الإثنين  29 تشرين الثاني 2021
LOGO

حول مطارد الضفة الغربية وسؤال الحاضنة الشعبية

2021-09-13 10:25:10 AM
حول مطارد الضفة الغربية وسؤال الحاضنة الشعبية
تعبيرية

خاص الحدث

تثار في كل عملية مطاردة أسئلة حول الحاضنة الشعبية للمطارد، الذي تلاحقه قوات الاحتلال وتجند كل الإمكانيات البشرية والتكنولوجية للوصول له، وفي حالة الأسرى الستة الذين هربوا من سجن جلبوع كان الانتقاد سيد الموقف في ما يتعلق بحاضنة المطاردين، وتطور لاتجاهات سلبية من قبيل اتهام فلسطينيي الداخل بالتخلي عن الأسرى، وقد تكون حساسية التقسيمات الداخلية الفلسطينية هي التي تقف وراء تطور هذا النقاش هذه المرة بالذات، مع الإشارة إلى أن سؤال ونقاش الحاضنة يحضر دائما بعد اعتقال أو استشهاد أي مطارد في الضفة الغربية. 

وحتى نستطيع مناقشة سؤال الحاضنة لا بدّ من إعادة تعريف "مطارد الضفة الغربية" في سياق العقيدة الأمنية الإسرائيلية التي تتعامل مع كل جبهة من الجبهات بمنطق خاص: 

أولا: يعتبر الاحتلال الإسرائيلي أن الضفة الغربية هي الجبهة الوحيدة التي نجح فيها عسكريا في العقود الأخيرة. لقد هُزم الاحتلال الإسرائيلي في جبهة لبنان وانسحب عسكريا، وفشل في معالجة تداعيات الحرب وقد اكتشف ذلك عام 2006 في حرب لبنان الثانية، ولا زال يعاني من آثار هذه الهزيمة بسبب مواصلة حزب الله تسليح ذاته. وانسحب كذلك من قطاع غزة، وفشل في محاصرة تداعيات الهزيمة، وأصبح القطاع خلال سنوات محدودة بؤرة مقاومة قادرة على زعزعة الأمن الإسرائيلي وبعد معركة مايو 2021 نظر الإسرائيليون لتطور الصواريخ وقدرات المقاومة هناك على أنها خطر وجودي مؤجل. أما الضفة فقد نجح الاحتلال في السيطرة عليها عسكريا عام 2002 ولا زال قادرا على منع انتفاضة كبيرة فيها، وهو ما يعتبره نجاحا مستمرا في هذه الجبهة منذ عام 2002، ويسوّق له لدى الجمهور الإسرائيلي باستمرار، ولذلك تشكل عمليات المقاومة والمطاردة ثقبا في آخر نجاحات إسرائيل، وهي تحاول بكل إمكانياتها منع ذلك.

ثانيا: يتعامل الاحتلال مع جبهة الضفة الغربية على أنها الأخطر من بين كل الجبهات بعد الداخل المحتل، وذلك بسبب قرب القرى والبلدات والمخيمات والمدن الفلسطينية من المستوطنات الإسرائيلية ووجود شوارع مشتركة، وبالتالي فإن أي عملية مقاومة تحمل نسبة عالية من وقوع إصابات أو قتلى، والمطارد بالنسبة للإسرائيليين هو شخص تتوفر لديه كل المقومات النفسية للقيام بعمل مقاوم، وبالتالي فهو يشكل قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي لحظة. يضاف إلى ذلك أن المقاومة في الضفة الغربية لامركزية وهذا يعطل التنبؤات المسبقة بالخطر، على عكس قطاع غزة الذي يمكن للإسرائيليين رصد بوادر التصعيد فيه نسبيا.

ثالثا: في العقد الأخير كانت معظم عمليات المطاردة في الضفة من النوع الذي يصفه الإسرائيليون بـ"الساخن" أي أنها تبدأ منذ لحظة العملية، وهذا مرتبط بطريقة تنفيذ العمليات في الفترة المذكورة، والتي تعتمد على المباشرة ونقطة الصفر، وبالتالي فإن جغرافيا المطارد بالنسبة للإسرائيليين تصبح محددة نسبيا، وهذا هو السبب وراء الاعتماد على البحث الميداني في البداية وبقوات كبيرة، وهذه الملاحقة تنطوي على أكثر من حدث: العملية، المطارد، الاقتحامات. وهو ما أكسبها زخما في التغطية الإعلامية، وبالتالي رفع من الرصيد الرمزي للمطارد. 

رابعا: يخشى الاحتلال في الضفة الغربية من ما يطلق عليه "القدوة والنموذج"، ويقصد به محاولة آخرين تقليد مقاوم نفذ عملية ضد أهداف إسرائيلية وتمكن من الانسحاب، فقد شكلت قضية "الانسحاب" من المكان رمزية لدى الفلسطينيين والإسرائيليين، بالنسبة للفلسطينيين يعدّ ذلك نجاحا كبيرا واستثنائيا وعادة ما تنشط على وسائل التواصل الاجتماعي وسوم (هاشتاق) أو منشورات تتحدث عن "الانسحاب بأمان"، فيما يشكل الانسحاب بالنسبة للإسرائيليين فشلا في الجغرافيا الأكثر مراقبة ومتابعة وتحصينا، وهذه المفارقة في الرمزية تجعل المطارد رمزا لدى الطرفين، ويضع الاحتلال كل جهده في هذه الحالة لنفي هذه الرمزية برمزية أخرى تقوم على مبدأ "يد طويلة تصل لكل مكان".

خامسا: سعى الاحتلال الإسرائيلي على مدار عقدين تقريبا على إنهاء حالة المقاومة بالضفة الغربية ليس فقط من خلال السلوك الأمني والعسكري، وإنما أيضا من خلال التدجين المبني على أسس اقتصادية وثقافية، ولذلك فإنه يرى أن احتضان المطارد من قبل مجموعة كبيرة من الناس يشكل فشلا لكل مساعيه في إنتاج الوعي الجديد لدى الفلسطيني، والذي يحدد سقفه القيمي بالتفاصيل اليومية والمعيشية، وقد ساهم سلوك السلطة الفلسطينية في تكريس هذه النظرية، وبناء على ذلك فإن توفر الحاضنة الشعبية للمطارد هي بمثابة فشل لهذه النظرية، لأن مساعدي المطارد يعلمون أنهم سيدفعون ثمن ذلك إذا اكتشف أمرهم. 

وانطلاقا من النقطة الأخيرة، يمكن البدء في نقاش سؤال الحاضنة الشعبية للمطارد، والفشل في توسيعها وتمتينها في حالة الضفة الغربية، ويمكن الإشارة إلى أوجه القصور في نقاط محددة: 

أولا: لم يكتسب مساعدو المطاردين رمزية في إطار عملية المطاردة، وهو ما جعلهم على هامش الطرح، وبالتالي أفقد الفلسطيني نماذج يمكن له أن يحتفي ويقتدي بها. لقد ركزت وسائل الإعلام الفلسطينية ومواقع التواصل الاجتماعي في أغلب عمليات المطاردة على المطارد نفسه، مغفلة ضرورة التركيز على رمزية المساعد، والذي يجب أن يتحول لفكرة عامة بدل أن يبقى فكرة خاصة.

ثانيا: غياب التوعية القانونية في ما يخص مساعدة المطاردين. إن الدارج في الوعي الجمعي في الضفة الغربية هو أن المطارد ينقل عدوى الخطورة لمساعديه، وبالتالي يصبحون معه بنفس الدرجة من الخطورة من منظور الأمن الإسرائيلي في حال تم اعتقالهم، وينظر كثيرون للمسألة بأنها مخاطرة عالية تنطوي على ثمن كبير خاصة في ما يتعلق بالاعتقال، وفي الحقيقة فإن هذا غير دقيق، إذ أن أحكام المساعدين لا تتجاوز الأشهر في غالبيتها في حال اقتصرت المساعدة على الجانب المعيشي، وبالتالي فإن هالة حجم الثمن يجب أن تتفكك في الوعي الجمعي حتى تتوسع قاعدة المستعدين للقيام بهذا الدور.

ثالثا: الفكرة الراسخة في الوعي الجمعي بقدرة الاحتلال على الوصول للمطاردين في سرعة قياسية، وهذا يجعل المساعد يفكر في عنصرين أساسيين في المعادلة: نهاية معروفة بثمن كبير. وبعضهم يفضل أن ينزع من المعادلة عنصر الثمن لأن عنصر النهاية بالنسبة له أمر حتمي، سواء كان ذلك بالاعتقال أو الاغتيال، فتتولد فكرة لديه بأن ما سيقوم به (مساعدة المطاردين) هو مغامرة معروفة النتائج لكنها تنطوي على ثمن غير ضروري. إن الفكرة الأساس التي يجب أن تترسخ في هذا السياق هي أن نهاية المطاردة تعتمد بنسبة ما على استعداد الحاضنة، وأن المساعد هو أحد عوامل الأقدار في المعادلة.

رابعا: عدم وجود طرح إعلامي وثقافي استراتيجي ومستمر في ما يتعلق بمبدأ مساعدة المطاردين، إذ أننا نكتشف في نقطة الصفر وبعد كل عملية مطاردة أهمية هذا المبدأ، ونبدأ بالنقد والجدل والنقاش حوله، لكن السؤال: ما الذي قدمناه لإنتاج صورة وفكرة عن أهميته وضرورته وقيميته؟!..  إن مساعدة المطاردين هي عنصر مهم في سياق الحالة التحررية، وتعاني من ثغرات كبيرة في الحالة الفلسطينية بسبب عدم الاكتراث بها، ولذلك فإن النقد في هذا الإطار موجه للجميع، لأنه لا يمكن بناء بيئة حاضنة فعلية للمطارد بدون بيئة ثقافية تساهم في الانخراط بالفعل.