الجمعة  17 أيلول 2021
LOGO

نزار بنات.. رأي في كل حقل والنهاية اغتيال

2021-06-29 08:31:44 AM
نزار بنات.. رأي في كل حقل والنهاية اغتيال
الناشط نزار بنات

 

 خاص الحدث

قبل عقد من الزمن لم يكن نزار بنات اسما لامعا جدا كما هو الآن أو قبل مقتله، في تلك الفترة أو المرحلة عُرف عنه نقده اللاذع لمن يطلق عليهم فلسطينيا بـ"المناديب" أي مخبري أجهزة الأمن، ولعلّ هذه الفئة كانت بالنسبة لـ "نزار" أهم مظهر للفساد، لأنه ومن وجهة نظره يعدّ تحول الفلسطيني إلى مخبر أمرا كارثيا. هذا النقد في ظل أي نظام سياسي عربي، شيء متاح، لأن هذه الفئة بالإضافة لدورها في جمع المعلومات، هي أيضا اللوح الذي يسمح للمعارضين بالكتابة عليه، وهي وعاء الآثام الذي لا يعني للنظام القائم شيئا، والخيار الممكن لتطهير المشاعر والاحتجاج.

في تلك المرحلة، كان نزار يحاول مناقشة معادلة واضحة، وهي كيف تحوّل البعض إلى روبوتات مستأجرة في مشروع أوسلو عبر تسليع الوعي والسلوك وبالتالي الإنسان، وقد اعتمد على أسلوب الصدمة في الخطاب، فلجأ إلى مصطلحات قاسية وحادة، كان يريد أن يحقق من خلالها أهدافا عدة: كسر حاجز الخوف لدى المحايدين والمترددين والذين كان يرى بهم نزار أهم ما في جمهوره المستهدف، ولذلك كان دائما ينفي عن نفسه أي صفة حزبية أو أيديولوجية. والهدف الآخر هو إحراج الخصم وتذكيره بحقيقة دوره أو على الأقل دفعه إلى العمل بسرية وخجل أكبر كما كان في البدايات، لأن الفترة التي كان يتحدث فيها نزار، اشتهرت بتوسع هذه الظاهرة وخروجها للسطح ومحاولة تطبيع الجمهور بحقيقتها.

لاحقا بدأ نزار يناقش قضايا ذات طابع اقتصادي، ولذلك اعتقد كثيرون أنه يساري، لأنه كان يؤمن بتأميم الموارد شعبيا، وضرورة معالجة مسألة سيطرة بعض القطاعات على الاقتصاد، والفساد الذي يضرب المنظومتين السياسية والاقتصادية، وكان هذا بمثابة تطور ونقلة نوعية في خطابه مكنه شيئا فشيئا من التحول إلى ناقد مزعج للنخبة ولم يعد الأمر يقتصر على هوامش المنظومة، وبذلك انتقل إلى موقع آخر في معادلة النقد لها تكاليف واعتبارات ومختلفة، لتبدأ بذلك رحلة نزار مع الاعتقالات والاعتداءات والتهديدات، والتي كان أبرزها عام 2013 عندما اعتدت عليه عناصر أمنية بلباس مدني، وتناقلت وسائل الإعلام مواقع التواصل صورته والدماء تسيل على وجهه، لتكون هذه الصورة علامة فارقة في نجومية نزار، فالدم في فلسطين مقدس، ومن يدفع ثمن أفكاره من دمه، هو الأصدق في نظر الجمهور، والأكثر شرعية.

وبالنظر إلى الأسباب التي ساعدت على صعود نجم نزار بشكل سريع ولافت، يمكن القول إن انتشار مواقع التواصل الاجتماعي ساهم في مراكمة حجم قاعدته الجماهيرية، التي استفاد من تعليقاتها وقضايا لبناء مادته النقدية وانتشارها، واعتمد على حساب شخصي خاص لا صفحة عامة معظم فترة نشاطه على مواقع التواصل الاجتماعي، لكنه تحول إلى النشر عبر صفحة عامة بفعل التضييقات التي فرضت على حسابه وأيضا لازدياد عدد متابعيه. كما أن الانقسام الفلسطيني أحبط النماذج الفصائلية وجعلها غريبة عن الناس، وأصبح الجمهور الفلسطيني ينظر للقادة الفصائليين على أنهم خدم مصالحهم الحزبية التي سحقت مصالح عامة الناس، وبالتالي فإن نقد الحالة بالضفة من قيادي في غزة والعكس، لم يُنظر إليه بكثير من المصداقية، لأن القضايا الاجتماعية تحولت إلى مواد دعائية بيد الفصائل تثيرها بهدف الاتهام والتشويه لا التغيير، لكن نزار باستقلاليته وعدم تبعيته إلى أي فصيل، تمكن من تجاوز هذه العقبة.

يضاف إلى الأسباب السابقة أنه ناقد من داخل جغرافيا السلطة، إذ أنه لم يكن ناقدا من عواصم الدول، ومنظرا للتغيير من وراء البحار كما حال الكثير من النقاد، الذين يجدون أنفسهم بعد فترة تحت سيط انتقاد الجماهير في اتجاهين، الأول أن معظم ناقدي ما خلف الحدود يعيشون رفاهية مشبوهة، يربطها الجمهور بالأنظمة التي يعيشون تحت ظلها. الثاني، هو عدم قدرتهم على مخاطبة الجماهير بمطالبها واحتياجاتها وما يدور في خاطرها نتيجة عدم وجودهم بينها. في المقابل كان نزار يعيش هموم الناس، قريبا منهم كذلك بحكم عمله كنجار، يتعاطى قضاياهم بشكل شبه يومي، يستمع ويُسمع، يقول ويقال له، يتقن تحفيز تفكيرهم، أي أنه باختصار كان خبيرا في سيكولوجية الجمهور الفلسطيني.

في المحصلة تمكن نزار من صناعة جمهور شبكي بغالبيته معارض للسلطة الفلسطينية، وعندما يدور الحديث عن الجمهور أو مجتمع الأفكار الشبكي الخاص به، من المهم الإشارة إلى أن السنوات الأخيرة شهدت تأثيرا متزايدا لمواقع التواصل الاجتماعي كأداة لصناعة الرأي العام والاتجاهات وبالتالي الضغط على صناع القرار، وما يميز الجمهور الشبكي كذلك هو التبادلية والاعتماد، وهذا يساهم في بقاء مادة مستمرة للنقد والنقاش. تخشى السلطات أو النظام هذا النوع من المجتمعات، لأنه عصي إلى حد كبير على المتابعة والضبط، وهنا برزت قوة نزار في قيادة جمهوره والتأثير فيه بأقل التكاليف وعبر المنشور القصير والفيديو والسؤال.

لكن نزار ومع اتساع جمهوره الافتراضي والواقعي، رفع من وتيرة خطابه وأهدافه، فلم يعد مقنعا بالنسبة له أن يناقش قضايا تفصيلية جدا في معادلة أوسع بكثير، ووسع من جغرافيا خطابه في ظل المتغيرات التي طرأت على الإقليم ومن موقعه كناشط يعتبر أن الفساد الذي يقع في فلسطين هو نسخة كربونية عن ذلك الموجود في الدول العربية، وأن أزمة الفكر والتفكير والخروج عن المسلمات في وطنه هو امتداد لأزمة أعمق مرتبطة بسياقات التكوين الفكري للإنسان العربي، وحاول في الفترة التي تلت الربيع العربي أن يكثف خطابه باتجاه تفكيك الشعارات التي جاءت بها بعض الجماعات التكفيرية إلى سوريا، وانتقد الدور التركي والخليجي في الأزمة السورية، رغم معرفته أن لهذا الدور أنصار من جمهوره الذين أُعجبوا به لخطابه الداخلي فقط، ثم أخذ يناقش المفاهيم الموروثة والتقليدية التي تكبل وعي المجتمعات العربية وتستنزفها، وهو جعله عرضة لموجات نقد شديدة ووصل الحد إلى اتهامه بالكفر والخروج عن الملة وقيم المجتمع وثقافته وتقاليده، وفي هذه الحالة واجه جزءا من جمهوره، لكنه وكما يروي عنه أحد أصدقائه كان يرى بأن مواءمة الطرح فكريا للحفاظ على الرصيد التقني من أخطر ما يمكن أن يصل إليه دعاة التغيير، فرفض الانشغال في قضايا الفساد في فلسطين فقط، واعتبر أن مهمة المثقف أكبر من مزاج الجمهور حتى لو كان جمهوره، وأن التغيير الواعي لا يراعي الأفكار العميقة، وبالتالي كان نزار عرضة في بعض المرات للهجوم من محبيه.

إذن، أزمة نزار لم تكن مع نظام سياسي بقدر ما كانت مع عقل عربي لا يقبل الآخر، ويصف كل فكرة وقيمة لا تتوافق معه بـ"المشبوهة". أما عن أزمته مع السلطة الفلسطينية، والتي هي صلب الحديث ومحوره، فقد اتسمت في البداية أنها ضمن البعد المتاح كما أوضحنا أعلاه، لكنها أصبحت تلامس الخطوط الحمراء بالنسبة للسلطة، التي ترى أن النقد له سقف لا يجب تجاوزه، يتمثل في النخبة السياسية الحاكمة وسلوكها على المستويين الداخلي والخارجي، ولعلّ أخطر ما في هذين المستويين هو العلاقة مع الاحتلال بكافة تفرعاتها، الأمنية والسياسية والاقتصادية.

لا يؤمن نزار باتفاق أوسلو ومخرجاته ومؤسساته، وكان لافتا في مرحلة ما أنه قرر خوض الانتخابات التشريعية، وهذا التحول في سلوكه كان أوضح إشارة على ذكاء الرجل وبرغماتيته على عكس ما ينظر إليه كشخص حاد لا حلول وسط لديه. كانت هذه المشاركة بالنسبة لنزار ليست أكثر من حصانة قانونية لنقده الذي بدأت تنظر له السلطة بمزيد من الخطورة. سبق هذا الترشح، اعتقاله عدة مرات على يد الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وكان يُفرج عنه تحت ضغط الشارع ومواقع التواصل الاجتماعي.

في الأشهر الأخيرة من عمر نزار، أصبح أكثر إيمانا بأن السلطة وفتح مختطفتان من قبل جهة أو مجموعة أشخاص متنفذين، وهو ما عبر عنه باستمرار، وهذا انعكس بدوره على خطابه، فأصبحت تتردد أسماء بعينها في حديثه، وهذا ضاعف من خطورة موقفه ونقده، لأن الأنظمة العربية بشكل عام والفلسطيني منها، يدافع عن حقيقة من يقود النظام لا عن حقيقة النظام، وقد أدرك نزار الأمر تماما بحكم معرفته العميقة في طبيعة هذه الأنظمة، وعندما أُلغيت الانتخابات التشريعية أصبح أكثر إيمانا بأنه يحتاج لحصانة أخرى، فكانت رسالته للاتحاد الأوروبي، التي يمكن الافتراض أن الهدف منها ليس ما كتب فيها، وإنما وضع اسمه كمعارض على طاولة الاتحاد الأوروبي وبالتالي تذكير السلطة بأن المساس به قد يحرجها، لكن ذلك لم ينجح، وبعد شهرين من الملاحقة والمطاردة والاختفاء، تمكنت قوة من الأجهزة الأمنية من الوصول إليه وقتله، وقد كان على علم بقرار اغتياله مسبقا، لتبدأ الجماهير بالتظاهر والاحتجاج نيابة عن الدم والكلمة وحتى كتابة هذه الكلمات لا أحد يعلم إلى أين تسير الأمور.