الخميس  15 نيسان 2021
LOGO

"إكْسِسْوارات الدولة" تلقي بظلالها على تراجع النزعة الوطنية وغياب المهنية في المجتمع الفلسطيني / بقلم: لينا أبو هلال

2021-02-24 12:58:48 PM
لينا أبو هلال

كيان مشتت جمع أشلاءه ليقيم دولته على أرضٍ كانت عامرة بكل مظاهر الحياة وبأهلها الذين شتت الاحتلال شملهم وسلب أرضهم ومنازلهم وحتى هويتهم الثقافية.  لقد مر على احتلال فلسطين أكثر من سبعين عاما، استطاع خلالها هذا الكيان أن يؤسس دولته على أرضٍ ليست أرضه وفي وطنٍ ليس وطنه، وأخذ يتقدم ويبني دولته بعقول وسواعد أناس مختلفين في العرق والطبقة والجنسية ولا يربطهم سوى الديانة.  لقد أسس الاحتلال دولته على أنقاض تهاون العرب، فأصبحوا من أشلاء كيان إلى دولة تُصدِّر العلم وتفرض هيمنتها ونفوذها على كل دول العالم بما فيها الدول العربية. ولولا أننا أصحاب حق ولولا وعد الله لنا بالحرية مهما طال الزمن لسًلّمنا بأن هؤلاء باقون إلى الأبد، فليس هناك من بوادر لانهيار دولة تحكمها المهنية والقانون، ولا بوادر لانهيار دولة تنتهج التفكير الاستراتيجي بعقول مواردها البشرية وترعى إنسانية ومتطلبات هذه الموارد.  وقد يُسْتَفز أحدكم من طرحي هذا لأنني أغازل بكلماتي نهج العدو في حين أنه لا يزال يحتل أرضنا ويشتت أبناءها وماضٍ في سياسات التهويد والأسر والقتل والتهجير. ولكن ما أراه بأننا لن نعيد حقنا المسلوب إن لم نعيد ترتيب أولوياتنا ونولي الإنسان الأهمية بالقدر الذي يقدمه المحتل للمستوطنين، ولن نستعيد أرضنا إلا بالزرع الطيب وببذور القيم التي أتلفها الاحتلال خلال مسيرة تهويده للأرض وكل ما عليها، وأن نتخلى عن الانجراف نحو الوهم الذي توجناه بـ “إكسسوارات الدولة" وكسوة مرافق مؤسساتنا وأحياء مدننا بمظاهر الترف في حين أن بنيتها التحتية مدمرة.

إن ما يعانيه المجتمع الفلسطيني من غياب المهنية وقوة القانون، وإضافة إلى الفجوة التي تتسع بين الشعب وحكوماته في الضفة وغزة، كل ذلك استطاع أن يحرف البوصلة عن القضايا الهامة وفي مقدمتها القدس، إضافة إلى خلخلة النزعة الوطنية التي كانت سائدة قبل ثلاثة عقود.  إن المؤسسات الفلسطينية اليوم بما فيها "مؤسسات القدس" الخاضعة لإدارة فلسطينية مهددة اليوم بالانهيار بسبب ما تعانيه من تفشي الأزمات المالية جرّاء غياب المهنية والمصلحة الذاتية، فترى أن النهج المهني في الإدارة المالية والتخصص بالعمل ورعاية الكفاءات وتنظيم المصاريف ضمن الأولويات واستغلال موارد المؤسسات بما يخدم استمرارية المؤسسة ليس سلوكا إداريا سائدا في مؤسساتنا، وإنما الفوضى المالية والمحابة للعشيرة أو الفصيل أو المصالح الذاتية.

لا صدى لصوت الشعب في القرارات المصيرية، ولا مكان للشباب والمرأة في مواقع صنع القرار، وهذه حقائق واقعة بالفعل على أسلوب الإدارة والحكم، حالها كحال غياب المهنية وقوة القانون وتراجع النزعة الوطنية والعديد من القيم التي أصبحت مجرد مصطلحات تتردد في الخطابات والأوراق الرسمية وغير الرسمية. وليس المطلوب أن تنحصر قيادة مؤسسات الوطن بالشباب فحسب، وإنما مراعاة وجودهم والأخذ بالقيم المهنية في تفويض الصلاحيات وأهمها الكفاءة بغض النظر عن العمر والجنس والانتماء السياسي أو الحزبي أو غيرها من الاعتبارات التي فرضت علينا واقعاً جديدا في الحكم والإدارة، وما ترتب عليه من مظاهر الإحباط وتراجع الانتماء الوطني الذي قد يعتبر مؤشرا على عدم مقدرتنا لمواجهة التحديات الحالية أو المحتملة والتي تنذر بـالانهيار المؤسساتي والوطني في وطن محتل.

إن مقدار ما يُصرف على الشكل الخارجي من مظاهر الزينة والترف والرفاهية في المؤسسات الوطنية يضاهي مصاريف أي بلد غير محتل، مما يشعرنا كشعب تحت الاحتلال بالخطر الذي يحيط بنزعتنا الوطنية، وهذا أيضا لا يعني أن نتخلى عن المظاهر الحياتية الهامة ولكن دون مبالغة، حيث إن ما تظهر عليه بعض المرافق العامة والمؤسسات من مظاهر ترف لا نراها في دولة العدو مثلا! في حين أن لدينا من القضايا المجتمعية والعجز المالي ما لا يعانيه أي بلد آخر. 

إن التمسك بـ "كماليات الدولة" قد أوجد ظاهرة جديدة في المجتمع، ألا وهو "الإحباط" وعدم الثقة، فإن الشتات الذي يعانيه الفلسطيني اليوم داخل وطنه قد تفوّق على مشاعر الشتات خارج الوطن.  فأن تعيش في وطن مقطّع الأوصال بفعل الانقسام الذي نأمل أن تحمل لنا الانتخابات القادمة بريق أمل بإنهائه، وما يعمد الاحتلال فرضه كواقع جديد من خلال مخططاته التي تنبثق من فكر استراتيجي يترجمه على الأرض كلما سنحت له الفرصة بذلك، بالإضافة إلى مظاهر الفساد وعدم المشاركة في اتخاذ القرارات وكبت الحريات والقتل والواسطة والمحسوبية وغياب الشفافية وانعدام الأمان الوظيفي لدى القطاع الخاص وكل ذلك وقضايا أخرى تجعل من هذا المجتمع الذي كان مترابطا وصامدا ومتكافلا وقادرا على إدارة شؤونه بنفسه مكبلا اليوم بالإحباط. ولا ننسى الالتزامات المتزايدة وارتفاع الأسعار في كل مناحي الحياة من المسكن والمشرب والتعليم وبانخفاض مستوى دخل الفرد. إن عدم ثقة الشعب الفلسطيني بقياداته ومسؤوليه والتخبط الحاصل في أروقة المؤسسات الناجم عن التنافس على المناصب بمختلف مستوياتها والتي نلمس عواقبها جميعا، بالإضافة الى استغلال الممولين بالتهديد الذي يقلق مؤسسات المجتمع المحلي في حال عدم انصياعها لمتطلباتهم كل ذلك سيجعل من الأعوام القادمة "أعوام عجاف" ستحرف الأنظار عن قضيتنا الأهم وهي استعادة ما سلبه الاحتلال، "الوطن"...

إن المطلوب في هذا الوقت الذي يشهد الاستعدادات للانتخابات التشريعية والرئاسية، أن يتم إعادة ترسيم الأولويات وصياغة أهداف ووعود أكثر واقعية تخدم المواطن الفلسطيني ومتطلبات عيشه بكرامة، بالإضافة إلى تعزيز القيم المهنية والوطنية وإعطاء سلطة القانون حريتها للنهوض بالمجتمع ومؤسساته خاصة الصحية والتعليمية، ودحر العنصرية القائمة على الجنس والدين والانتماء الحزبي، واعتماد الكفاءة كأساس لقيادة المناصب المختلفة، وإعادة هيكلة عمل المؤسسات المالية والإدارية بما يمنح الموظف الأمن الوظيفي واستغلال الموارد البشرية من قبل المسؤولين لتعمل بفعالية. وأخيراً، فإن مؤسسات القدس هي آخر القلاع المتبقة لنا في المدينة المقدسة وحماية وجودها واستمراريتها واجب وطني ومن الثوابت التي يجب إعطاؤها الأولوية.