الثلاثاء  28 أيلول 2021
LOGO

معركة سيف القدس.. مستويات ردع ومعادلات جديدة

2021-06-02 08:16:48 AM
معركة سيف القدس.. مستويات ردع ومعادلات جديدة
أرشيف الحدث

 المقاومة الفلسطينية حققت نصرها في معركة سيف القدس و"شلّت إسرائيل"

خاص الحدث

أحد عشر يوما، شن فيها الاحتلال الإسرائيلي مئات الغارات الجوية وأطلق فيها القذائف المدفعية مستهدفا منازل المدنيين في قطاع غزة ضمن معركة أطلقت عليها المقاومة الفلسطينية اسم "سيف القدس"، ارتقى خلالها مئات الشهداء وأصيب آلاف الجرحى ودمرت مئات المنازل والعمارات السكنية، دون أن يحقق الاحتلال ما أراد، مستمرا في البحث عن صورة للنصر أجمع محللوه العسكريون أنه لن يجدها في غزة.

وأكدت فضائل المقاومة الفلسطينية أن ما جرى بمثابة رسالة للاحتلال أن كفى عبثاً في القدس المحتلة، ونحن نقف على أرض صلبة، مؤكدة على أن المقاومة لن تبقى مكتوفة الأيدي، وأن هناك ميزان قوى جديداً قد انطلق من ساحات المسجد الأقصى، وأن سياسة الاستفراد بالقدس لم تعد أمراً مقبولاً لا على المستوى الشعبي ولا بالنسبة للمقاومة. كما أنّ هناك ميزان قوّة جديد قد انطلق من ساحات الأقصى والقدس المحتلّة؛ مشدّدًة على أنّ غزة كانت عند موقفها الواضح والصريح ولبت نداء القدس، حينما هتفت القدس ونادت القدس لبت غزة، ومعركة القدس لا يمكن لأحد أن يتخلّف عنها.

وأشارت حركة حماس في تصريحات للناطقين باسمها، إلى أن معادلة ربط غزة بالقدس تعني معادلة المقاومة مع الهوية وغزة تقف اليوم في مواجهة هذه الغطرسة والمخططات الإسرائيلية وتكرّس نظرية الارتباط الوطني والسياسي والديني بين كل شبر من أرض فلسطين مع الأقصى.

وهو ما أكدته كذلك حركة الجهاد الإسلامي عبر أمينها العام زياد النخالة بقوله إن المواجهة التي امتدت مع الاحتلال على طول فلسطين التاريخية هي المدد الأكبر والأهم الذي ينتظره الفلسطينيون، والمقاومون في غزة، ونحن شعب واحد يقف على نفس المسافة من القدس، وأن الاحتلال الإسرائيلي بدأ العدوان على القدس، وإذا لم يتوقف العدوان الإسرائيلي على القدس، فلا معنى للجهود السياسية لوقف إطلاق النار في غزة.

من جانبه، اعتبر أمين عام حزب الله اللبناني حسن نصر الله، إنّ دخول القدس في دائرة تهديد خطِر "دفع قيادة المقاومة إلى اتخاذ موقف تاريخي وحازم وجديد"، معتبراً أنّ "سبب المعركة الأخيرة هو حماقة قيادة العدو وغطرستها واستخفافها بالمقاومة، والخطأ في حساباتها". ووجه في الوقت ذاته تهديدات غير مباشرة للاحتلال، بأن أي مساس بالمقدسات في القدس لن يقف الرد عند حدود غزة وإنما سيشارك فيه محور المقاومة، وأن أي مساس بالقدس يعني حربا إقليمية.

وفي بداية المعركة، أشارت التقديرات الإسرائيلية، إلى أن ردة فعل المقاومة الفلسطينية على مشروع التهويد في القدس لن تتجاوز البيانات، وكان أهم خطأ في تقدير العدو أنه لم يخطر في باله أن غزة ستُقْدِم على قرار تاريخي ضخم، تبادر فيه إلى إطلاق الصواريخ على مناطق حيوية لدى الاحتلال وتبعد مئات الكيلومترات عن غزة، وأظهرت للاحتلال أن عليه النظر في تقديراته حينما يمسّ الأمر بالمسجد الأقصى.

وأجمع محللون سياسيون، على أن المقاومة الفلسطينية انتصرت بالفعل على جيش الاحتلال الإسرائيلي، رغم الفروق الهائلة في الإمكانات لكل منهما، وتمكنت المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها كتائب القسام وسرايا القدس، من تحقيق إنجازات أهمها توحيد الفلسطينيين في كامل فلسطين التاريخية من البحر إلى النهر، وقصف مناطق حيوية ذات بعد استراتيجي في الداخل المحتل، وإمطار سماء مستوطنات غزة بالصواريخ.

3000 صاروخ محلي محلي أطلقت خلال سيف القدس 

ويعتبر تكثيف المقاومة إطلاق الصواريخ باتجاه مناطق وسط فلسطين المحتلة (تل أبيب ومحيطها) من أهم العوامل التي أفشلت إسرائيل أمامها، بسبب عدم قدرة نظام الدفاع الصاروخي الإسرائيلي المعروف بالقبة الحديدية، على إحباط صواريخ المقاومة بسبب كثافتها وتركزها في وقت واحد، وسببت إحراجا كبيرا للاحتلال أمام العالم بأنها أجبرت الاحتلال على إنهاء اجتماع لمجلسه الأمني المصغر (الكابينيت) والهروب نحو الملاجئ خشية من صواريخ المقاومة التي وصلت مناطق قريبة من القدس بالتزامن مع وقت انعقاد الاجتماع، وقدرتها على مواصلة القصف في ساعات معلنة مسبقا، حيث أظهرت المعركة قدرات صاروخية مغايرة للمقاومة من حيث النوعية والكمية والمديات.

السبت الماضي، 29 مايو 2021، أكد قائد قوة قُدس في الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني، أن أكثر من 3000 صاروخ التي استخدمتها المقاومة الفلسطينية في معركة سيف القدس، كانت صناعة محلية فلسطينية، وهو ما يشير بشكل ما إلى كم التطور في إمكانيات تصنيع الأسلحة والصواريخ لدى المقاومة الفلسطينية  في غزة. 

وأظهرت المقاومة الفلسطينية، أداء مقتدرا جعل إسرائيل تتوسل بالدول الحليفة لها بأن تتوسط لدى الفلسطينيين لوقف الحرب، لكن الفلسطينيين أعلنوا أنهم لن يوقفوا ما لم يرضخ الاحتلال لشروطهم".

كما وفشلت إسرائيل بكافة أجهزتها الأمنية، في "خداع" فصائل المقاومة ومقاتليها من خلال ما أسمتها خطة "مترو الأنفاق"، وأعلنت عبر وسائل الإعلام، أنه جيشها يستعد لخوض حرب برية في القطاع، وهو ما لم يكن صحيحا، بل كان بهدف إلى خداع المقاومة في محاولة لاستهداف نحو 500 من المقاومين لحظة استعدادهم لحرب برية مع الاحتلال، حيث أكدت حركة حماس، أن غرفة عمليات المقاومة كانت لديها تقديرات تشير إلى أن الاحتلال لن يقدم على حرب برية، بسبب الخسائر التي مني بها خلال حرب 2014 على قطاع غزة من جرحى وقتلى وأسرى لدى المقاومة، فقام الطيران الحربي الإسرائيلي بشن غارات مكثفة على الأنفاق التي لم يكن يتواجد فيها سوى مجموعة صغيرة من المقاومين، والتي ظن الاحتلال من خلالها أنه دمر شبكة أنفاق المقاومة في قطاع غزة والتي تزيد عن 500 كيلو متر تحت الأرض، وهو ما نفته المقاومة التي أطلقت الصواريخ فور انتهاء الغارات الجوية الإسرائيلية باتجاه المدن الفلسطينية المحتلة ومستوطنات غلاف غزة.

الخطة التي أجمع محللون سياسيون فلسطينيون وإسرائيليون أنها فاشلة، أعدت منذ سنوات ومبنية على ما حدث عام 2014، عندما تفاجأ جيش الاحتلال بفعالية الأنفاق، التي تم خطف الجنود من خلالها، وخرج لهم المقاتلون بالآلاف ووصلوا فيها لمواقع جيش الاحتلال ومواقع تمركزه، واعتبر قرارا متسرعا من قبل "قائد" يريد تحقيق نصر سريع، بحيلة لم تنطلِ على المقاومة، التي اتخذت قرارها بمنع إنزال القوات المقاتلة للأنفاق، وأبقتهم على أهبة الاستعداد، وأطلقت حملة مضادة تستهدف القوات المحتشدة على بعد عدة كيلومترات، التي وضعها جيش الاحتلال للتمويه، واستخدمت فيها المقـاومة لاحقًا طائرات مسيرة مفخخة، بالإضافة إلى إطلاق الصواريخ والصواريخ الموجهة.

كما وفشل جيش الاحتلال وقادته في تقدير ردة فعل الفلسطينيين في الضفة المحتلة والداخل الفلسطيني المحتل عام  1948، حيث انطلقت هبة شعبية فلسطينية في كل مناطق تواجد الفلسطينيين، وانطلقت مظاهرات حاشدة في سابقة هي الأولى من نوعها منذ سنوات، احتجاجًا على اعتداءات الاحتلال الإسرائيليّ وانتهاكاته في مدينة القدس المحتلّة، وفي قطاع غزة المُحاصَر. وشهدت المظاهرات مواجهات مع شرطة وقوات الاحتلال التي اعتقلت وتسبّبت بإصابة عدد من المتظاهرين وارتقاء عدد من الشهداء.

ووحد إضراب الفلسطينيين الشامل في 18 مايو 2021، الفلسطينيين تحت راية واحدة وهتاف واحد، والذي عمّ كافة أرجاء فلسطين التاريخية، نضرة لغزة ورفضا للحرب الإسرائيلية عليها وعلى مدينة القدس وأهلها، بعد دعوات حكومية وأخرى من كافة المؤسسات والقوى والفصائل للمشاركة في هذا الإضراب الذي أطلق عليه "إضراب الكرامة".

وحمل الإضراب، أبعادا سياسية واقتصادية ووطنية كبيرة تجسدت خلفها وحدة الفلسطينيين بإضراب لم يشهد له مثيل على مدار السنوات الماضية، والذي تبعته مواجهات عند كافة مناطق التماس مع الاحتلال الإسرائيلي، بما أكد أن الكل الفلسطيني قادر على الوحدة إذا ما تعلق الأمر بالمقدسات والقدس، مؤكدا تجذر الفلسطينيين وعمقهم الفلسطيني، وفشل محاولات الاحتلال سلخهم عن شعبهم وأسرلتهم عبر تدجينهم وكي وعيهم خاصة في الداخل المحتل.

خسائر إسرائيلية.. مادية وبشرية

واعترف "إسرائيل" بتحقيق المقاومة خسائر بشرية وعسكرية ومادية في صفوفه، وقدّر اتحاد الصناعات الإسرائيلي خسائر الشركات الإسرائيلية، خلال الحرب الأخيرة على قطاع غزة، بنحو 1.2 مليار شيقل (368 مليون دولار)، بسبب تغيب الموظفين عن عملهم، وبقائهم في منازلهم بسبب إطلاق الصواريخ التي لم تتوقف من غزة.

وبعد يوم من وقف إطلاق النار، قدرت وزارة المالية الإسرائيلية الخسائر الأولية للاقتصاد في المواجهة الأخيرة مع فصائل المقاومة الفلسطينية بنحو 7 مليارات شيقل (2.51 مليار دولار). وقالت الوزارة حينئذ إن تقديراتها للخسائر أولية، وهي مرشحة للزيادة.

وكشفت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، أن حجم الأضرار الناجمة عن 11 يوما من القتال في معركة سيف القدس، بلغت ضعف الخسائر خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على القطاع عام 2014، كما أنه من المتوقع أن يصل حجم الخسائر التي سببتها الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة على الاقتصاد الإسرائيلي إلى حوالي 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي.

وأكدت الصحيفة العبرية أن إجمالي خسائر إسرائيل المباشرة خلال تلك الحرب على قطاع غزة، بلغ نحو 7 مليارات شيقل (2.2 مليار دولار أمريكي)، مشيرة إلى أن الحرب على غزة في العام 2014 بلغت 12 مليار شيقل، وهو ثلاثة أضعاف ما كانت عليه في الحرب الإسرائيلية الأولى على قطاع غزة، في ديسمبر/كانون الأول 2008- يناير/كانون الثاني 2009.

أكدت المقاومة الفلسطينية أنها كانت تنسق مع المقاومة في لبنان بدخول جبهة ثانية في ما لو أقدمت إسرائيل على التصعيد بشكل أكبر مما كان عليه، وكان من الإشارات الأولية على ذلك، إسقاط الاحتلال طائرة إيرانية مفخخة بمواد متفجرة على الحدود مع الأردن، والتي تبين أنها قد تكون أطلقت إما من اليمن أو من العراق، بالإضافة إلى الصواريخ التي أطلقت خلال معركة سيف القدس من جنوب سوريا وجنوب لبنان باتجاه مناطق في شمال فلسطين المحتلة، الأمر الذي كان يمهد لدخول جبهة أخرى على القتال إلى جانب المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة.

معادلة ردع جديدة 

ومع الحديث عن ميلاد معادلة ردع فلسطيني جديدة إثر قصف غير مسبوق لمناطق بتل أبيب وتعليق إقلاع جميع الرحلات من مطار بن غوريون الدولي، تظهر في حسابات المعارك المفتوحة، مخاوف أخرى من أن يفتح ذلك "نتائج كارثية” ضد غزة جراء رد إسرائيلي متهور عبر رد عنيف إسرائيلي محتمل، بحسب المراقبين، قد يكون سلاحا ذا حدين للفصائل الفلسطينية، إما لتثبيت تشكيلها ردعا جديدا للعدوان الإسرائيلي يهزم قدراته الدفاعية، مع تحملها في الوقت نفسه الذهاب لنتائج كارثية على القطاع قد لا تكون أقل مما واجهته بمواجهات سابقة.

أما حركة حماس في قطاع غزة، فقد قررت التعامل مع الأمر بشكل مختلف، عبر إرساء معادلة ردع جديدة، تجلت بمنح إسرائيل مهلة قصيرة لوقف انتهاكاتها بالقدس، وإلا فإنها ستسخدم القوة العسكرية ضدها وهو ما كان حيث قصفت المدن الإسرائيلية بالصواريخ. لكن المقاومة وجهت ضربة كبيرة للاحتلال، لتثبت أن "إذا كانت لدى الاحتلال أوراق وحشية (في الرد) فالمقاومة معها أوراق ردع" جديدة التي أسست لها الصواريخ التي سقطت على مناطق وسط فلسطين المحتلة، وسط تراجع إسرائيلي بقدرات ردعه ودفاعاته، فالمدن المحصنة والملاجئ شديدة التحصين باتت في مرمى استهداف المقاومة.

وبعد سيف القدس، أصبح هناك تفكير حقيقي لدى الفلسطينيين بإمكانية دحر الاحتلال وتحقيق الحرية والاستقلال على طريق المقاومة المسلحة، بعدما سنوات من بقاء فكرة النصر مجرد حلم.