الأحد  05 كانون الأول 2021
LOGO

اللغة العربية بعد الجائحة| بقلم: سليم بشير العابد

2021-11-24 08:46:42 AM
اللغة العربية بعد الجائحة| بقلم: سليم بشير العابد
سليم بشير العابد

لا يختلف عاقلان في أن جائحة كورونا قد خلَّفت آثارا عميقة في سلوك الطلاب، وفي تدهور مستواهم في مختلف المواد الدراسية ومن بينها مادة اللغة العربية، وهذا ما أثبتته المسوح التشخيصية التي قامت بها بعض وزارات التربية والموجهة خاصة لطلاب المرحلة الابتدائية. مما دفع العديد من هذه الوزارات في عالمنا العربي ومن بينها وزارة التربية والتعليم بالأردن وكذلك وزارة التربية بالكويت وبالسعودية وغيرها من البلدان إلى البحث عن حلول لمعالجة الفاقد التعليمي المترتب عن التدريس عن بعد. 

ومن أكثر الصفوف تأثرا بالجائحة وتراجعا في مختلف مهارات اللغة كتابة وقراءة واستماعا وتحدثا الصف الثاني ابتدائي مثلا وذلك لعدم ترسخ هذه المهارات اللغوية الأساسية في الصّف الأول. 

ومما يسترعي الانتباه أيضا تنامي عمليات الغش في هذه المرحلة الابتدائية والتي كانت نادرا ما تحصل في هذه الصفوف ولعل السبب الأساسي لذلك المساعدة التي كانت تتوفر للطالب في أثناء التقييم عن بعد. 

ومن التحديات التي واجهت المدرسين بعد العودة إلى التدريس الوجاهي الحضوري قلة تركيز الطلاب ورغبتهم المتواصلة في طلب الخروج من الصف، ويعود ذلك بالأساس إلى تحرّر الطالب من نظام الصفّ في أثناء التعليم الافتراضي.

لكنّ الوجه الإيجابي لهذه الأزمة على اللغة العربية هو استئناس الطلاب والمدرسين بما وفرته التقنية من منصات تواصل كتطبيق تيمز وتطبيق زووم وغوغل ميت وغيرها، وتصالح أغلب مدرسي اللغة العربية مع الأجهزة التقنية الحديثة للتواصل والعرض والاستماع. 

وقد وفرت الجائحة لأولياء الأمور فرصة لمتابعة درس اللغة العربية عن قرب مع أبنائهم وتعزيز دورهم كطرف فاعل في العملية التربويّة. كما دفعت الأزمة الطلاب لتطوير قدراتهم على الكتابة باللغة العربية وضبط لوحة المفاتيح على هذه اللغة بالإضافة إلى اللغة الإنجليزية أو غيرها من اللغات.

وقد سارعت جهات حكومية ومؤسسات خاصّة لتوفير قنوات تلفزيونية ومنصات دراسية أدرجت فيها موادها الدراسية إلكترونيا والمتمثلة في المناهج والمقررات والأشرطة التعليمية وأوراق العمل والقصص والواجبات وكذلك وفرت تطبيقات مثلت قنوات للتواصل مع أولياء الأمور والطلاب.

ولئن فاجأت الأزمة وبتفاوت كل دول المعمورة فإنّ اللغة العربية قد أثبتت قدرتها مرة أخرى على استيعاب مستجدات العصر حتّى في أثناء الأزمات.

إن التغيرات الاجتماعية الكبرى تحدث بالضرورة تغيرات على مستوى اللغة ودلالاتها. وقد تنزاح بعض التعابير عن معانيها الأصلية ومثال ذلك مفهوم التباعد الاجتماعي فقبل الأزمة يحمل هذا التعبير دلالات حافّة سلبية ومنها الانعزال والفردانية والوحدة والفصل لكنّ التعبير نفسه صارت له دلالات إيجابية في أثناء الأزمة ومنها الوقاية والامتثال للإرشادات الصحيّة والوعي بخطورة الوضع. 

كما ازدهر استخدام العديد من المفردات والاستعارات والمجازات أثناء فترة كورونا وخاصة ما يتعلق منها بالمعجم الطبي الوقائي أو معجم التواصل ومن بين هذه المفردات والتعابير: العزل، والحظر، والحجر، والتلقيح، والجيش الأبيض، والفيروس، والجائحة، والمسحة، والتحليل، والكمام، والتعقيم، والتعليم الهجين، والتعليم الافتراضي أو عن بعد، الموجة، السماعات، الشاشة، القمرة، الوضع الصّامت، وغيرها.

 وما يجب أن نستفيد منه بعد الجائحة هو تكريس كل المهارات التقنية التي اكتسبها مدرسو اللغة العربية وطلابها في تطوير استراتيجيات التدريس ومخرجاته، وتعزيز التفكير الإبداعي والنقدي، مع ضرورة الانتقال من مفهوم الكتاب والنص التقليديين إلى الكتب والنصوص الوسائطية وتطوير البنية التحتية الرقمية في المدارس والجامعات وكذلك تأمين الحكومات لمنصات وطنيّة وتطبيقات محليّة للتدريس عن بعد والتواصل في أثناء الأزمات.

إننا نعيش في عالم سمته التغيّر والتقلّب وتعدّد الألسن، ولكنّ مصير البشرية واحد وهو ما انكشف بوضوح في أثناء الجائحة.