الأحد  11 نيسان 2021
LOGO

بين أربعة جدران ومقعد خشبي.. ضرورة لتجديد نظام التعليم الفلسطيني

2021-03-02 10:23:28 AM
 بين أربعة جدران ومقعد خشبي.. ضرورة لتجديد نظام التعليم الفلسطيني
أرشيف الحدث

الحدث - ضحى حميدان

بين أربعة جدران تتسَمَّرُ على مقعدٍ خشبي لستِ ساعات في منتصفها يُسمح لك بمنتصف ساعة للاستراحة خارجاً، وما أن تنتهِ هذه الفسحة ستعود لتتسمر على ذات المقعد وبين ذات الجدران، ثم ستسمع كلاماً سردياً مملاً طوال الساعات الأخرى فقد تجد نفسك نائما دون قصد، وستسرحُ بخيالك بعيداً عن كل ما يحدثك به الظل الواقف أمامك، وستستيقظ أخيراً على توبيخة من نوع يا فلان انتبه للدرس.

هذا حال من يتوجهون للمدرسة بُغية طلب العلوم فيتلقونها ولكن مع الكثير من ساعات الملل وعدِّ الدقائق واحدةً تلو الأخرى للنجاة من نظامٍ تعليميّ تقليدي، فهل هناك أيُّ محاولاتٍ متبعة من قبل المسؤولين لقلب النظام رأساً على عقب، أو حتى تغيير الطريقة التي يتناولون بها العلوم المختلفة، بطرق قد تكونُ أكثر جذباً ومتعةً للطالب؟

قد حاولت الدول التي هُزمت في الحرب العالمية الثانية أن تدرس آثار هزيمتها، لتتفادى الخسائر الجمة التي لحقت بها، كانت اليابان من خسرت أرواحاً كثيرة، وقد صبت الدولة اهتمامها على الجيش آنذاك، ثم نقلة نوعية بعد الحرب واهتمام جمٌّ بالتعليم، والإنتاج الزراعي، واستغلال الموارد، وقد بدأت من الصفر بل أقل، ولكنها صنعت المستحيل، فنهضت ونهض شعبها وأصبحت مثالاً يطرح في كل الأمكنة والأزمنة.

التربية والتعليم محاولاتٌ غير مدروسة

هل يعني هذا فشل محاولات وزارة التربية والتعليم في استحداث طرائق جديدة للتدريس أم أنها تحاول بلا جدوى، في هذا الصدد تقول دائرة الإشراف والتدريب في وزارة التربية والتعليم، إن الوزارة لا تستطيع فرض وسائل واستراتيجيات للتعليم على كوادرها من المعلمين في المدارس، هي فقط تقدم المقترحات، والسبب في ذلك أن صاحب القرار الوحيد في اختيار الوسيلة الأنسب لإدراكه وفهمه هو الطالب، ولذلك ترى الوزارة أن كل الوسائل على تنوعها لا تُظهر أي جدوىً لا داخل الغرفة الصفية وإذا نحت تلك الوسيلة في جذب الطالب وإيصال المعنى المراد إليه.

وعلى الرغم من ذلك، فقد شهدت الوزارة في آخر 5 سنوات تطوراتٍ تكنولوجية وحاولت إدخال مفهوم التعليم الذكي إلى المدارس عبر سلسلة من الخطوات، كزيادة الحواسيب في المدارس، وتغيير المناهج، وإدخال مواد البرمجة، وصناعة ما يسمى بملف الإنجاز، والتكنولوجيا التي أدخلتها الوزارة قد لا تعني بالضرورة اللوح الذكي أو الحاسب المحمول، فحتى هذه الوسائل من الممكن أن تناسب بيئة طلاب في مدرسة، ويرفضها طلابٌ آخرون لعدم قدرتهم على التعامل معها، ولكن كل أداة تعليمية تحقق الفهم وتعين على التدريس داخل غرفة الصف، لذلك ربما يكون اللوح الذكي مهماً في بعض الأماكن لكن السبورة قد تفي بالغرض بشكلٍ أفضل في مدارس أخرى حد تعبيرها.

وبالوقوف على هذه المناسبة لأدوات التكنولوجيا من عدمها في مدرسة وأخرى، ما تفسيرها؟ لقد أحدثت وزارة التربية والتعليم تغيرات فجائية على نظامها التعليمي تحت عنوان عريض هو التعلم الذكي، فيوهَم كل من يقرأ العنوان بالتطور الحاصل في المدارس، لكن المشكلة أن الوزارة لم تُهيئ الكادر التعليمي ولا الطلاب لهذا التغيير، بناءً على ذلك هناك الكثير من المدرسين المتقدمين في العمر ولا يجيدون استخدام التكنولوجيا، كذلك فإنه وحتى اللحظة لا تزال هناك أعدادٌ من الطلاب لا يملكون حاسوباً ولا يعرفون كيف يتعاملون معه.

أما عن رأي الطلاب فقد قال كل من الطالب أحمد عبد الفتاح وسماح الريماوي أن مدرسيهم يتخبطون في الغرفة الصفية وقد تضيع الحصة مرات كثيرة نتيجة لمحاولاتهم المستمرة لتطبيق هذه التكنولوجيا الجديدة، وأما عن منهاج التكنولوجيا ودروس البرمجة فيه فقد أقرّ الطالبان أن مدرسيهم يتركونهم والحواسيب وحدهم في حصة التكنولوجيا   بعدما فشل المعلم في محاولة فهم مادة البرمجة الجديدة وتدرسيها للطلاب، وعليه فإن الطلاب يدرسون من منصة "يوتيوب" حتى يستطيعوا اجتياز امتحان الثانوية العام حسب قولهم.

محاولات معلم للابتكار

ويبدو أن هذه ليست المحاولة الوحيدة لإدخال طرق تعليمٍ جديدة، لكن هذه المرة كانت من معلمٍ في إحدى المدارس الحكومية وليست الوزارة، معلم اللغة العربية وكاتب  القصة القصير زياد خداش، ابتدع أسلوباً تعليمياً كسر فيه كل القوالب النمطية للتعلم، وخرج من روتين الحصة الدراسية الممل والمقيت حسب قوله، فهو يعتبر المدرسة سجناً وكما يحاول المعتقلون خلق ما يسليهم حاول زياد أن يخلق ما يسلي الطلاب ويحفز الإبداع لديهم، وهذا لا يكون إلا بتحويل هذا السجن لحديقة ورود أو مكان واسع من غير أسوار وهذا لن يحدث إلا بالخيال بالطبع.

واتبع زياد أسلوب الخيال بتخصيصه مساحة من دروس العربية وتحويلها لمساقٍ جديد يدعى الكتابة الإبداعية، والدافع في هذا التحول كان بسبب سؤالٍ ذكي من طالب يدعى رام،  يقول خداش: "قال لي ذات مرة لماذا لا يوجد فصل خامس يا أستاذ، حينها شعرت بالمسؤولية تجاه هذا السؤال العبقري، ثم بدأت أفكر من هناك كيف بالإمكان أن أساعد الطلاب لكي يطوروا مهارات الخيال".

وقد كسر المعلم القوالب المعهودة، فأمر الطلاب مرة بالصعود على الأدراج وتخيل أنهم عصافير، وقد أشعل لهم الشموع مرة وأمرهم بإغماض الأعين والتخيل ما يخطر في ذهنهم، ثم أخبرهم أنهم مساجين في المدرسة هيا فلنتخيل أننا نهدم سور السجن " المدرسة" وبالفعل بدأ الطلاب يركلون الجدار بأقدامهم سعياً للحرية، ومن هنا فقد لاقى أسلوب المعلم رواجاً في وسائل التواصل الاجتماعي، لأنه خارج عن المألوف ولأن الطلاب متعطشون للتغيير كما يقول زياد.

وإن لاقى هذا الأسلوب رواجاً على وسائل التواصل الاجتماعي فقد يعني ذلك تأييد فئة واسعة له، لكن هل حاولت الوزارة تبني مساق الكتابة الإبداعية بأسلوب خداش أو غيره، يقول خداش: في فلسطين كاملة لم أجد محاولات جدية لاستلهام أسلوبي عدا فئة قليلة جداً، لكن عربياً فقد وصل أسلوبي إلى عدة دول وأصبح نهجاً لهم كلبنان وبعض المدارس في المغرب، هذا ولا ينفي وجود معلمين مبدعين، لكن بدلاً من التشجيع أنا ألقى اليوم كماً هائلا من السخرية تحت عباءة "إفساد عقل الأطفال وأخلاقهم"، مع العلم أن هذا الأسلوب حقق نتائج مذهلة، لكن مجتمعنا لا يحبُّ التغيير وكسر القوالب النمطية.

وبالعودة إلى  وزارة التربية والتعليم وإمكانية أن تبنت التربية خططاً تنمي الكتابة الإبداعية كخطة خداش المستحدثة لكسر هذه الفجوة بين الطلاب أم لا، ردت أن هناك مشكلة حقيقية في الكتابة لدى الطلاب ومن وظيفة التربية أن تحل هذه المشكلة بالطبع، وذلك من خلال الطواقم العاملة في المديريات التابعة للوزارة والتي تعمل على تشخيص واقع هذه المشكلة التي تختلف أسبابها من طالب لآخر وتختلف طرق علاجها تباعاً.

ولذلك فإن التربية تشجع أي أسلوب من شأنه أن يُفهم الطلاب ويطور لغتهم، ومن ذلك أسلوب التعلم باللعب الذي يشكل محوراً أساسياً في العملية التعليمية من الصف الأول وحتى الرابع، ويكسر جمود الحصة الدراسية، وأيضاً سيساهم في إشراك الطالب في العملية التعليمية، وبالتالي إن كان هذا الأسلوب سيساعد على وصول المعلومة للطفل فأين المشكلة فيه.

الطرق تتنوع، وليس ضرورياً أن تتبع الوزارة أسلوب المعلم زياد خداش، لأن طريقته هي واحدة من الطرق التي من الممكن أن تلائم طلابا محددين في بيئة محددة، ولكن ذات الطريقة قد لا تناسب بيئة أخرى من الطلاب، ولذلك فنوعية الطلاب وبيئاتهم تحدد الوسيلة، وهذا لا يعني أن أسلوب زياد هو الوحيد العديد من الأساليب التي تثير الخيال ممكن أن تثير انتباه الطالب وتطور مهاراته.

الدراما في التعليم.. أساليب جديدة

على أي حال، يبدو أن الوزارة لا تبدي مانعاً من وجود وسائل مستحدثة بشرط أن تكون فاعلة داخل الغرفة الصفية ودون إهدار لوقت الحصة الدراسية دون فائدة حقيقية، ومؤسسات عديدة تعمل اليوم على الدراما في التعليم، الأسلوب الذي ليس جديداً على الوزراة بل تتبعه من عشرات السنين، وبالشراكة مع مؤسسات عديدة تقدم التربية والتعليم تدريبات للمعلمين حول هذا الأسلوب فما هي الدراما في التعليم؟

يقول الباحث ومدرب أساليب الدراما في التعليم معتصم الأطرش من إن الدراما ليست جديدة العهد، فوجودها مرتبط  بستينات القرن الماضي، لكن الجديد هو توظيفها في عملية التعلم، ويمكننا هنا أن نتذكر مشهدا لطالما رأيناه، مجموعة من الأطفال يلعبون بيت بيوت وكل منهم يلعب دوراً (الأم والأب والأخت وهكذا)، فطرياً طور الأطفال أسلوب تعلمهم هذا عبر إخضاع اللعبة وتطويرها لمشاهداتهم في الحياة، وعبر هكذا ألعاب يكتشف الأطفال الأفعال والأدوار الحياتية لكل فرد، من هنا جاءت فكرة الدراما في التعلم وبدأنا العمل عليها.

من الجدير بالذكر أن للدراما في التعليم نوعين، هما الدراما التكوينية التي تُستشف من البشر وطبائعهم وعلاقاتهم مع بعضهم البعض، ومثال ذلك أن يروي المعلم قصةً عن قرية عمواس المهجرة، فالهدف العام من الدرس معرفة تاريخ القرية، وبتوظيف الدراما سيروي المعلم لتلاميذه قصةً عن أحدٍ يشبههم فـ "منى" مثلاً طفلة في الصف الخامس في قرية تدعى عمواس ثم يبدأ السرد القصصي شاملاً التاريخ والأحداث ليستكشف المعلم مع طلابه في النهاية الدروس والعبر ويستذكر تاريخ القرية عبر الطلب منهم أن يرووا القصة مرة أخرى، وهكذا فقد حفظ الطلاب الدرس واستشفوا العبر وحققوا الغاية منه بأسلوب لا يشعرهم بالملل.

أما النوع الآخر فاسمه عباءة الخبير، وفيه يشارك الطالب في العملية التعليمية، فيشارك معلمه في البحث عن المعلومات فيسأل الطلاب ويتحدث ويشرح وينتقد، وبالتالي هو يضع نفسه بمكان المعلم، وهذا الأسلوب يجعل شخصيته مستقلة، فيفكر بإبداع خارج الصندوق من غير انحسار بالعملية التقليدية المعلم يشرح والطالب يُنصت.

المواد العلمية.. أساليب أخرى

ولا يقتصر الأمر على التكنولوجيا أو الخيال والدراما، فهذه كلها توظف في بعض المواد الدراسية وليست كُلها، فماذا عن المواد العلمية التي تحتاجُ لتطبيقات عملية ليراها الطالب وكي يستطيع إدراك استخداماتها فالعالم يتجه اليوم إلى إنشاء متاحف علمية، التي تعتمد على المعروضات العلمية التفاعلية، فتكون طبيعة المعروضات استكشافية تمكن التلميذ من التفاعل معها ورؤية معادلاته على شكل معروضة تفاعلية، وهكذا يحصل على العلوم من خلال اللعب والتفاعل  مع المعروضه، وباستخدامه كل الحواس ترسخ المعلومة في الدماغ، ويزداد من الربط بين ما شاهده وما تفاعل معه وما يأخذه في المدرسة، مثال ذلك معروضة بيانو التفاح، التي تصنع بطريقة معينة وحين تضغط على التفاحة تصد صوتاً موسيقيا كالبيانو، والهدف منها هو إثبات موصلية الماء للكهرباء.

كذلك فالمنهاج الدراسي يحتوي على دروسٍ تخص الفلك والفضاء، والفلك على سبيل المثال من الأشياء التي لا يستطيع التلميذ لمسها أو الوصول إليها، لذلك يقول عضو مجلس الإدارة في جمعية نوفا لعلوم الفلك والفضاء عكرمة أسمر إن إنشاء جمعيات تدعم هذا المجال وتستخدم تلسكوبات وبرامج محاكاة فلكية، ساعدت العديد من الطلاب على تكوين صورة متخيلة عما يدرسونه، مثال ذلك في منهج الصف العاشر لديهم وحدة تتحدث عن الفلك في مادة الفيزياء، وعند تفاعل الطالب مع الأنشطة الفلكية ومعروضاتها يتخيل ويكتشف، كذلك فتوظيف برامج المحاكاة الإلكترونية والرصد باستخدام التلسكوبات ونشاطات فلكية أخرى لها دور في تفاعل الطالب وفهمه لمنهجه بطريقة غير مملة.

وقد تحاول وزارة التربية والتعليم قد استطاعتها للتغيير وخلق طرقٍ شتىً لجذب الطالب وإيصال المعلومة له بشكل يغاير الطريقة الكلاسيكية، لكن التخطيط بمعرفة الخبراء وبدون عشوائية سيشكل سبيلاً أمثل لحل عقبات التعليم التي تواجهها الوزارة ومناهجها، وإن الاستفادة من تجارب الغير من الدول المتقدمة ليس عيباً، لكن على الوزارة أن تراعي فروق الظروف والأحوال التي تميز تلك البلدان عن بلدنا، ولتعمل على إصلاح هذه الفروق بدايةً قبل استلهام تجارب الغير وتطبيقها من دون دراسة فعلية على أرض الواقع.