي، وحشد الدبلوماسيون الأمريكيون دعم الصين وروسيا والقوى الكبرى الأخرى لدعم التوصل إلى اتفاق مبني على تلك الأفكار. استفاد العلماء والدبلوماسيون الأميركيون من الخبرات الوطنية الهائلة في مجال المناخ ورأس المال السياسي لتأمين اتفاق في باريس يتضمن التزامات بخفض الانبعاثات واتخاذ خطوات أخرى للتخفيف من تغير المناخ من كل بلد تقريباً في العالم. وبحلول نهاية عام 2015، وبينما كنت أسير في أروقة الأمم المتحدة كسفير للولايات المتحدة وأتفاعل مع نظرائي، واجهت مستوى أعلى بشكل ملموس من الثقة في الولايات المتحدة والحرص على الشراكة معنا أكثر من عامين قبل ذلك.

إن التصورات حول السياسة الخارجية للولايات المتحدة على أنها غير موثوقة وغير منتظمة هي بالطبع أكثر رسوخاً الآن بعد أن شهد العالم مثل هذا التحول الجذري من أوباما إلى ترامب. وعلاوة على ذلك، فإن العرض الانتخابي القوي لترامب والدعم الذي حصل عليه من الجمهوريين البارزين في محاولاته لإنكار فوز بايدن لن يؤدي إلا إلى تعميق المخاوف من أن التحسينات الملحوظة في السياسة الخارجية الأمريكية سوف تكون عابرة. ومع ذلك، لا يزال هناك الكثير الذي يمكن للمرء أن يتعلمه من الماضي: فكل مبادرة من هذه المبادرات في عهد أوباما اعتمدت على أكثر من مجرد الدبلوماسية التي تعهد بايدن وغيره من الديمقراطيين عن حق باستعادتها. لقد تطلبوا وعرضوا معرفة عملية هائلة، ونشر موارد اقتصادية وتقنية واستخباراتية، لا تملكها إلا القليل من البلدان الأخرى. والأهم من ذلك، أنها حققت نتائج واضحة، بشأن القضايا التي كانت آنذاك موضع اهتمام مركزي للجماهير في الولايات المتحدة وخارجها على حد سواء.

تجاوز الصين

على الرغم من كل المخاوف من أن الصين ستستفيد من تراجع الولايات المتحدة عن الساحة العالمية، فإن سجل السنوات القليلة الماضية لم يُلهم زيادة الثقة في الصين كزعيم عالمي بديل. ربما كان صعود الصين إلى القوة العالمية على مدى العقد الماضي أكثر القصص ثباتاً في العالم، ولكن استطلاعات الرأي في مركز غالوب وجدت أن نسبة التأييد العالمي للصين – أي ما متوسطه 32% من بين أكثر من 130 دولة – بالكاد لم تتزحزح خلال عشر سنوات.

كما أشارت نفس استطلاعات الرأي التي أظهرت العجز الكبير في تفضيل الولايات المتحدة إلى أن الأغلبية في البلدان التي شملتها الدراسة الاستقصائية لديها آراء غير إيجابية تجاه الصين أيضاً، وفي كثير من الحالات، فإن هذه الآراء تزداد سوءاً. وفي المملكة المتحدة، كان رفض الصين أقل من 40% قبل خمس سنوات؛ واليوم تبلغ النسبة 75% تقريباً، وهو اتجاه واضح أيضاً في أستراليا وكندا وألمانيا وكوريا الجنوبية. ولا تزال الشكوك حول كيفية تعامل الصين مع الوباء مرتفعة: فقد وافق 61% من الذين شملهم الاستطلاع على أن بكين قامت بعمل سيء في التعامل مع الجائحة (الولايات المتحدة وحدها حصلت على تقييمات أسوأ).

وقد أدت الإجراءات القتالية التي قامت بها بكين خلال العام الماضي إلى تفاقم حالة عدم الارتياح. وقد صعدت الصين من عدوانيتها حول تايوان، وفي بحر الصين الجنوبي، وعلى حدودها مع الهند، وفي هونغ كونغ. وعندما دعت أستراليا إلى إجراء تحقيق دولي في أصول فيروس كورونا ردت الصين بفرض رسوم جمركية معاقبة بنسبة 80% على الشعير وهو تصدير استرالي رئيس. وشاهد المسؤولون الفيجيون برعب دبلوماسيين صينيين يحضرون، دون دعوة، إلى حفل استقبال يحتفلون بتايون ويضربون دبلوماسياً تايواني حاول منعهم من الدخول. وبعد أن غيرت هولندا اسم بعثتها الدبلوماسية ذات التوجه التجاري في تايوان إلى مكتب تايبيه الهولندي، مما يعكس توسيعاً للعلاقة الثنائية إلى ما هو أبعد من الاقتصاد، هددت الصين بإلغاء شحنات الإمدادات الطبية لمكافحة فيروس كورونا.

إن التنمر في الصين يقود بالفعل إلى رد فعل عنيف. وكما يتضح من استطلاعات الرأي الذي أجراه مركز بيو، ساعدت تهديدات بكين في ارتفاع عدم ثقة الهولنديين بالرئيس الصيني شي جين بينغ بنسبة 17 نقطة مئوية في عام واحد. وفي أستراليا، يسعى رئيس الوزراء سكوت موريسون الآن إلى الحصول على سلطات جديدة تهدف إلى تقليص النفوذ الصيني في البلاد. واستنكر وزير الدفاع الكندي بسجن كنديين بريئين انتقاماً لاعتقال مسؤول تنفيذي صيني في كندا باعتباره "دبلوماسية احتجاز رهائن". وخلال الأشهر الأولى من الوباء، وجهت وزارة الخارجية الفرنسية توبيخاً علنياً للسفير الصيني في باريس بعد أن اتهمت سفارته فرنسا بترك كبار السن "يموتون من الجوع والمرض" في دور رعاية المسنين. حظرت الهند أكثر من 100 تطبيق محمول صيني الصنع استجابة لأشهر من التوترات الحدودية التي أدت إلى مقتل أكثر من 20 جنديًا هنديًا.

حتى قبل انتشار الجائحة، كان القلق العالمي يتزايد بشأن ممارسات التنمية الصينية، التي كانت تتم على الأخص من خلال حملة بناء البنية التحتية الضخمة المعروفة باسم مبادرة الحزام والطريق، وخاصة الفائدة الحادة المفروضة على قروضها. وانتهت الصعوبات التي واجهتها سريلانكا في خدمة ديونها في ميناء بنته الصين إلى اتفاق ترك التنمية تحت سيطرة بكين. وعندما ألغى رئيس الوزراء الماليزي مشاريع البنية التحتية الممولة من الصين التي وافق عليها سلفه بمليارات الدولارات، أوضح: "الأمر كله يتعلق بضخ الكثير من الأموال التي لا يمكننا تحملها، ولا يمكننا سدادها. . . وبهذه الديون، إذا لم نكن حذرين، يمكننا أن نفلس". وبعد أن ألغى رئيس تنزانيا الصفقات التي عقدها سلفه مع الصين، لاحظ على نحو مماثل أن "المجنون" هو وحده الذي يقبل الشروط التي تم التفاوض بشأنها. وفي نيجيريا، طالب سياسيون بتحقيق رسمي في ممارسات الإقراض في الصين بعد شائعات انتشرت الصيف الماضي بأن بكين قد تبدأ في الاستيلاء على أصول البلاد. وفي زامبيا، طلب وزير تجارة سابق من المحكمة الدستورية الحكم في شرعية صفقات القروض السرية في البلاد، والتي تركت البلاد مديونة ربع ديونها للصين.

هناك جدل حول ما إذا كانت بكين تتبع استراتيجية متعمدة لـ "دبلوماسية فخ الديون"، ومن المعقد تحديد مقدار الديون المستحقة على الصين من قبل البلدان النامية. لكن دراسة أجريت في عام 2019 قدرت أن أكبر 50 متلقياً للإقراض الصيني كان لديهم ديون مع الصين بقيمة حوالي 15% من ناتجها المحلي، في المتوسط، بعد أن كانت أقل من 1% في عام 2005. ومن ناحية أخرى، فقد تطوير البنية التحتية في الصين بعضاً من بريقها بسبب المخاوف بشأن الشفافية، والتدهور البيئي، وتدفق العمال الصينيين الذين شغلوا وظائف يعتقد السكان المحليون أنها ستكون متاحة لهم. وظهرت المعارضة العامة لمشاريع الحزام والطريق حتى في البلدان التي تفرض قيوداً صارمة على التعبير عن المعارضة، بما في ذلك كازاخستان ولاوس وميانمار.

ومن الطبيعي أن العديد من البلدان لا تزال ترى فرصة كبيرة في تعميق العلاقات مع الصين. ولكن على مدى السنوات الأربع الماضية، توترت الآراء حول قيادة بكين في المناطق الحرجة. وبالنسبة لبايدن، هذا يوفر فرصة له. ولكن لكي تغتنم الإدارة الجديدة هذه الفرصة، يجب عليها أن تستعيد سمعة الولايات المتحدة في مجال الكفاءة.

ساعة الحاجة

إن إظهار الكفاءة يتطلب القدرة على القيام بأكثر من شيء كبير في آن واحد – كما فعلت إدارة أوباما أثناء الأزمة المالية، حيث قامت بإنقاذ الاقتصاد الأميركي في الوقت الذي تعمل فيه مجموعة العشرين على توفير أكثر من تريليون دولار من الحوافز للبلدان الأخرى التي تعاني من صعوبات، وبالتالي المساعدة في الحفاظ على الاقتصاد العالمي على حاله. ويمكن للولايات المتحدة أن تدخل من جديد في جميع الصفقات والمنظمات الدولية التي تريدها، ولكن المكاسب الأكبر في النفوذ ستأتي من خلال إظهار قدرتها على تحقيق ذلك في وقت الحاجة القصوى للعديد من البلدان.

بدءاً من القضية التي عانت منها سمعة الولايات المتحدة أكثر من غيرها - الوباء - يمكن لإدارة بايدن أن تتصدر عملية توزيع اللقاحات العالمية بطريقة تذكّر العالم بما يمكن أن تفعله الولايات المتحدة بشكل فريد. في عهد أي رئيس غير ترامب، فإن الحكومة ستتسابق بالفعل ليس فقط لإنتاج لقاح للاستهلاك المحلي؛ بل أنها ستتصدر العالم في وضع مخطط لتوزيع اللقاحات على الصعيد العالمي. ولم يبدِ ترامب أي اهتمام بوصول اللقاحات إلى بلدان أخرى. وإلى جانب بدء انسحاب الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية، رفض بفخر المشاركة في مبادرة "كوفاكس"، وهي مبادرة تضم 184 دولة وتهدف إلى توفير ملياري جرعة لقاح في جميع أنحاء العالم، لا سيما للسكان المعرضين لخطر كبير والعاملين في مجال الرعاية الصحية في الخطوط الأمامية، بحلول نهاية عام 2021.

 الولايات المتحدة في وضع جيد لتطعيم الأميركيين عندما يتوفر لقاح آمن وفعال. وقد اشترت الحكومة الأميركية بالفعل 800 مليون جرعة لسكان البلاد البالغ عددهم 328 مليون نسمة من شركات تكافح لتطوير لقاح قابل للتطبيق. ولكن البدء في تطعيم الأميركيين وحده لن يكون كافياً لضمان الرفاه للأميركي؛ بل إن ذلك لن ينتهي الوباء العالمي تماماً، ولن يتعافى الاقتصاد الأميركي بالكامل، في حين أن "COVID-19" لا يزال مستعراً في أماكن أخرى. وإن محاولة الصين إقناع العالم بأنها "قوة عظمى مسؤولة" من خلال مساعدة البلدان الأخرى على الحصول على اللقاحات لابد وأن توفر زخماً إضافياً للجمهوريين ليدخلوا إلى دعم الجهود العالمية، حتى في بيئة الميزانية الصعبة للغاية.

 ينبغي على بايدن أن يبدأ بانضمام الولايات المتحدة إلى "COVAX"، الذي سيلعب دوراً رئيساً في التوزيع العادل للقاحات. ومع ذلك، وحتى لو تم تمويله بالكامل وتمكن من تحقيق أهدافه، فمن المتوقع ألا يصل الاتحاد إلى سوى ربع سكان العالم بحلول نهاية عام 2021. وينبغي على الولايات المتحدة أن تذهب إلى أبعد من ذلك، وأن تطلق شراكات ثنائية مع البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل التي تحتاج إلى المساعدة في الجوانب المعقدة لتطعيم مواطنيها.

وللولايات المتحدة ميزة تنافسية واضحة في هذا الجهد: خبرتها العلمية التي لا مثيل لها ومدى انتشارها العالمي الذي لا مثيل له. وعلى الرغم من أن الصين تفوقت على الولايات المتحدة في العدد الإجمالي للمراكز الدبلوماسية في عام 2019، إلا أن امتلاك شبكة دبلوماسية واسعة واستخدامها للأبد هما اقتراحان مختلفان تماماً. يتمتع كل من المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها والوكالة الأميركية للتنمية الدولية بخبرة عميقة في برامج التحصين وعلاقات العمل الطويلة الأمد مع وزارات الصحة والمنظمات غير الحكومية والمؤسسات الأكاديمية والقطاع الخاص في البلدان الأجنبية.

وقد أوضح خبراء الصحة العامة أن توفير إمكانية الوصول على نطاق واسع إلى لقاح "COVID-19" سيكون مهمة بالغة التعقيد، وتتطلب ضوابط دقيقة على درجات الحرارة أثناء الشحن والتخزين؛ وأساليب جديدة للتوزيع العالمي في وقت تراجعت فيه حركة الطيران التجارية بشكل حاد (شركات الأدوية عادة ما تقوم بشحن نصف منتجاتها عبر الطائرات)؛ والحصول على مصادر وتصنيع كميات ضخمة من المواد، مثل القوارير الزجاجية والمحاقن؛ وتطوير رسائل لقاح مقنعة مصممة خصيصاً لفئات معينة من السكان. وفي دليل واحد فقط على التحدي، خلص تقييم حديث لمرونة سلسلة التوريد أجرته شركة الخدمات اللوجستية "DHL" إلى أن "أجزاء كبيرة من إفريقيا وأمريكا الجنوبية وآسيا لا يمكن تزويدها بسهولة" بلقاح بسبب الافتقار إلى التكنولوجيا اللازمة للحفاظ على الجرعات في درجة الحرارة المناسبة.

عقود من الخبرة المكتسبة من حملات التحصين العالمية التي تستهدف شلل الأطفال والحصبة والجدري، فضلاً عن الحملة الأخيرة ضد الإيبولا في غرب أفريقيا، فإن الولايات المتحدة لديها قدرة فريدة على مساعدة البلدان الأخرى في استراتيجياتها الخاصة بإعطاء لقاح. وسيشمل ذلك المساعدة في إدارة الخدمات اللوجستية العالمية لأغراض التوزيع واستكشاف المشاكل التي لا مفر منها والتي تنشأ مع سلاسل الإمداد الدولية، ودعم الحملات الإعلامية العامة، وتوفير الخبرة التقنية في مجال مراقبة الجودة، وتدريب العاملين المحليين في مجال الرعاية الصحية، وتنفيذ برامج لزيادة إمكانية الوصول إلى المجتمعات التي يصعب الوصول إليها واستيعابها. وستعتمد جميع هذه المهام على الشراكات الأميركية الطويلة الأمد مع الحكومات والجهات الفاعلة الأخرى في أكثر من 60 بلداً حيث يعمل بالفعل الآلاف من موظفي مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها والوكالة الأميركية للتنمية الدولية.

واستناداً إلى رد الفعل على تقديم الولايات المتحدة مساعدات منقذة للحياة في سياقات أخرى، فإن مثل هذا الجهد سيكون له أيضاً تأثير إيجابي كبير على مكانة الولايات المتحدة على الصعيد الدولي. وفي حين أن هذا لن يكون بأي حال من الأحوال الدافع الرئيس، إلا أنه ينبغي أن يكون مع ذلك اعتباراً ذا صلة لإدارة ستحاول أن تظهر للعالم المتشكك أنه يمكن الاعتماد على الولايات المتحدة مرة أخرى. وبعد تسونامي المحيط الهندي عام 2004، وزلزال عام 2005 في باكستان، وتسونامي 2011 في اليابان، عززت الإغاثة الأميركية رفيعة المستوى في حالات الكوارث على الفور تقريباً الآراء المؤيدة للولايات المتحدة في تلك الأماكن. ويمكن رؤية مثال أكثر ديمومة لهذا التأثير في مجال الصحة العامة، حيث خطة الرئيس الطارئة للإغاثة من الإيدز، الرئيس جورج دبليو. وقد وفرت مبادرة بوش الدولية التي تحمل توقيعها العلاج المضاد للفيروسات الرجعية لأكثر من 16 مليون شخص من بينهم 700 ألف طفل. بالإضافة إلى فوائدها الإنسانية الهائلة، فقد كان لخطة بيبفار تأثير كبير ودائم على مواقف الجماهير الأجنبية تجاه الولايات المتحدة، مما أدى إلى زيادة "كبيرة" في مكانة الولايات المتحدة بين الدول التي شاركت في البرنامج، وفقًا لدراسة أكاديمية أجريت عام 2014. وبالفعل، عندما ترك بوش منصبه في عام 2009، قَرّر مركز غالوب قياس نسبة تأييده بنسبة 34% في الولايات المتحدة - و73% بين الدول الأفريقية.

التميز الأكاديمي

في حين أن أي مبادرة لن يكون لها تأثير القيادة الأميركية على اللقاحات، فإن إحدى أفضل الطرق لعرض براعة الولايات المتحدة وراعتها هي أن تجعل جامعاتها مرة أخرى الأكثر جاذبية في العالم للمواهب الأجنبية. وقد تعهد بايدن بإنهاء سياسات الهجرة الأكثر تحيزاً التي وضعها ترامب، مثل حظر المسلمين والقيود اللاإنسانية على اللجوء. ولكن الجامعات الأميركية لها مكانة خاصة في الخيال العالمي، ويمكن أن يؤدي خفض عقبات الحصول على التأشيرات للدراسة في الولايات المتحدة مع خلق مسارات أفضل وأكثر سهولة للطلاب الدوليين للعمل في الولايات المتحدة بعد التخرج من خلال دفع أرباح قصيرة وطويلة الأجل في توسيع النفوذ الأميركي.

 قبل رئاسة ترامب، لم تكن المبادرات الرامية إلى جذب الطلاب الدوليين إلى الولايات المتحدة مثيرة للجدل. وعلى مدى عقود عديدة، كانت الولايات المتحدة الوجهة الرائدة للطلاب الأجانب. حيث أن أكثر من مليون من غير الأميركيين يتلقون تعليمهم في الولايات المتحدة سنوياً، ووفقاً لوزارة الخارجية، خلال السنوات الدراسية الأربع التي بدأت في عام 2012، ارتفع العدد الإجمالي للطلاب الدوليين القادمين إلى الولايات المتحدة بنسبة تتراوح بين 7-10% سنوياً، وذلك بفضل الجهود التي حظيت بدعم الحزبين. ولكن بسبب القيود الجديدة المفروضة على التأشيرات وموقف إدارة ترامب المناهض للمهاجرين، في العام الدراسي 2018-2019 (ما قبل انتشار الجائحة)، انخفض عدد الملتحقين الجدد بنسبة 8% مقارنة بالسنوات الأربع السابقة.

إن الإدارات السابقة دعمت التعليم الدولي، ولكن نادراً ما حظيت جهودها باهتمام كبير، لأنها كانت تتماشى مع الانطباع العام للولايات المتحدة كدولة متنوعة ترحب بالمواهب الأجنبية. ولكن بعد السنوات الأربع الماضية، أصبح لدى بايدن فرصة لإعادة تشغيل هذا المشروع بطريقة تزيد من الاعتراف العالمي بمدى عدد الطلاب الأجانب الذين يحصلون على التعليم في الولايات المتحدة، وتوسع الوعي المحلي بالفوائد. كما يمكنه المساعدة في تحييد الآثار المخيفة لخطاب ترامب المعادي للأجانب، الذي كان قد دفع العديد من الشباب إلى التخلي عن الدراسة في الولايات المتحدة لصالح أماكن مثل أستراليا وكندا حتى قبل انتشار الوباء. من الصعب التفكير في طريقة أكثر فعالية من حيث التكلفة لكي يصل بايدن إلى سكان العالم الذين يشعرون بالقلق إزاء اتجاه الولايات المتحدة من الاحتفال بحقيقة أن البلاد ترحب مرة أخرى بالعقول الشابة المشرقة من جميع أنحاء العالم.

يمكن أن يبدأ بايدن بإلقاء خطاب رئيس يعلن فيه أن إدارته تنضم إلى الجامعات الأميركية في الترحيب مرة أخرى بالطلاب الدوليين، ليوضح أنهم أصول وليست تهديدات. ينبغي على الإدارة أن تحدد هدفاً لزيادة عدد الطلاب الأجانب مرة أخرى سنوياً في حدود يتراوح ما بين 7-10% التي تحققت في وقت سابق من هذا العقد، وينبغي أن تسعى إلى الحصول على التزامات من الجامعات للتجنيد من أجزاء من العالم كان طلابها تاريخياً ممثلين تمثيلاً ناقصاً في الجامعات الأميركية. كما ينبغي عليه أن يدمج المداولات المتعلقة بسياسة الهجرة والتأشيرات في المناقشة الأوسع حول كيفية إعادة فتح الولايات المتحدة بأمان.

ينبغي على بايدن أن يتخذ عدداً من الخطوات التي من شأنها أن تحدث فرقاً فورياً للأجانب الذين يفكرون في الدراسة في الولايات المتحدة، بما في ذلك إصدار وإرشادات لمسؤولي الجمارك وحماية الحدود الأميركيين بالتوقف عن مضايقة وتخويف الطلاب الأجانب، وضمان عدم الحاجة إلى طلب تمديد التأشيرة في منتصف برامجهم الدراسية، وإعادة تشكيل المجلس الاستشاري الأكاديمي للأمن الداخلي المحتضر المكون من رؤساء الجامعات والخبراء التربويين الذين يقدمون المشورة لوزارة الأمن الداخلي حول كيفية تأثير سياساتها على الطلاب الأجانب، والتدريس، والبحوث الأكاديمية. كما ينبغي له أن يأمر بإجراء مراجعة سريعة لتحديد كيفية تحديث التعامل مع طلبات تأشيرات الطلاب، وتقييم العقبات الإدارية التي يمكن إزالتها والتي يمكن التعجيل بها وجعلها أكثر شفافية للطلاب الذين غالباً ما تترك حياتهم في طي النسيان وهم ينتظرون التصاريح اللازمة.

من شأن مبادرة من هذا القبيل المتعلقة بالفرص التعليمية أن تحقق فوائد كثيرة. في الوقت الذي تضاءلت فيه الثقة في نقاط القوة الأميركية منذ فترة طويلة، فإن الطلاب الدوليين سيكتسبون فرصة التعرف على خطوط المعرفة والابتكار في الولايات المتحدة. ومن شأن الفرص الجديدة والصداقات والعلاقات المهنية أن تولد حسن نية دائم. وفي الوقت نفسه، خلال فترة الانتعاش الاقتصادي المطول والصعب، فإن المزيد من الطلاب الدوليين يعني المزيد من الأموال التي تذهب إلى الاقتصاد الأميركي. في عام 2019، وحتى مع انحسار معدلات التسجيل الجديدة، شكل التعليم الدولي سادس أكبر صادرات قطاع الخدمات في الولايات المتحدة، حيث ساهم بنحو 44 مليار دولار في الاقتصاد الأمريكي، ووفقاً لتحليل أجرته وزارة التجارة خلال إدارة ترامب، فقد دعم أكثر من 458 ألف وظيفة. وفي الوقت الذي تحولت فيه الصين إلى وجهة رئيسة للطلاب الذين يتطلعون إلى الدراسة في الخارج، ستكون هذه المبادرة أيضاً ثقلاً موازناً هاماً، حيث تجذب المواهب الدولية، وتعرّض قادة المستقبل لقيم المجتمع المفتوح، وتجعل العديد منهم سفراء مدى الحياة للديمقراطية - ومن أجل الروابط القوية بين بلدانهم الأصلية والولايات المتحدة.

ونظراً لأن الجامعات الأميركية ذات المستوى العالمي كانت منارة للشباب المتفوقين من جميع الجنسيات، فقد قام العديد من الخريجين الأجانب في تأسيس شركات وتحقيق اكتشافاتهم العلمية في الولايات المتحدة. أما العائدون إلى بلدانهم فقد نهضوا لإدارة بلدانهم:

كما أشارت بلومبرج مؤخراً، أن أكثر من 20% من القادة الأفارقة الحاليين درسوا في الولايات المتحدة، بمن فيهم أولئك الذين يتولون القيادة في إثيوبيا وكينيا والصومال. ولم تفقد الصين الفوائد طويلة المدى لتعزيز العلاقات مع الأجيال الجديدة من الرعايا الأجانب. وقال وانغ هوياو، المستشار النافذ لمجلس الدولة الصيني، في عام 2017: "هناك أكثر من 300 من قادة العالم، بمن فيهم رؤساء ورؤساء والوزراء ووزراء في جميع أنحاء العالم، تخرجوا من الجامعات الأميركية، ولكن هناك عدد قليل فقط من القادة الأجانب الذين تخرجوا من الجامعات الصينية. لذلك لا نزال بحاجة إلى بذل الجهود لتعزيز التبادل الأكاديمي وتثقيف المزيد من النخب السياسية من البلدان الأخرى".

إن الميزة التنافسية للولايات المتحدة كانت دائماً نابعة من تنوعها وقدرتها على توفير الفرص. يجب على الأميركيين أن يفخروا بأن غالبية الشركات الناشئة الأميركية الأكثر قيمة قد تم إنشاؤها من قبل المهاجرين – جاء ربعهم إلى الولايات المتحدة كطلاب دوليين. كما إن ضمان استمرار هذا الاتجاه - والقيام بالمزيد للإعلان عنه - سيُظهر للناس في جميع أنحاء العالم أنه من السابق لأوانه المراهنة على الديناميكية الأميركية.

قمع الفساد

إذا كان توزيع اللقاحات سيسخّر قدرات الولايات المتحدة للمساعدة في إنقاذ الأرواح، وإذا كان توسيع الفرص التعليمية من شأنه أن يُظهر قوة النيران الفكرية والانفتاح في الولايات المتحدة، فإن مبادرة عالمية لمكافحة الفساد من شأنها أن تسمح للولايات المتحدة بتعبئة قدراتها الفريدة بشكل واضح لتعقب الجرائم المالية وكشفها وملاحقتها قضائياً، وتلبية طلبات المساءلة الصادرة عن المواطنين في كل ركن من أركان العالم. وقد وعد بايدن بإصدار توجيه رئاسي يعلن أن مكافحة الفساد "مصلحة أساسية للأمن القومي". كما تعهد باستضافة قمة كبرى مع الديمقراطيات الأخرى خلال السنة الأولى من توليه منصبه، مع اعتبار الفساد كأحد البنود الرئيسة في جدول أعماله. ولكنه يستطيع أن يذهب إلى أبعد من ذلك، مما يجعل مكافحة الفساد محوراً لجدول أعماله الدولي.  

إن الولايات المتحدة هي المركز الرئيس للنظام المالي العالمي ما بين عامي 1999 و2017، ونقل ما لا يقل عن 2 تريليون دولار من الأموال المرتبطة بتجار الأسلحة وتجار المخدرات وغاسلي الأموال والمتهربين من العقوبات والمسؤولين الفاسدين. ومن المؤكد أن المبلغ الحقيقي للأموال غير المشروعة التي تتدفق عبر الاقتصاد العالمي أكبر بكثير (يشمل التريليون دولار فقط ما أشارت إليه البنوك نفسها)، وربما تصل التكلفة السنوية للفساد في عام 2019 إلى حوالي 4 تريليون دولار – ما يعادل 5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. ويقدر البنك الدولي أن الأفراد والشركات التجارية يدفعون كل عام تريليون دولار من الرشاوى. فمن أجل مصلحة الناس في الداخل والخارج، يمكن لإدارة بايدن أن تأخذ زمام المبادرة في دفع التغييرات التي تحد من الفساد، وغسيل الأموال، والتهرب الضريبي العالمي - وهي ممارسات تمول القادة والأحزاب الاستبدادية، وتزيد من عدم المساواة في الدخل، وتنتهك حقوق الفرد.

وقد ولّد الصعود الملحوظ للحكام المستبدين والشعبويين في جميع أنحاء العالم شعوراً مقلقاً بالزخم للأنظمة القمعية، ولكن الفساد يشكل مجالاً رئيساً من مجالات الضعف بالنسبة لهؤلاء القادة. وفي حين أنهم قد لا يرون سوى تكاليف قليلة من جانب الناخبين عندما يرفضون مبادئ حقوق الإنسان أو يعجبون علناً بـ "نموذج الصين" للحكم الرأسمالي الاستبدادي، إلا أنه لا يريد أي زعيم أن يعرف أنه استخدم موقعه في السلطة والامتياز لمساعدة نفسه ورفاقه على تحقيق الربح على حساب المواطنين.

وكان الغضب من الفساد وسوء السلوك قوة دافعة وراء تصاعد الحشد الجماعي في جميع أنحاء العالم. على مدى العقد الماضي، تابع مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية زيادة سنوية بنسبة 11.5% في عدد الاحتجاجات التي تجري في جميع أنحاء العالم، حيث لعبت معارضة الفساد دوراً مركزياً فيما يقرب من نصف عدد الحركات الاحتجاجية الرئيسة البالغ عددها 37 حركة التي حدثت في عام 2019. وفي بلدان منها الجزائر والعراق ولبنان ومالطا والسودان، أدت هذه الاحتجاجات إلى استقالة القادة وتغيير الحكومة. في السنوات الأخيرة، أدى الكشف عن أن شركة البناء البرازيلية القوية أودبريشت دفعت 788 مليون دولار على شكل رشاوى في جميع أنحاء أميركا اللاتينية إلى إسقاط الشخصيات السياسية الرئيسة وقلب السياسة في اثنتي عشرة دولة في المنطقة. وعلى الرغم من أن فضيحة الفساد ليست كل ما يؤدي إلى مثل هذه التداعيات المثيرة، فإن الدراسات الأكاديمية تقدم أدلة وافرة على أن تصورات الفساد تسهم بشكل كبير في عدم الرضا عن الديمقراطية، وخاصة في الديمقراطيات الراسخة. ومن ثم فإن التصدي بقوة للفساد يمكن أن يلعب دوراً في المساعدة على الحد من الركود الديمقراطي العالمي في نفس الوقت الذي تساعد فيه البلدان على الحفاظ على أموال الدولة الثمينة خلال انتشار الوباء والأزمة الاقتصادية الناجمة عنه.

 كما هو الحال مع معظم قضايا السياسة الخارجية الرئيسة، سيتعين إرساء الأساس لقيادة بايدن في الداخل، بدءاً بتدابير لتنظيفها بعد الرئاسة الأكثر فساداً وتعاملاً ذاتياً في تاريخ الولايات المتحدة. ويبدو أن المؤسسات المالية وغيرها من كيانات القطاع الخاص التي ضبطت وهي تقوم بغسيل الأموال القذرة تنظر إلى الغرامات على أنها تكلفة القيام بأعمال تجارية؛ ومن أجل الردع الحقيقي، من الضروري استخدام عقوبات أشد، بما في ذلك الملاحقة الجنائية. ويحتاج الديمقراطيون إلى تكريس أنفسهم للعمل الشاق المتمثل في إلغاء نظام "مواطنون متحدون"، وهو قرار المحكمة العليا لعام 2010 الذي سمح للشركات والمجموعات الأخرى بإنفاق نفقات غير محدودة في الحملات الانتخابية، وتنفيذ تدابير إضافية لإبقاء الأموال الأجنبية خارج الانتخابات الأميركية.

هناك الكثير مما يجب القيام به على الجبهة الدولية أيضاً. ويمكن للولايات المتحدة أن تصر على أن يلتزم بلد ما بمجموعة من الالتزامات الدنيا لمكافحة الفساد بغية الدخول في ترتيبات تجارية تفضيلية، مما يزيد من المساعدة التقنية المقدمة إلى تلك البلدان التي تواق إلى بذل المزيد من الفعل. ويمكنها استخدام شق الفساد في قانون ماغنيتسكي العالمي، وتنسيق العقوبات الناتجة عن ذلك ضد الأفراد والكيانات الفاسدة مع حلفاء الولايات المتحدة. وبالنسبة للدول التي لديها قوانين لائقة بالفعل في السجلات، يمكن لإدارة بايدن أن تشجع على تطبيق أكبر بكثير للقوانين التي تحظر الرشوة الأجنبية وغسيل الأموال، حيث انخفض الإنفاذ بشكل ملحوظ في جميع أنحاء العالم. وفقاً لمنظمة الشفافية الدولية فإن أربعة فقط من بين البلدان الـ 47 المصدرة الأولى، تطبق قوانين مكافحة الرشوة.

ومكافحة الفساد مجال آخر تتمتع فيه الولايات المتحدة بميزة تنافسية على الصين. فمنذ عام 1977، يحظر قانون الممارسات الأجنبية الفاسدة على المواطنين والشركات الأمريكية رشوة المسؤولين الأجانب في الخارج، كما أنه اقتضى إجراء محاسبة شفافة. وعلى الرغم من أن ترامب نظر في التخلص من قانون مكافحة الرشوة وتراجع عدد التحقيقات الجديدة التي أجرتها لجنة مكافحة الرشوة في الآونة الأخيرة، إلا أن وزارة العدل ولجنة الأوراق المالية والبورصات تواصلان تطبيقه، فضلاً عن اتفاقية مكافحة الرشوة التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي. وعلى النقيض من ذلك، لم تفتح الصين – أكبر مصدر في العالم وثاني أكبر اقتصاد لها، والمقر الرئيس للشركات المتورطة في العديد من فضائح الفساد في بلدان أخرى – أي تحقيقات في الرشوة الأجنبية بين عامي 2016 و2019.

كثيراً ما تستخدم الشركات الوهمية المسجلة في الولايات المتحدة من قبل جهات أجنبية فاسدة لإخفاء أموال الدولة المسروقة أو لإخفاء المدفوعات التي تلقتها من خلال الرشاوى والعمولات. سواء من خلال تأمين تمرير التشريع المعلق من الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الكونغرس الذي أطلق عليه قانون شفافية الشركات أو من خلال الإجراءات التنفيذية لإدارة بايدن، يجب على الولايات المتحدة تحديث ممارساتها في مكافحة غسيل الأموال، والتي لم يتم إصلاحها منذ عقود، بما في ذلك اشتراط الكشف عمن يستفيد بالفعل من الممتلكات أو يتحكم في الممتلكات والشركات والعقارات المسجلة في الولايات المتحدة. عند التكليف بإنشاء سجل عام لهؤلاء المستفيدين الفعليين، ينبغي على إدارة بايدن الضغط على البلدان الأخرى للقيام بنفس الشيء، وسد الثغرات في أوروبا وخارجها، حتى يمكن إخضاع المالكين الحقيقيين للرقابة القانونية. وهذه السجلات لا غنى عنها لضمان كشف التدفقات غير المشروعة من الأموال والتحقيق فيها. وكمكمل، ينبغي على بايدن أيضاً توجيه وكالات الاستخبارات الأمريكية إلى تخصيص المزيد من الموارد للكشف عن الجرائم المالية الكبرى العابرة للحدود الوطنية، والتأكد من أن الإدارة الأمريكية لا تركز بشكل غير متناسب على وضع المعايير التقنية مع إهمال جمع الأدلة اللازمة لبناء القضايا وتفكيك شبكات الفساد.

من المرجح أن يكون عدد قليل من الناس - سواء في الولايات المتحدة أو في أي مكان آخر - على علم بهذه البرامج أو المحاكمات، حتى عندما تعمل كما هي مصممة. ولتعزيز صورة الجهود الأمريكية لمكافحة الفساد، ينبغي على إدارة بايدن أن تنظر في اتخاذ خطوات لضمان أن يبدأ المواطنون العاديون الذين تضرروا من الفساد في رؤية فوائد من الإنفاذ. وعندما تسترد الدول الغربية عائدات الرشوة الأجنبية، فإنها تميل إلى إعادة الأموال إلى خزائن الدولة الأجنبية بشكل انعكاسي. وينبغي على واشنطن أن تستكشف الترتيبات التي يمكن من خلالها للأفراد المتضررين من دفع الرشاوى أو سرقة الأصول الوطنية تأمين التعويض، وتشجيع الدول الأخرى على التحرك في اتجاه مماثل. كما أن النظام القانوني الأميركي لديه متطلبات صارمة لتحديد مكانة الفرد أو المجموعة في المحكمة. ومع ذلك، من الضروري أن يرى أولئك الذين تضرروا من قبل الجهات الفاعلة الفاسدة - سواء من خلال اختلاس أموال الدولة التي كان يمكن استخدامها لشراء أجهزة التنفس الصناعي أو المخاطر الصحية الناجمة عن منح التصاريح البيئية خطأ - عائداً ملموساً أكثر بكثير على العمل العالمي لمكافحة الفساد في الولايات المتحدة.

وكنائب للرئيس، استثمر بايدن وقتاً طويلاً في الدفاع نيابة عن لجنة مكافحة الفساد في غواتيمالا، المعروفة باسم "CICIG"، والتي رفعت دعاوى ضد مئات المسؤولين الحكوميين الحاليين أو السابقين في البلاد. وقد قام خبراء اللجنة المستقلة، التي أنشأتها الأمم المتحدة ومولتها الولايات المتحدة والجهات المانحة الخارجية الأخرى، بالتحقيق في الشبكات الإجرامية الراسخة في البلاد، ثم عملوا مع نظرائهم الغواتيماليين لمقاضاة الكسب غير المشروع والجرائم الأخرى التي كشفوها. وقد تفاخرت اللجنة.

بنسبة نجاح 85% في حل القضايا – وشملت أهدافها كلاً من الرئيس الحالي ونائب الرئيس الحالي – وأصبحت المؤسسة الأكثر شعبية في غواتيمالا. ولكن تم حلها في عام 2019 من قبل الحكومة الغواتيمالية دون احتجاج كبير من إدارة ترامب. لم تكن شهرتها المحلي?