السبت  23 تشرين الأول 2021
LOGO

الفدائيون الستة ونفق الطريق إلى القدس| بقلم: أسامة منصور أبو عرب

2021-09-24 08:55:58 AM
الفدائيون الستة ونفق الطريق إلى القدس| بقلم:  أسامة منصور أبو عرب
أسامة منصور أبو عرب

في اليوم السادس من أيلول الذي أطلّ بآيات الأمل بعد الواحدة بعد منتصف الليل رقص القمر، وبدىٰ نور الله في نوره جليّاً، فالله نور السمٰوات والأرض، وقد تماهى ذٰلك النور مع ابتسامات مزروعات على شفاه الذين ناموا ثم استفاقوا على ضجيج الفرح، إنها آيات أدخلتنا في نفق الفرح والسرور لأيام معدودات هذه المرة ثم أيام لا تنتهي قريباً إن شاء الله، فرحة لا تنتهي بنفق الطريق إلى القدس.

من قلب العزم والإرادة الصلبة والإيمان المتماسك والفكر النيّر والعلم المنير والإستعانة على قضاء الحاجة بالكتمان، كان ما كان، واحد .. إثنان .. ثلاثة .. أربعة .. خمسة .. ستة، لك أن تختار الرقم الذي تريد ثم وغداً نعلم علم اليقين، ليس كم واحداً فعل فمعظم أسرانا لديهم الارادة، لكن حَبَسَ هؤلاء هذه المرة كل قدرتهم في صناعة مطار يحلّقون منه للحرية، استخدموا رادارتهم بالمراقبة عبر حدسهم وحسهم، وعربات نقل في اكياس .. في النفايات .. مع المياه .. في الجيوب ليصنعوا مدرّج الإقلاع بكل إتقان، مستخدمين جرافاتهم الضخمة ومداحلهم الكبيرة من ملاعق وأغطية علب وأيدي قلّايات وقطع بلاستيك وقاموا بإنشاء هذا المطار الفلسطيني العظيم في يوم أسبوع شهر عام أو أكثر أو أقل، وقد رصوا المدرجات وأحسنوا البناء ليتمكن ما هو أعظم من البوينغ او الكونكورد او الـ "F 16" أو الأباتشي من الإقلاع من هناك من نفق مطار الحرية، إنهم الفرسان الفدائيين الستة.

دقة لا متناهية، بوقت الولوج ووقت الخروج خلال الحفر، كانوا يتصبّبون عرقاً وحماسةً وقوة، يمنعون حبات العرق عند انهمارها أن تصدر صوتاً، ويمنعون حماستهم ان تتعرى في المهجع او المردوان، يحافظون على قوتهم ورباطة جأشهم لينجزوا العمل، لقد قضى كل واحد فيهم سنوات طوال وهو يحلم بهذا النفق ومدى نجاعته، وبالتالي فإن لسان حالهم حاولنا ونحاول وسنظل نحاول حتى نتحرر، وعلى افتراض انهم بدؤوا عملهم الفدائي وشق الظلام نحو الحرية مرة أخرى وليس أخيرة في اليوم الأول من كانون الأول 2020، فإنهم قضوا في جهادهم ونضالهم وكفاحهم 279 يوماً حتى الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل من بداية اليوم السادس من أيلول، أي (6697.5) ساعة من العمل المتقطّع او المتواصل وفدائي يسلّم أخاه، كل ملليمتر تقدّم يساوي هزيمة نكراء لكيان نـ ا زي ومجرم، تقدّمٌ بإقدامٍ بدون مقدّمات، هجوم لا تُرفع به سوى رايات النصر، ويتدافع الفدائيون لإنجاز هذه العظمة المباركة (هذا دوري لا هذا دوري بل انا بل انا لقد ارتحت وهذا دوري ... لا انه دوري أنا)، إيثار وتضحية وحب صادق هذا ما يُحدِث فرقاً.

تفاصيل عظيمة كل تفصيلة منها حكاية طويلة عريضة ذات مغزى ومعنى عظيميْن، الحفر مستمر، والله يصنع المُعجِزات للمُعْجِزين، بتؤدة وفطنة يتخلصون من حبيبات الرمل التي أحصوا عددها كما أحصوا الثواني كما أحصوا حبّات عرقهم، واتخذوا قراراً بيوم التنفيذ مع اقتراب إتمام مطارهم الجهنميْ .. نفقهم السماويْ، لكن حدثاً محدّداً جعلهم يتخذون قراراً بالتنفيذ اليوم، فأضاء الله لهم القمر وجعل على أعين المحتلّين غشاوة.

في مساء ذٰلك اليوم تجهّز الأبطال الفدائيون المغاوير، تطهّروا للقاء الله، تباركوا من قرآنهم، وشحذوا الهمم بالصلاة، وفي ساعة الصفر يمّموا وجوههم أرض الوطن المحتل، تدفّقوا كماء سلسبيل من الفتحة التي هتكت أمن الإحتلال، وانسابوا كنبع ماء يروينا في صحرائنا التي نعيش، وقبل أن يعلم أي فلسطيني صادق وأي حر بهذا العالم بحادثة التحرّر قفزت القلوب وارتفعت وتيرة دقاتها، وعانقت السماء 6 منارات مضيئات شامخات رأتها الأمهات والأخوات والبنات، لامسها الآباء والإخوة والأبناء، وتداخلت الأشياء الجميلات بالأشياء الصادقات بالتحام نوعي عظيم ناقشة على السماء السابعة كلمة حرية.

لم تكن هناك استعدادات أخرى خارج فتحة الأمل سوى فسحة الأمل، وقد تزوّد الفدائيون المغاوير بكل ما يحتاجون قاصدين وجه الكريم، في صبيحة ذلك اليوم قفزت الناعورة كأم رؤوم وظلّلت الأرواح والأجساد بحنانها وحبها ضمتهم ليس كأنهم أبناءها بل لأنهم أبناءها العظماء (رفعتوا راسنا يمّا)، وفي جلسة تشاورية قصيرة محنّكة قرّروا التحرك بشكل مزدوج بثلاثة اتجاهات، فكان نصيب أربعة منهم جمهورية الناصرة الفلسطينية، اثنان في جبل القفزة بالناصرة وإثنان في شبلي القريبة من دبوريا فالناصرة، في تلك الايام حلّقت الناصرة ليل نهار لتحمي أبناءها الذين حرّروا أنفسهم بأنفسِهم، نسجت خيوط نسيجها جنوباً وجنوب شرق، قَرَأَت على الفرسان ترانيم حبها وعشقها، شَرَعَت لهم إنجيلها وقرآنها .. صليبها وهلالها .. أسرتهم بجمالها .. لتخفيهم في تلالها .. وأعلنَت أن من خانهم خانها، وبينما كانت الناصرة تداعب أبطالها العظماء كانت جنين تحتضن البطليْن الآخريْن وليس الأخيريْن، شحذت جنينچراد كل قواها مخيماً ومدينة وريفاً، ألقت بكل قوتها لتبارك ستة آيات فلسطينيات هي بنات بطنها عزة وكرامة، وشَبَكَت على مداخلها فوهات البنادق.

قضى أربعة فرسان فدائيين أربعة أيام في فضاء الوطن المحتل وسويعات من اليوم الخامس، فيما أمضى الفارسيْن الفدائيّيْن الآخريْن (12) يوماً وسويْعات من اليوم (13)، استطاع الستة أن يكونوا واحداً، حدّثَتْ برتقالة كانت بطريق الفرسان عن لقائها بهم، وكان ثمرها لم ينضج بَعْدْ .. بأنها اعتصرت قدرتها لتُنْضِج ستة برتقالات تطفئ ظمأهم، أما لوح الصبر فقد نفث من جنباته قدرة جعلت ثمرات الصبر تعود بعد فوات أوانها ليأكلوا، وجمّعت تينة "خرطمانيّة" ما بها من قوة لتمدّهم بالطاقة، وهكذا ناجت الأرض الطيبة أبناءها الأوفياء، امتدت الأرض التي استعدّوا للشـ ها دة لأجلها تحت أقدامهم كأنها حسّاسات لتقيهم السوء، وامتدت الأعشاب تزيدهم سرعة وتخفيهم عند الضرورة، أما أغصان الأشجار فقد اعتصرت نفسها لتزيد قطرات الندى حتى عند انتصاف النهار، نعم إنه الفعل المخالِف للطبيعة من قبل الطبيعة في ظل هذه القوة المخالفة للتوقعات في ظل كل هذا الإنهيار والتخاذل.

أطلقوا عليه اسم الخزنة وكذلك السجن الأشد تحصيناً، صرفوا على إنشائه ملايين الدولارات وجاؤوا بخبراء عالميين ليدرؤوا ما حل بهم من محاولات تحرّر نجحت في سجن شطة الـنـا زي، وأحدها قام بها جَدّ أحد الأبطال الستة، لكن ذلك كل ذلك تم انهياره عند أحذية الفدائيين الستة، "ولِسّة الحبل عالجرّار".

دفع الإحتلال بوحدات الجيش والشرطة المدعومة من كل أذرع الإجرام والنـ ا زية لا سيّما المخابرات الداخلية والخارجية (واحد حكالي شاف بينيت وليبرمان ونتنياهو بيركضو بمرج سهل ابن عامر وبنادوا زكريا محمود محمد يعقوب ايهم مناضل) لغايات إلقاء القبض على الفرسان الأبطال، الأمر الذي كلّف الإحتلال ملايين الشواقل، في الوقت الذي كان فيه يعقوب يُقشّر "كوز صبر" لمحمود، ومحمد يُقشّر حبة برتقال لزكريا، ومناضل يمزق ورقة عن "ساندويتشة فلافل" لأيهم، وهنا سقطت ما تُسمّى أسطورة الإحتلال الساقطة في عيوننا منذ زمنٍ بعيدٍ لكنها تجد لها موضعاً في قلوب وعقول الخانعين، وعند أحذية هٰؤلاء الصادقين انهارت كل العنجهية الصهيونية وسقطت الأموال والتكنولوجيا والجيش المجرم وكل الكيان الأوْهن من بيت العنكبوت، وهذا هو الحال في فلسطين المحتلة.

احتفيْنا لانتصارهم العظيم، رافقناهم كأنهم الأنبياء .. أو السمٰوات الستة ثم نقش حرية على سابع سماء، تنفّسنا الحرية المنبعثة من أنفاسهم فكانت لنا ارتقاء، تداولنا قصصهم جميعاً متى اعتقل محمود .. يا اخي اعتقل محمد .. ان يعقوب .. يا رجل لقد فعل ايهم .. بقي اشهر لمناضل .. ان مروان .. وكذلك سعدات .. قال كريم .. فعل نائل .. مرّت إسراء .. تألم عزمي .. اسـ تشـ هد الأشقر .. اسـ تشـ هد كمال .. اسـ تشـ هد مسالمة ....

في جمعة الـ 24 من أيلول وبعد أول انهطال للمطر بهذا اليوم من العام 2021، على أعتاب جنين عند مداخل المدينة وعلى مدخل كل قرية في ريفها العظيم وعند عظمة وجبروت المخيم، جاء كل شعبنا الفلسطيني من كل انحاء الوطن المحتل خان يونس دير البلح غزة جباليا بيت حانون الخليل بيت لحم رام الله والبيرة أريحا طوباس نابلس طولكرم سلفيت قلقيلية عكا حيفا يافا الناصرة كل الجليل بئر السبع وكل ما بينها جاؤوا ينتظرون الفرسان الفدائيين الستة .. لكن الفدائيين لن يأتوا .. إنهم في نفق "الطريق إلى القدس"، وهناك نلتقي إن شاء الله بالعام والوقت الذي نجعل فيه كفاحنا للحرية كل مشيئتنا بعد مشيئة الله.

المناضل القائد محمود العارضة.

المناضل القائد محمد العارضة.

المناضل القائد يعقوب القادري.

المناضل القائد أيهم الكمامجي.

المناضل القائد مناضل نفيعات.

أخيراً صديقي وأخي صاحب نمش الشظايا بوجهك .. وحكاية أمك وأخاك ورفاق دربك وسيّد قراءات عظيمة في تلافيف ينتصر فيها التنين على الصيّاد فـ "التنين شل عرضه للصياد" زكريا.

أنتم المذكورين أعلاه، لقد زرعتم الأمل وأعدتم البسمة لشفاهنا، لقد انتصرتم انتصاراً حقيقياً لكم ولشعبكم ولكل الشـ هداء والأسرى والجرحى ومرمغتم رأس هذا الإحتلال المتغطرس بالوحل .. لنا لقاء وإياكم في القدس إن شاء الله .. وقبلة على جبين كل واحد فيكم.

*بقلم: أسامة منصور أبو عرب_ بعد 18 يوماً من معركة نفق "الطريق الى القدس" الذي حفره فدائيّون فلسطينيون من جلبوع الى قلوبنا القدس".