الإثنين  17 أيار 2021
LOGO

الأمهات بين العقوق والحقوق| بقلم: عبدالله لحلوح

2021-04-17 08:17:29 PM
الأمهات بين العقوق والحقوق| بقلم: عبدالله لحلوح
عبدالله لحلوح

نحنُ مجتمعٌ عربيٌّ بالفطرة، شرقيٌّ بالخِلقة، دينيٌّ بالوراثة، نُحبُّ العادة، لدرجة أننا نجعلها أحيانًا عبادة، ونؤمنُ بالغيبيات ما صحَّ منها وما لم يصح، ونقرأُ الكتبَ العتيقة المسماة بالملاحم إذا ما رف جفنٌ، أو خرَّ نجمٌ، أو ضربت صاعقةٌ قويةٌ في إحدى ليالي الشتاء مئذنةَ جامعٍ مهجور، ونسبِّح ليل نهار، حتى لا ننهار، ونصلّي بوضوءٍ أو بغيره، فمثلًا لو كنّا عند جماعة (ثَقّالَة)، وتعذَّر علينا طلب الوضوء والدخول للحمام، فإنه لربما اقتربَ أحدنا من صفِّ الجماعة المُفترض، وامتثلَ للإمامِ الطارئ، وسوّى نفسَه، وطأطأ رأسَه، خشوعًا وذلًّا، وصلّى على غير وضوء، حتى لا يُزعجَ الحاضرين، وربما سيحصل العكس لو كان ضيفًا عند جماعةٍ لا يُصلّون، أو مسيحيين مثلًا، فربما سيخشى أن يزعجهم لو طلب منهم أن يصلّي، مع أنه لن يزعجهم أبدًا لو فعل، فهم يؤمنون بأنَّ ( كل من على دينه الله يعينه) وأنتَ تؤمن بأنه ( لكم دينكم ولي دين) والأمر لا يحتاج لكثيرٍ من النقاش، المهم أننا شعبٌ نحبُّ التمظهرَ لا التطهُّر، فنظهرُ على طهارتنا، ونظاهرُ عليها، ونحن نظنُ أننا أولياء الله على الأرض، وأننا بصلواتنا وطَرْدٍ غذائيٍّ مع صورة سيلفي، في أول يوم من رمضان للوالدة، سيسدُّ جوعها، وسنكون قد سدَدَنا فمها أيضًا عن الامتعاض والاعتراض، أو اللوم والشتم، إن كانت تفعل ذلك.

 ومع أنَّ السادةَ مشايِخَنا ينادون أن يا عباد اللهَ قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة. ويثورُ الدعاةُ في أسئلتهم المتكررة: لماذا لا تقيمون حدود الله؟ أليس الله شاهدٌ عليكم؟ ألا تخافون أن تقفوا بين يدي رب العباد؟ إلا أنَّ العبادَ في البلاد التي دبَّ فيها الفساد، ووباء كورونا الذي فعل ما لم تستطع كتائب الموحدين والمهاجرين والأنصار، وألوية المغول والتتار من فعله، كانت كورونا قادرة على كلِّ ذلك، وربما فعلت خيرًا بنا. فمنذ أن دقَّت نار الجائحة بِحَطَبِ البشر، وأُغلِقت المساجد، وصارت الصلواتُ في الساحات، مع التباعد أو دونه، قررتُ أن أصلّي في البيت؛ درءًا للمخاطر، على قاعدة ( لا ضرر ولا ضرار) ولَم أشَأ أن أُلقي بنفسي في تهلكةٍ ما. 

ومع الجمعة الأولى من شهر رمضان الفضيل، قررتُ أن آخذ سجادتي، وأصلي جماعة مع الأخذ بكل أسبابِ العناية والوقاية، ووصلتُ متأخرًا، وكان المصلون يجتمعون في مكانٍ أشبه ما يكون بمغسلة سيارات يدوية، وكلٌّ يُقَرْبِطُ بسجادته، حتى لا ينطَّ عليها فيروسٌ هجين، والشيخُ يخطبُ ولا يُطيل، والشمسُ الحارقة، تُخرجُ من الرأسِ الفكرةَ العالقة، والأخطاء النحوية، تدبُّ في الجسدِ فتحدثُ نمنمةً في الحلق، أما المضمون في الخطبة الأولى فكان عن البرِّ والإحسان، و"تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان" وقد تطرقَ الشيخُ شزَرًا إلى طاعةِ الوالدين، وبرّهما، ثم دعا واستغفر جالسًا، ثم بدأ بالخطبة الثانية عن الأسرى، وطالب بفكِّ قيودهم، وإعادتهم إلى ذويهم بكل الطرق، ثم دعا وأقام الصلاةَ، وسلّم. 

حملتُ سجادتي مسرعًا إلى سيارتي، تلافيًا للازدحام، وتجنبًا لحرارة الشمس، التي تمزق جلد الرأس، وإذا بسيارتي محشورةٌ بين اثنتين، فاضطررتُ للانتظار، علَّ صاحبَ أحدهما يكون من بين المصلين، وبالفعل، ما هي إلا دقائق، حتى جاء رجلٌ مُدَشدِشٌ مُلتحٍ مُكرَّش، على كتفه يعلِّقُ سجادته، وعلى أذنه اليمنى يضع نقّاله، وبصوتِه الجهوَرِيِّ ينفخ ويصرخ:" إمّك على إِمّ إِمّك" فظننته يتحاورُ مع سمسارٍ باع أو سرَّبَ عقاراتٍ لليهود، فتح باب سيارته واعتدل خلف المقود دون أن يغلق الباب، وبدأ ينعر ويجعر ويفحُّ دون توقف، لقد قال كلامًا لا يُقال، وشتمَ أُمَّهُ من رأسِها حتى أخمصِ قدميها، وخلال الدقيقتين إلا قليلا من الثواني، كشف عن سجلٍّ كامل يشهد على إحسانه مع والدتِه، فهو كان قد أخذها مرةً على مطعم، ومرة جاءت زوجته ونظفت لها البيت، ومرة.... لكنها امرأة مُنكرة، جاحدة، و(......) والعياذ بالله. وهكذا انتهت المكالمة بخلاصة: " إمّك لحالك، اشبع فيها، أنا ما ليش إِم). كل هذا الكلام يصدر عن مولانا المُتدشدِش المُتكرِّش، الذي يُؤمن بالسُّنّة النبويّة، في إعفاء اللحية وحف الشوارب، والتطيُّب يوم الجمعة بعد الاغتسال، والمبادرة إلى الصف الأول، ويؤمن بكل الغيبيات التي وردت في كُتُب المُستشرقين والمُستغربين، والمستعربين والمُتَأَجْنِبين،  ولا يُؤمنُ بأنَّ الأمَّ لها حُقوق، إذا نقصت، فإنَّ ذلك غاية العقوق. أما إذا وافتْها المنيةُ قبل أن تفيها بعض حقها، فإنك يا شيخَ عصرك، ويا سلطانَ زمانك هالكٌ لا محالة.