الأحد  05 كانون الأول 2021
LOGO

الثقافة العربيّة وجائزة نوبل للآداب/ سليم بشير العابد

2021-10-17 08:11:54 AM
الثقافة العربيّة وجائزة نوبل للآداب/ سليم بشير العابد
سليم بشير العابد

يتمّ مع بداية شهر أكتوبر من كل سنة الإعلان عن جائزة نوبل في الأدب والفيزياء والكيمياء والطب والسلام والاقتصاد. 

ومنذ بضعة أيام، أعلن في السويد فوز الكاتب التنزاني عبد الرزاق غورناه بجائزة نوبل للآداب لسنة ٢٠٢١. والأديب من مواليد زنجبار سنة ١٩٤٨، وقد فرّ لاجئا إلى إنجلترا سنة ١٩٦٨ بسبب الاضطهاد العرقي.

عبد الرزاق جورنه

 نال الكاتب شهادة الدكتوراه سنة ١٩٨٢، ويعمل أستاذا محاضرا في جامعة كينت البريطانية، وله أكثر من عشر روايات باللّغة الإنجليزية ومنها: "ذكرى الرّحيل" ١٩٨٧، و"طريق الحج" ١٩٨٨ و" دوتي" ١٩٩٠، ورواية "الجنة" ١٩٩٤، ورواية "الإعجاب بالصمت" ١٩٩٦و "الهجران" ٢٠٠٥ ومن مؤلفاته أيضا: "عن طريق البحر" و "ما بعد الحياة" التي صدرت عام ٢٠٢٠، بالإضافة إلى مجموعة قصص قصيرة بعنوان "عاشت أمي في مزرعة في إفريقيا"، وصدرت سنة ٢٠٠٦، وآخر أعماله الروائية الصادرة سنة ٢٠٢١ " الهديّة الأخيرة".

 لقد مثّل القرآن الكريم وحكايات ألف ليلة وليلة وتراث اللغة الإنجليزية أهمّ مصادر الكاتب في مؤلفاته، والّتي عالج فيها قضايا الاستعمار وحق الشعوب في تقرير مصيرها وحياة المهاجرين القاسية، وقضايا العنصريّة، والتحيّز، والاندماج.

وقد منحت جائزة نوبل للكاتب عبد الرزاق جورنه لتصويره العميق والعاطفي لأثر الاستعمار في الشعوب المستعمرة وكذلك لإثارته لمصير اللاجئين في مختلف القارات والثقافات.

 لم يترجم للكاتب عبد الرزاق جورنه أي عمل بلغة الضّاد من قبل. ومثّلت الجائزة فرصة لاكتشاف هذا الأديب وترجمة آثاره للّغة العربية. فعلى الموقع الرسمي للجائزة استبانة توضّح أنّ ٩٤٪ من القراء لم يسمعوا بهذا الكاتب من قبل. ولعلّ السؤال الذي طرحه الكاتب السوداني أمير تاج السرّ حول اختيار الفائز عبد الرزاق جورنه مشروع، فلو لم يكن الكاتب مقيما بإنجلترا وكاتبا باللغة الإنجليزية لا بلغته الأصلية السواحلية أكان ليفوز بالجائزة؟

هذا السؤال يحيلنا إلى عالمنا العربي لمعرفة بعض أسباب غيابنا عن هذه الجائزة العالمية.

 ومن أهمّ هذه الأسباب تدهور ثقافة القراءة في مجتمعاتنا وضعف دور مراكز الترجمة في التعريف بأدبائنا وروائيينا كمّا وكيفا، فنصيب الدول العربية من الترجمة مجتمعة أدنى بكثير من عدد المؤلفات المترجمة في دولة مثل المجر أو إسبانيا.

كما أنّ الفهم الغربي المشوّه للثقافة العربية كرّسته أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وهو ما عبّر عنه الكاتب إدوارد سعيد في مقال له بعنوان "الأدب المحظور" نشر في كتابه "سياسات الاستلاب" فقد بيّن أنّ: "الثقافة الغربية تتعامل بعدائية مع الآداب المكتوبة باللغة العربية". ومن الأعمال الروائية العربية أو غيرها ما تمَّ ترجمته من العربية إلى الإنجليزية ليس لأسباب فنيّة أو إبداعية بقدر ما كانت الترجمة لأسباب تتعلق بالسرديات الجماعية الغربية الخاصة بالصورة الذهنية النمطية عن العالم العربي وعن الإسلام. وهو ما وضّحه بدقة كذلك الكاتب رضوان السيّد في مقدمة ترجمته لكتاب ريتشارد سوذرن "صورة الإسلام في أوروبا". ولذلك يجب أن تنهض مراكز الترجمة العربية بأنواعها بترجمة عيون المؤلفات العربية وتسويقها حتّى نتجاوز هذه الصورة النمطية والأهواء الغربية فيما يترجمه الغرب عن ثقافتنا. كما أنَّ على المترجمين العرب تجاوز فكرة أنّهم أقلّ شأنا وإبداعا من المؤلف نفسه. فلولا سامي الدّروبي وصالح العلماني ومعاوية عبد المجيد ونهلة بيضون ومحمد درويش وعبدالقادر عبد اللي وكمال أبو ديب وغيرهم لما ظفرنا بترجمات مميزة لعيون الأدب العالمي.

وبعد أكثر من ثلاثة عقود على فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل للآداب، وبعد أن عاجل الموت سعد الله ونوس قبل الفوز بالجائزة ببضعة أشهر سنة ١٩٩٧.

 وبعد أن تجاوزت الجائزة العديد من شعرائنا وكتابنا من مثل أحمد شوقي ومحمود درويش ونزار ونعيمة وجبران والحكيم وحنا مينا والطيب صالح وجمال الغيطاني وعبد الرحمن منيف وغيرهم كثر، منْ يستحقّ من روائيينا اليوم أن يترشح لنيل هذا الشرف؟

ألا يجدر بإبراهيم الكوني وواسيني الأعرج وإبراهيم نصر الله التأهّل لهذه الجائزة خاصة أن معايير الترشّح متوفرة في آدابهم بوضوح؟ هذه المعايير التي لخّصها الدكتور محمد الهادي الطرابلسي في مقال نشره في مجلة الحياة الثقافية بتونس ٢٠٠٩: في جودة الصّناعة، والنزعة الإنسانية المتجاوزة للمحليّة، وكثرة التداول مع عمق المضمون السردي، بالإضافة إلى توفّر تراجم عديدة لأهمّ أعمال هؤلاء الكتّاب.

إنّ الأعمال الروائية العربية ليست أقلّ قيمة من بعض الأعمال العالميّة وتكفي مقارنة جادّة مثل الّتي قامت بها الناقدة والروائية حفيظة قارة بيبان في مقالها المقارن: "القارئ بين هالة الجوائز وفتنة الأثر" للاقتناع بهذا الرّأي. حيث قارنت الناقدة بين رواية "القلعة البيضاء" للكاتب أورهان باموق والفائزة بجائزة نوبل سنة ٢٠٠٦ ورواية الهادي التيمومي الحديثة " قيامة الحشاشين" التي تفوقها أدبية رغم اختلاف ذائقة القرّاء ومقاربات التأويل والتقبّل. والأمر نفسه إن قارنّا بين رواية "شرف" للكاتبة أليف شافاك ورواية "شرفة العار" للكاتب إبراهيم نصر الله أو مقارنة رواية باولو كويلو التاريخية "الجاسوسة" برواية "الزيني بركات" لجمال الغيطاني لتبيّن للقارئ بوضوح مدى تميّز النصّ الأدبي العربيّ.

صفوة القول، بإرادة سياسية عربيّة في الارتقاء بوعي الشعوب، وبتشجيع مراكز الترجمة الجديّة، وبسعي الكاتب والمترجم العربيّين لاكتساب ثقة القرّاء عالميا وتحويل الثقافة العربية إلى ثقافة إضافة كونية، وبقارئ واع ومتفاعل يستكنه جمال النصّ ويعيد بناءه تستعيد هذه الثقافة بريقها.