الإثنين  02 آب 2021
LOGO

إدغار موران قرن من الحكمة في ثلاثة دروس

2021-07-12 11:36:09 AM
إدغار موران قرن من الحكمة في ثلاثة دروس
إدغار موران

ترجمة رولا سرحان

إدغار موران هو عالم اجتماع فرنسي، أنثروبولوجي ومؤرخ وفيلسوف. ويعتبر واحدا من آخر المفكرين العظماء في العصر الذهبي للفكر الفرنسي في القرن العشرين. ألّف أكثر من 60 كتابًا حول قضايا تنوعت ما بين السينما إلى الفلسفة، ومن السياسة إلى علم النفس، ومن الإثنولوجيا إلى التعليم. ألف سلسلة فكرية ضخمة بعنوان "الطريقة" La Méthode ، نُشرت على امتداد ما يقارب  30 عامًا، ولم يتعب أبدًا من شرح كيف تقدم أطروحة (الفكر المركب) الذي ينبثق من كتاباته أفضل نهج لفهم العالم بكل تنوعه. ما يقصده إدغار موران بالتركيب، فهو أن الكيان الواحد مركب من أجزاء، وهذه الأجزاء يمكن أن تفهم على أنها وحدات كلية مركبة. فالشجرة مثلا هي وحدة واحدة مركبة مكونة من أجزاء من قبيل الأغصان والأوراق والجذع، وكل جزء من هذه الأجزاء يمكن دراسته كوحدة مركبة بحد ذاتها. وبالتالي، يصبح التركيب من وجهة نظر موران هو السمة التي تشكل الواقع كما نعرفه على شكل وقائع وأحداث. فمن وجهة نظره يخضع المجتمع الإنساني إلى مبدأ التركيب باعتباره مكونا من أجزاء مركبة هي الأخرى. بالتالي، يكون السؤال الأساسي عند موران هو كيفية الاستفادة من هذا التركيب كأساس لرفض الاختزالية والإقصاء والانفصال الذي يؤدي إلى الدخول في صراع بدلا من التكاملية مع الآخر. لذا يقترح ادغار موران، التعاطي مع الفكر المركب كمبدأ للتعايش وقبول الآخر. 

وهو يشرح فكرته في إحدى مقابلاته فيقول: "إن جميع مجالات معرفتنا مقسمة ومنفصلة عن بعضها البعض، بينما يجب أن تكون مترابطة (...) ولتحقيق ذلك، والحصول على فهم أفضل لمثل هذا التركيب، كان علي أن أرسي عددًا من المبادئ، بما في ذلك ما أسميه مبدأ الحوار، ووفقًا للحالات يمكن أن تكون تلك المبادئ متكاملة ومتضاربة. أعطيت مثالاً عن الثقافة الأوروبية، التي تشكلت من خلال العداء التكميلي لثقافتين متنافستين، إحداهما يهودية مسيحية والأخرى يونانية رومانية. وهم يشكلون معًا وحدة معقدة: ثقافة أوروبية بينما تظل فيها ازدواجيتهما سليمة. في التركيب، أدرس أيضًا العلاقة بين الكل والأجزاء. أظهر أن النظام ليس فقط مجموع أجزائه، لأن تنظيمه ينتج صفات لا يمكن العثور عليها في مكوناته." ويضيف موران في ذات المقابلة: "أعتقد أنه يجب الاعتراف بهذه التناقضات والتمسك بها".

وفيما يلي ترجمة لمقالة نشرت بالفرنسية تحتفي بمرور 100 عام على ميلاد إدغار موران.

"إنسان". تلك هي أول إجابة لإدغار موران على سؤال: "من أنا؟". إنسان سيحتفل في الثامن من تموز 2021 بمرور 100 عام على ولادته. حياة غنية على المستوى الشخصي والتاريخي، مليئة بالمغامرة، مرت عليها المحبة والعزلة، والحروب - مثل تلك التي وقعت في الفترة ما بين 1939-1945 عندما شارك موران في المقاومة- وفي الأحداث الوطنية الكبرى- مثل أحداث أيار/مايو 1968- ولكنها أيضًا حياة ظهرت خلالها الثقافة الجماهيرية أو كما حدث مؤخرًا، أزمة كوفيد.

سيكون من الصعب للغاية تتبع كل ثراء هذه التجربة الطويلة لمهندس "الفكر المركب". لذلك نفضل هنا مشاركة بعض الحكم الواردة في كتابه "دروس قرن من الحياة". لأن هذا العمل، بكل صفحة فيه عبارة عن درس في العقل والحب والحكمة. كتاب قصير وغني في آن معا، ولن نسعى هنا إلى عرض توليفة الكتاب، ولكن سنعمل على استعراض ثلاثة اقتراحات منه، نأمل أن تحفز القارئ على أن يكون الكتاب ضمن قراءاته الصيفية.

الحكمة رقم 1: قاوم كل أشكال الهيمنة

بالتأكيد، الديباجة هي بحد ذاتها درس في الحكمة. وعلى الرغم من أن عنوان الكتاب هو "دروس قرن من الحياة"، إلا أن إدغار موران لا يدعي أنه يعطي دروسًا. بل على العكس من ذلك يسعى، من خلال تجربته الفريدة، إلى استخلاص بعض العبر التي يتمنى "أن تكون مفيدة للجميع، ليس فقط للتساؤل بشأن حياتهم، ولكن أيضًا لإيجاد طريقهم الخاص".

وإذا ما استطعنا أن نرى في هذه الكلمات تواضعًا فكريًا يميزه بطريقة حسنة، فإننا سنعثر إذن على الدافع الأساسي الذي حرك عمل موران حول "الفكر المركب" وهو: مقاومة أي شكل من أشكال الهيمنة أو الأيديولوجيا أو الدوغمائية أو التصنيم. وهكذا، لا تفشل هذه الديباجة في تكرار استنتاجها الواردة في المجلد الأول من كتاب "الطريقة" (La Method) (1977 ، ص 387):

"دعنا الآن نقول مباشرة إن العلم المركب لن يضطر أبدًا إلى إثبات صحته من خلال القوة الاستدلالية التي يوفرها، بل على العكس من ذلك. [...] من خلال إثراء وتغيير معنى الكلمة المراد معرفتها، إذ يدعونا التركيب لإثراء وتغيير معنى كلمة الفعل، والتي هي في العلم كما في السياسة، وبشكل مأساوي، عندما تريد أن تكون "تحريرا"، تصبح في النهاية "تلاعبا" و "استعبادا".

من الآن فصاعدًا، وبغية مقاومة الهيمنة، تماما مثلما هو الحال مع جميع أشكال القسوة والهمجية، يقترح موران: "مبدأ العمل الذي لا يأمر بل ينظم، ولا يتلاعب بل يتواصل، ولا يأمر بل يحفز". (1977 ، ص 387):

الحكمة رقم 2: كن على دراية بالتعقيد البشري

في حين أن صراعات الهوية هي صراعات عنيفة، غير أن إدغار موران يذكرنا بطريقة لطيفة بالتعقيد البشري. فهو نفسه مرتبط بعدة صفات بحسب الظروف التي عاشها، "الجنسية الفرنسية،  الأصل اليهودي السفاردي، وجزئيا إيطالي وإسباني، ومن بيئة الحوض المتوسط إلى حد كبير، وذو ثقافة أوروبية، وطفل في وطنه الأم"، لذا، فهو يذكرنا بأن "لكل شخص هوية مركبة، وإن جاز القول، كل شخص هو واحد بصيغة الجمع. "(ص 9).

بالتالي، وفيما يتعلق بمسألة الهوية الإنسانية (التي طور موضوعها على نطاق واسع في المجلد الخامس من كتاب الطريقة The Method)، فإنه يستمد منها هذه الحكمة المفيدة التي تسير جنبًا إلى جنب مع سابقتها: "رفض تجانس أو اختزال الهوية، إذ إن الوعي بالوحدة/التعددية (unitas multiplex) هو من ضرورات الصحة العقلية لتحسين العلاقات الإنسانية".

لذلك، يتعلق الأمر برؤية الذات ورؤية هذا التعقيد الثالوثي للإنسان في الآخر: الفرد - المجتمع - الأنواع. علاوة على ذلك، فإن السماح للجميع بتحقيق أنفسهم بشكل فردي واجتماعي وأنثروبولوجي هو أحد الأغراض الأخلاقية "للفكر المركب" (جنبًا إلى جنب مع المقاومة والهمجية). كما ويتم أيضا التعبير عن هذا "التعقيد البشري من خلال سلسلة ثنائية القطبية:

- الإنسان العاقل: هو (العاقل، الحكيم) وهو أيضًا "الإنسان المجنون" (مجنون، توهمي)؛

- الإنسان الفني:  (صانع الأدوات، الفني، البناء) وهو أيضًا إنسان [...] أسطوري (مؤمن، ساذج، متدين، أسطوري)؛

-الإنسان الاقتصادي: الذي يكرس نفسه لهدف تحقيق أرباحه الشخصية، ولكنه يظل غير مكتفٍ بذاته ويجب أن يفسح المجال لـ الإنسان اللاعب Homo ludens والإنسان الحر Homo Liber (الذي يمارس الأنشطة الحرة) (ص 74).

الحكمة رقم 3: عِش بشاعرية، وبالتالي بالحب

أخيرًا، دعونا نستحضر حكمة "Savoir Vivre" (إعرف كيف تعيش). قاوم الهيمنة، وبالتالي قاوم القسوة والهمجية، وكن واعياً بالتعقيد البشري وتفحص مدى تحققه، وأخيراً، عش حياة شاعرية وكن مؤمناً بالحب. في الواقع، بالنسبة لإدغار موران، فإن "المصائب، والجهود المبذولة بغية البقاء، والعمل المضني الممل، والهوس بتحقيق الربح، وبرودة العملية الحسابية والعقلانية المجردة، جميعها تسهم في هيمنة النثر [...] على حياتنا اليومية."(ص 56).

ومن ثم فإن الحاجة ملحة لإيجاد طريق الشعر والنشوة والعيش المشترك والدفء الإنساني وحب الخير. لذلك، هل يمكننا أن نأمل في العثور على هذه "الحالة الشعرية" أي "هذه الحالة من العاطفة أمام ما يبدو جميلًا و/أو محبوبًا [...] وهي حالة ثانية من النشوة التي يمكن أن تكون جميلة جدًا؟ سواء في تبادل الابتسامات، أو في التأمل في وجه أو في منظر طبيعي، أو في الحيوية الكبيرة عند الضحك، أو في الشعور بالوفرة في لحظات السعادة، أو في الانفعال الكبير في الحفلة، أو في التواصل الجماعي، أو في الرقص، أو في الموسيقى، أو خاصة في تلك الحماسة، المسكرة، المبهجة لحالة الحب المتبادل "(ص 55 - 56).

بالنسبة لإدغار موران، "الشعر الأسمى هو شعر الحب. بالتأكيد، "كل ما يقع ضمن نطاق الشغف يجب أن يخضع لمراقبة العقل كي لا نستسلم للوهم" (فالتعاون ضروري بين العقل المفتوح وحب الخير). كما ويجب أيضًا، "أن يكون كل العقل مدفوعًا بشغف، ليبدأ بشغف المعرفة". وهكذا، فإن عشاق المعرفة، والحياة، والأشخاص الذين رافقوا موران في مغامرة قرن من الحياة، تجعلُ من الممكن أن ننسب إلى إدغار موران هذه الأبيات الجميلة لفيكتور هوغو من قصيدة "الذين يعيشون، هم أولئك الذين يكافحون" (العقوبات، 1848):

ماذا، ألاَّ تحب! فلتتبع مهنة كئيبة،

بلا حلم أمامك، دون حداد على إثرك!

[...]

انظر دون احترام إلى نجمة، زهرة، امرأة!

اسع دائما لأجل الجسد، لا تبحث عن الروح!

لأجل نتائج عبثية، ابذل جهودا عبثية!

[...]

أوه لا، أنا لست واحدًا منهم! عظيم، ناجح،

متفاخر، قوي، أو مختبئ في مخابئ قذرة،

أهرب منهم، وأخاف من دروبهم المقيتة.

وأفضل أن أكون، يا نملة المدينة،

صعلوكا، جمهورا، رجالا مزيفين، قلوبا ميتة، أجناسا ساقطة،

شجرة في الغابة، روحا في حشودك!

يبقى الكثير ليقال عن كثافة الحكمة المستفادة من "دروس قرن من الحياة". وسواء أكان الأمر متعلقا بإبقاء العقل مفتوحًا للتعقيد وعدم اليقين والخطأ، أو الحاجة إلى تجديد تفكير المرء باستمرار من خلال الفحص الذاتي أو حتى من خلال المخاطر السياسية، فإن العمل غني بالموارد لـ "تعثر على طريقك الخاص".

شكرا لك عزيزي إدغار وعيد ميلاد سعيد!