الإثنين  24 كانون الثاني 2022
LOGO

اتفاقيات أوسلو من منظور مختلف.. عملية أمنية نفذها رابين لدرء خطر وجودي

2021-12-03 09:18:55 AM
اتفاقيات أوسلو من منظور مختلف.. عملية أمنية نفذها رابين لدرء خطر وجودي

ترجمة خاصة

كتب هذه المقالة التي ترجمتها الحدث، أوري وارتمان، باحث في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، وهو باحث في جامعة ساوث ويلز في المملكة المتحدة. تتناول أطروحته للدكتوراه الأمن القومي في إسرائيل في ضوء نظرية التوريق:

واجهت إسرائيل منذ عام 1948 العديد من التحديات الأمنية، كانت بعضها تهديدات أمنية عرّض وجودها للخطر. ويمكن تعريف هذه التهديدات على أنها اتجاه أو عملية أو تطور يهدد ماديًا وجود إسرائيل. من أجل التغلب على هذه التهديدات، اختارت إسرائيل العمل ضدها بطرق مختلفة. وهكذا، خلال 73 عامًا من وجودها، خاضت إسرائيل حروبًا، وعمليات عسكرية محدودة، وهجمات عسكرية مركزة، مثل تدمير المفاعلات النووية في العراق وسوريا، والجهود السرية لمنع إيران من امتلاك أسلحة نووية، واتخذت مؤخرا استراتيجية "معارك ما بين الحروب" لمنع حزب الله من الحصول على أسلحة متطورة. كانت الحالات التي اختارت فيها إسرائيل استخدام الوسائل العسكرية للتعامل مع التهديدات الأمنية كثيرة، في المقابل كانت هناك حالات اختارت فيها القيادة الإسرائيلية التصرف بوسائل غير عسكرية، كما في حالة اتفاق أوسلو.

بعد 28 عامًا من الاتفاق بين رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين والرئيس الراحل ياسر عرفات في حديقة البيت الأبيض في 13 سبتمبر 1993، لا تزال اتفاقيات أوسلو مثار جدل. إلى جانب الادعاء بأن اتفاقيات أوسلو كانت اختراقًا تاريخيًا في طريق حل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، يرى البعض أن القرار الإسرائيلي بتوقيع الاتفاقيات مع منظمة التحرير الفلسطينية كان قرارا خاطئا نابعا من الوهم بأن عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية شريكان في السلام مع إسرائيل. ومع ذلك، بينما قام آخرون بتحليل وتقديم اتفاقيات أوسلو كجزء من عملية السلام الإسرائيلية العربية وكتغيير ثقافي بين صناع القرار الإسرائيليين، تقدم هذه المقالة مقاربة مختلفة لقرار رابين لدفع العملية السلمية مع منظمة التحرير الفلسطينية إلى الأمام.

وهكذا، على الرغم من الادعاء السائد بأن اتفاقيات أوسلو كانت الخطوة الأولى في عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية، فإن الافتراض الرئيسي للمقال هو أن الاتفاقيات الثلاث الموقعة في 1995-1993 بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية كانت في الأساس خطوة أمنية تهدف إلى وقف تهديد "الدولة ثنائية القومية". لقد سبق لكتاب آخرون أن أشاروا إلى القضية الديمغرافية. ومع ذلك، في سياق اتفاقات أوسلو وقرار رابين بأن دفع عملية السلام مع منظمة التحرير الفلسطينية يقلص مخاطر التهديد الديموغرافي أو يوقفها. تستحق الدولة ثنائية القومية مزيدًا من الاهتمام، خاصة إذا أردنا قراءة اتفاقيات أوسلو كإجراء أمني، وكجزء من منظور شامل للأمن القومي.

اعتمادًا على منظور نظرية التوريق، والمعروفة أيضًا باسم نظرية الأمن، وهي إحدى النظريات الرئيسية في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية، والتي تحلل القضايا من منظور التهديدات الأمنية، تبحث هذه المقالة في كيفية استخدام إسرائيل للدبلوماسية 

من أجل درء خطر أمني. في هذا السياق، الافتراض هو أن الرغبة في خلق فصل بين إسرائيل والفلسطينيين الذين يعيشون في الضفة الغربية وقطاع غزة، هدفه تأمين مستقبل إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية، وهذا هو الاعتبار الرئيسي في دفع اتفاقيات أوسلو، وذلك للحد من خيار دولة ثنائية القومية تخسر فيها إسرائيل أغلبيتها اليهودية، وعلى هذا الأساس روج رابين لاتفاقات أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية بهدف إقامة حكم ذاتي مستقل للفلسطينيين الذين يعيشون في الضفة الغربية وقطاع غزة. اختار رابين هذا المسار لضمان أغلبية يهودية صلبة في إسرائيل، وبالتالي تأمين مستقبل إسرائيل "كدولة يهودية وديمقراطية".

على عكس الأدبيات التي تناقش الأمن القومي لإسرائيل في وجهة النظر التحليلية التقليدية، يمكن أن تكون هذه المقالة بمثابة نقطة انطلاق مناسبة لفحص عمليات صنع القرار المتعلقة بالأمن القومي للاحتلال باستخدام الأدوات النظرية. تتوزع هذه المقالة، على ثلاثة أجزاء رئيسية: في الجزء الأول، تقديم حول نظرية الأمن، والتي تطرح طريقة بديلة لوصف العملية التي تصبح فيها القضايا تهديدات أمنية. في الجزء الثاني، التركيز كيف تعاملت إسرائيل مع التهديدات الأمنية بوسائل غير عسكرية، كما يتضح من عملية أوسلو في 1995-1993. في الجزء الثالث من المقالة، مناقشة كيف يمكن استخدام النظرية الأمنية كأداة لفهم وتحليل عملية صنع قرارات الأمن القومي، مع التحليل النقدي لاتفاقيات أوسلو وتداعياتها.

إن أحد الألغاز المعروفة في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية هو كيف ولماذا يتم تصنيف بعض القضايا على أنها تهديدات أمنية لأي دولة ومواطنيها، بينما لا يُنظر إلى قضايا أخرى على هذا النحو. يتعلق هذا اللغز أيضًا بالمناقشة الأكاديمية الواسعة حول جوهر مفهوم الأمن وكيف يتم إدراكه في مختلف التخصصات في مجال العلوم الاجتماعية.

كان مفهوم الأمن يعني استخدام القوة العسكرية، بينما كانت الدولة هي الهدف الذي يجب حمايته. عرف الأمن في الماضي بالمنطقة التي تهدد فيها الدول بعضها البعض وتتحدى سيادة بعضها البعض، وتحاول فرض إرادتها على بعضها البعض. ومع ذلك، بعد نهاية الحرب الباردة، حيث بدأ مفهوم الأمن والافتراضات الأساسية حول طبيعة الكائن المراد حمايته يشغل أذهان الباحثين، وأصبحت هناك مقاربات بديلة لمسألة الأمن.

في محاولة لإعادة تعريف مفهوم الأمن على نطاق أوسع، طور باحثو مدرسة كوبنهاغن نظرية الأمن، التي تدرس العملية التي تحول من خلالها العوامل الاجتماعية إلى تهديدات أمنية. في الواقع، تقدم النظرية الأمنية مفهومًا أمنيًا أوسع، والذي لا يشمل فقط الأمن العسكري ولكن أيضًا الأمن السياسي والاجتماعي والاقتصادي والبيئي. إحدى المساهمات الأساسية لنظرية الأمن هي الطريقة التي يُنظر بها إلى مفهوم الأمن. على عكس النظرة الواقعية، التي تدرك التهديدات بشكل موضوعي، تتبنى نظرية الأمن مقاربة بنّاءة لمفهوم الأمن، والتي بموجبها لا تكون التهديدات "حقيقية" بالضرورة بل "متصورة" على هذا النحو. وبهذا المعنى، ليس من الممكن التأكد بشكل مطلق مما إذا كان التهديد "حقيقيًا" أم لا، لأن النظرية الأمنية تركز على العملية التي من خلالها تصبح القضايا تهديدات أمنية وكيف يتم إدراك هذه القضايا. في الواقع، هناك ثلاثة مكونات رئيسية في النظرية الأمنية: الأول، الكيان: كيان يُنظر إليه على أنه تحت تهديد وجودي ولديه رغبة في البقاء (على سبيل المثال، إسرائيل) ؛ الثاني - لاعب الأمن: اللاعب الذي يعلن أن قضية معينة تشكل تهديدًا أمنيًا للكيان. أما المكون الثالث، فهو الجمهور: الجمهور المستهدف الذي يحتاج إلى الإقناع بأن تهديدًا وجوديًا يتعرض له الكيان.

وفقًا لمدرسة كوبنهاغن، يمكننا التعامل مع الأمن على أنه فعل كلام. واستنادًا إلى الادعاء القائل بأن اللغة في بعض الحالات لا تصف الأشياء أو الواقع فحسب، بل تخلق أيضًا الواقع من فعل الكلام ذاته. يدعي منظرو مدرسة كوبنهاغن أن هناك "قوة سحرية اجتماعية" للغة، حيث كلمة الأمن هي الفعل، وبقولها شيء يحدث يؤثر على الواقع. على الرغم من أن الانتقال من حالة طبيعية إلى حالة تهديد أمني يبدو أنه فوري، فإن العملية التي وصفتها نظرية الأمن هي في الواقع تدريجية للغاية ونادرة جدًا، لأن الموضوع ينتقل مباشرة من فئة الحالة الطبيعية إلى فئة التهديد الأمني.

وخلاصة القول إن نظرية الأمن من أبرز النظريات في العلاقات الدولية ودراسات الأمن. يتم استخدامها لتحليل العملية التي يتم من خلالها تعريف المشكلة على أنها تهديد أمني وكيف يقرر صانعو القرار التعامل معها. ومع ذلك، على الرغم من أن إسرائيل هي حالة اختبار مناسبة للبحث في مجال الدراسات الأمنية، إلا أنها لا تتمتع بمكانة واسعة في خطاب النظرية الأمنية. ومع ذلك، فقد استخدم بعض الباحثين هذه النظرية لتوضيح كيفية تعامل إسرائيل مع التهديدات الأمنية.

في هذا السياق، يدعي باحثون أن رئيس وزراء الاحتلال أرييل شارون أمّن القضية الديموغرافية من أجل إضفاء الشرعية داخليا على خطة الانسحاب من قطاع غزة في صيف 2005. لكن على الرغم من ادعاء بعض الباحثين أن عملية أوسلو كانت مدفوعة جزئيًا بحافز التهديد الديموغرافي، لم يصف أحد منهم اتفاقيات أوسلو بأنها خطوة أمنية في ضوء النظرية الأمنية. وبالتالي، بحجة أنه يمكن تصنيف الاتفاقيات مع منظمة التحرير الفلسطينية كإجراء أمني، فإن الجزء التالي من المقالة سيحلل باستخدام أدوات النظرية الأمنية كيف اختارت إسرائيل التعامل مع تهديد وجودي - مصدره الديمغرافيا - من خلال التوقيع على اتفاقيات أوسلو.

تعتبر اتفاقيات أوسلو دراسة حالة مناسبة توضح فعلًا أمنيًا إسرائيليًا اختارت فيه إسرائيل الاتجاه نحو عملية سلام من أجل التعامل مع تهديد أمني وجودي. كانت هذه الاتفاقيات، التي تم توقيعها بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية خلال الفترة 1995-1993، نتاجًا للنهج الواقعي لرئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي آنذاك يتسحاق رابين، الذي كان يعتقد أن الصراع العربي الإسرائيلي لم يكن مفيدًا للأمن القومي لإسرائيل، وبالتالي يجب اللجوء لمسارات عمل أخرى.

وبصفته مؤيدًا لـ "نهج الفصل" بين إسرائيل والفلسطينيين، اعتبر رابين حل الدولة الثنائية القومية، الذي لن تكون فيها أغلبية يهودية راسخة داخل إسرائيل، تهديدًا وجوديًا لإسرائيل كدولة يهودية. في الواقع، حتى اندلاع الانتفاضة الأولى، أيد رابين "الخيار الأردني"، والذي بموجبه يكون الأردن شريكًا في اتفاقية مع إسرائيل من أجل حل القضية الفلسطينية. لكن الانتفاضة الأولى دفعت رابين إلى استنتاج أن الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة يضر بالأمن القومي لإسرائيل. لقد افترض أنه من أجل عدم اعتبار إسرائيل دولة فصل عنصري من قبل المجتمع الدولي، يجب عليها منح الحقوق المدنية الكاملة للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهو فعل يضر بفكرة الدولة اليهودية. لذلك، أراد رابين ضمان أغلبية يهودية صلبة تبلغ حوالي 80 في المائة من السكان الإسرائيليين.

في ضوء اعتراف رابين بأن الفلسطينيين هم في قلب الصراع العربي الإسرائيلي، كان مقتنعا بضرورة التوصل إلى اتفاق معهم أولا. في هذا السياق، اعتقد رابين أن اتفاق سلام إسرائيلي فلسطيني من شأنه أن يقلل من دافع الدول العربية لشن حرب ضد إسرائيل لاستعادة الأراضي التي احتلتها في حرب عام 1967. بالإضافة إلى ذلك، جادل رابين بأن معظم الأراضي المحتلة لن تكون ضرورية لأمن إسرائيل في عصر الصواريخ الباليستية. وهكذا، بينما كان يجادل بأن المستوطنات الواقعة في قلب الضفة الغربية ليست ضرورية لأمن إسرائيل، اعتقد رابين أنه سيكون من الممكن حماية إسرائيل في منطقة غور الأردن.

ورأى رابين أن استمرار سباق التسلح في الشرق الأوسط - والذي سيؤدي في النهاية إلى امتلاك الدول العربية المعادية للأسلحة النووية - يمثل تهديدًا لدولة إسرائيل. وبهذا المعنى، اعتقد رابين أن اتفاقية سلام إسرائيلية فلسطينية لن تضمن مستقبل دولة إسرائيل كدولة يهودية فحسب، بل ستقلل أيضًا من التهديدات التي يشكلها جيران إسرائيل المباشرون. وهكذا، جادل رابين بأنه إذا عاشت إسرائيل في سلام مع جيرانها، فإن احتمال الهجوم عليها من قبل دول أخرى مثل العراق وإيران سينخفض ​​بشكل كبير.

في هذا السياق، استندت رؤية رابين بشكل أساسي إلى الجانب الأمني​​، لا سيما منع المواقف التي قد تعرض أمن إسرائيل ووجودها للخطر. وخشي رابين أن تعود روسيا إلى كونها قوة حليفة للعرب، وأن يتمكن العراق وإيران من تطوير أسلحة نووية، الأمر الذي يقودهما إلى فرض سياساتهما ضد عملية السلام على دول أخرى في المنطقة. وإدراكًا منه أن هناك فرصة مؤقتة تكون فيها الولايات المتحدة القوة الوحيدة وإسرائيل أقوى من أعدائها في الشرق الأوسط ، يعتقد رابين أن هذه كانت لحظة بسبب التوصل إلى اتفاق سلام مع جيران إسرائيل العرب، والتي يجب أن يتم اغتنامها قبل اختفاء الفرصة. بعبارة أخرى، جادل رابين بأن الوقت يعمل ضد إسرائيل.

من ناحية النظرية الأمنية، رأى رابين، الذي لعب دور "الفاعل الأمني"، فكرة الدولة ثنائية القومية تهديدًا وجوديًا لدولة إسرائيل "كدولة يهودية وديمقراطية". من أجل القضاء على هذا التهديد، جادل رابين بأن السلام يجب أن يتحقق مع الفلسطينيين. لذلك قرر الترويج لاتفاقيات أوسلو، التي كانت من منظور النظرية الأمنية وسيلة خاصة للقضاء على فكرة الدولة ثنائية القومية، من أجل منح الحكم الذاتي للشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، وبالتالي خلق فصل كامل بين إسرائيل والفلسطينيين.

في الواقع، كانت عملية أوسلو تحركًا أمنيًا تدريجيًا، حيث تم توقيع ثلاث اتفاقيات رئيسية بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية خلال السنوات 1995-1993. في بداية ولايته، أعلن رابين أنه ينوي استكمال المفاوضات حول الحكم الذاتي للفلسطينيين في المناطق خلال ستة إلى تسعة أشهر. صرح في خطابه أمام الكنيست أن اتفاقيات السلام مع الدول العربية المجاورة ستعزز أمن إسرائيل، قائلا: "إن نية الحكومة، التي لي الحق والشرف برئاستها، هي بالفعل استغلال الفرص لتعزيز السلام مع الدول العربية ومع الفلسطينيين المقيمين في الضفة الغربية. السلام الذي لا يجلب الأمن له لا معنى له في نظري. السلام الحقيقي يزيد من أمن إسرائيل".

على الرغم من ادعائه بأن اتفاقية سلام مع الفلسطينيين ضرورية لأمن إسرائيل، فقد رفض رابين جميع المفاوضات مع منظمة التحرير الفلسطينية، المنظمة الممثلة الرسمية للفلسطينيين. في ذلك الوقت، جرت محادثات في واشنطن بين وفد إسرائيلي ووفد أردني فلسطيني، ضم بعض الشخصيات المحلية من الضفة الغربية وقطاع غزة، التي تلقت عمليا، تفويضا من قيادة منظمة التحرير الفلسطينية في تونس.

في هذا السياق، تعززت مخاوف عرفات وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية في تونس القيادة المحلية الفلسطينية في الأراضي المحتلة، سواء من قبل أنصار منظمة التحرير الفلسطينية أو من قبل حركة حماس، التي اكتسب خطها شعبية بين الجمهور الفلسطيني. وهكذا، وخوفًا من قيام قيادة فلسطينية محلية بديلة، كان عرفات يأمل في التفاوض مباشرة مع إسرائيل. في الواقع، في وقت مبكر من سبتمبر 1992، قدم رئيس منظمة التحرير الفلسطينية الحالي محمود عباس إلى إسرائيل عبر مصر اقتراحًا لفتح مفاوضات سرية مع منظمة التحرير الفلسطينية. تم تقديم اقتراح آخر لإسرائيل إلى أحد مساعدي رابين، عضو الكنيست إفرايم سنيه. لكن رابين كان مصمما على عدم التفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية وفضل صيغة المحادثات في واشنطن، حيث كان فريق فلسطيني محلي عضوا رئيسيا في الوفد الأردني الفلسطيني المشترك.

بالتزامن مع المحادثات في واشنطن، تم إنشاء قناة حوار سرية في أوسلو في يناير 1993 بين البروفيسور يائير هيرشفيلد والدكتور رون بونداك، وهما أكاديميان إسرائيليان لهما علاقة بنائب وزير الخارجية يوسي بيلين والمسؤول البارز في منظمة التحرير الفلسطينية أحمد قريع. بعد اجتماعين عُقدا خلال الفترة من يناير إلى فبراير 1993 وانتهيا بمشروع اتفاق مؤقت حول مفهوم "غزة أولاً"، أدرك بيلين أن الوقت قد حان لإخفاء وزير الخارجية بيرس. في 14 فبراير كشف بيلين لبيريس القناة السرية في أوسلو وقدم له المسودة التي يمكن أن تكون بمثابة أساس للوساطة الأمريكية بين الطرفين. بعد أيام قليلة، قدم بيريس المسودة لرابين، الذي لم يعارض من جانبه استمرار القناة في أوسلو. علاوة على ذلك، بينما أعرب رابين عن عدم ثقته فيما يحدث في النرويج، شدد على أنه يخشى أن تضر القناة الجديدة مع منظمة التحرير الفلسطينية بمحادثات واشنطن. بالتزامن مع استمرار جولتي المفاوضات في واشنطن وأوسلو، واصل رابين التحذير الصريح من خطر قيام دولة ثنائية القومية وجادل بأن الانفصال عن الفلسطينيين يجب أن يتم من أجل أمن إسرائيل.

في مايو، وافق رابين على اقتراح بيريس لزيادة مستوى المحادثات بإرسال ممثل رسمي لإسرائيل، مدير عام وزارة الخارجية أوري سافير. خلال شهري حزيران يونيو ويوليو، استمر الطرفان في الاجتماع سرا في أوسلو وعقدا خمس جولات من المحادثات. في الوقت نفسه، استغل رابين علاقة وزير الصحة حاييم رامون بمستشار عرفات أحمد الطيبي للمضي قدمًا في المفاوضات. وكانت مطالب رابين الرئيسية في جوهرها كما يلي: إجراء عملية تدريجية مع الاتفاقات المؤقتة؛ سيتم تحديد الوضع النهائي للقدس فقط خلال المحادثات الدائمة، ستبقى جميع المستوطنات في مكانها خلال الفترة الانتقالية، وستبقى السلطة الأمنية لإسرائيل.

في 16 أغسطس 1993، تلقى رابين ردًا إيجابيًا من عرفات على شروطه عبر قناة رامون الطيبي، ونتيجة لذلك قرر أن الوقت قد حان لإبرام صفقة مع منظمة التحرير الفلسطينية. في ذلك اليوم، التقى رابين وبيرس وأعطي الأخير الضوء الأخضر لإبرام صفقة، وبعد أربعة أيام، في 20 أغسطس، وقع الطرفان مذكرة تفاهم في النرويج.

في 30 أغسطس، قدم رابين الاتفاقية السرية إلى حكومته. كان واضحا أن الحكومة المؤلفة من 18 وزيرا (13 من حزب العمل، وأربعة من ميرتس وواحد من شاس) ستدعم سياسة رابين، وبالفعل وافقت الحكومة على الاتفاقية مع منظمة التحرير الفلسطينية بأغلبية 16 مؤيدا وامتناع اثنين عن التصويت. بعد التوصل إلى اتفاق الاعتراف المتبادل بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية من خلال تبادل الرسائل في 10-9 سبتمبر، تم توقيع إعلان المبادئ بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في 13 سبتمبر 1993 في واشنطن. بموجب الاتفاقية، اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل وتعهدت بمحاربة جميع "أعمال العنف"، واعترفت إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل للشعب الفلسطيني وكشريك في المفاوضات. بالإضافة إلى ذلك، اتفق الجانبان على أن الغرض من المفاوضات هو إنشاء سلطة فلسطينية للحكم الذاتي لفترة انتقالية لا تتجاوز خمس سنوات، والتي ستؤدي إلى تسوية دائمة.

على الصعيد الأمني​​، اتفق الطرفان على أنه خلال الفترة الانتقالية، ستسيطر إسرائيل على جميع المسؤوليات الأمنية في الضفة الغربية وقطاع غزة، بما في ذلك القضايا الأمنية الخارجية والمعابر الحدودية. كما تم الاتفاق على أنه خلال الفترة الانتقالية سيتم الحفاظ على الوضع الراهن للقدس الشرقية والمستوطنات الإسرائيلية، أي أن القدس الشرقية ستبقى تحت السيادة الإسرائيلية ولن يتم إخلاء المستوطنات، وسيتم مناقشة مستقبل القضيتين في محادثات الحل النهائي.

في 23 سبتمبر، بعد عشرة أيام من توقيع إعلان المبادئ في واشنطن، حظيت الاتفاقية مع منظمة التحرير الفلسطينية بتأييد الكنيست بـ 61 مؤيدًا مقابل 50 معارضًا. من منظور النظرية الأمنية، رابين (الفاعل الأمني)، الذي ادعى أن خيار الدولة الثنائية القومية يشكل تهديدًا وجوديًا لإسرائيل (الهدف)، حصل على دعم الحكومة والكنيست (الجمهور)، وبذلك يتم استكمال المرحلة الأولى من العملية الأمنية التي يقودها رابين ضد تهديد الدولة ثنائية القومية.

كانت الخطوة التالية بعد التوقيع على إعلان المبادئ هي التوصل إلى اتفاق مع منظمة التحرير الفلسطينية، يتم بموجبه نقل قطاع غزة ومنطقة أريحا إلى السيطرة الفلسطينية. وفي 13 أكتوبر 1993، بدأت المفاوضات في طابا بشأن غزة - أريحا. لكن لم يتفق الجميع في الكنيست مع سياسة رابين الأمنية، والتي بموجبها كان الاتفاق مع الفلسطينيين هو السبيل للتعامل مع تهديد دولة ثنائية القومية. وكان أبرز منتقدي رابين زعيم المعارضة بنيامين نتنياهو، الذي نقل رسالة واضحة ضد اتفاق أوسلو مع عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية، حيث ادعى نتنياهو أن اتفاقات أوسلو كانت جزءًا من "البرنامج  المرحلي" لمنظمة التحرير الفلسطينية الذي تم تبنيه عام 1974، والذي بموجبه سيتم تحرير فلسطين التاريخية على مراحل. وهكذا، وبالتوازي مع المفاوضات بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، كثف معارضو عملية السلام في الساحة السياسية الإسرائيلية احتجاجهم على ما يبدو أنه اتفاق لتسليم غزة وأريحا. وإقناع الجمهور الإسرائيلي بمعارضة العملية السياسية.

على الجانب الفلسطيني، كانت هناك أيضا عناصر معارضة لعملية السلام. فقد اعتبرت حماس والجهاد الإسلامي أن أي تسوية ومفاوضات مع إسرائيل تعتبر خيانة للمصلحة الفلسطينية. بالإضافة إلى ذلك، فهم قادة حماس أن عملية السلام مع إسرائيل أبعدتهم تمامًا عن المشاركة في مؤسسات الدولة الفلسطينية المستقبلية. ومن أجل إرباك مسار عملية السلام، بدأت حماس والجهاد الإسلامي في تنفيذ عمليات ضد أهداف إسرائيلية، قُتل فيها 12 إسرائيليًا خلال شهري أكتوبر وديسمبر 1993.

على الرغم من موجة العمليات التي نفذتها المعارضة الفلسطينية، والتي أثارت الشكوك بين الإسرائيليين حول جدوى عملية السلام مع الفلسطينيين، قرر رابين مواصلة المفاوضات مع عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية. وقد تحقق الاختراق أخيرًا في فبراير 1994، بعد أن لم يكن أمام الفلسطينيين خيار سوى قبول مطالب إسرائيل الأمنية فيما يتعلق بالسيطرة الأمنية، ولو لم يتنازل الفلسطينيون في هذه القضية، لما تم التوصل إلى اتفاق.

في غضون ذلك، في أعقاب المجزرة التي نفذها مستوطن إسرائيلي في الحرم الإبراهيمي في الخليل وقتل فيها 29 فلسطينيا في شباط 1994، تصاعدت وتيرة عمليات المقاومة الفلسطينية. بدأت حماس والجهاد الإسلامي في تنفيذ عمليات فدائية في قلب المدن المحتلة، قتل فيها 15 إسرائيليًا خلال شهر إبريل. لكن على الرغم من ذلك، قرر رابين عدم وقف المفاوضات مع عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية. في نهاية أبريل 1994، توصلت إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية إلى اتفاق غزة - أريحا، الذي نص على انسحاب إسرائيل من منطقة أريحا و 83٪ من قطاع غزة ونقل المسؤولية عن النظام العام والأمن الداخلي للسلطة الفلسطينية، وسيشرف على الأمن العام للإسرائيليين في هذه المناطق والحدود مع الأردن ومصر. بالإضافة إلى ذلك، اتفق الجانبان على إقامة السلطة الفلسطينية وقواتها الأمنية، والإفراج عن 5000 أسير فلسطيني من السجون الإسرائيلية. في 1 مايو، وافقت الحكومة الإسرائيلية بالإجماع على اتفاقية غزة - أريحا، مما أعطى رابين السلطة الرسمية لتوقيع الاتفاقية في القاهرة بعد ثلاثة أيام، في 4 مايو 1994. في 10 مايو، تم تقديم الاتفاقية للكنيست للمصادقة عليها. وافق الكنيست على اتفاق غزة - أريحا بتصويت 52 مؤيدًا وبدون معارضة بسبب غياب المعارضة الإسرائيلية.

فيما يتعلق بالنظرية الأمنية، حصل رئيس الوزراء الإسرائيلي رابين (الفاعل الأمني)، الذي جادل بأن خيار الدولة ثنائية القومية يشكل تهديدًا وجوديًا لإسرائيل (الهدف)، على موافقة الحكومة والكنيست (الجمهور). ومن هنا نجحت سياسة رابين الأمنية في اجتياز المرحلة الثانية، حيث تم الفصل الجزئي بين الإسرائيليين والفلسطينيين. بعد توقيع اتفاقية غزة - أريحا، بدأت إسرائيل في تنفيذ الاتفاقية مع منظمة التحرير الفلسطينية، ونقل السيطرة على هذه الأراضي إلى السلطة الفلسطينية وإطلاق سراح 4000 أسير فلسطيني. على الرغم من توقع رابين أن تؤدي عودة عرفات وإقامة السلطة الفلسطينية إلى تقليص حجم المقاومة الفلسطينية، واصلت حماس والجهاد الإسلامي تنفيذ عمليات فدائية ضد الإسرائيليين: في أكتوبر 1994، في تل أبيب، قتل 23 إسرائيليا، وفي يناير 1995 عند مفترق بيت ليد، قتل 21 إسرائيليا. بعد ذلك، حث رابين عرفات على نزع سلاح حماس والجهاد الإسلامي، لكن رفض مواجهة الحركتين. علاوة على ذلك، أثارت تصريحات عرفات التي قارنت اتفاقات أوسلو بـ "صلح الحديدية" شكوكًا لدى الجانب الإسرائيلي حول كون زعيم منظمة التحرير الفلسطينية شريكًا حقيقيًا للسلام معها. في الوقت نفسه، خلال جلسة الكنيست في مايو 1995، كرر رابين سياسته الأمنية، محذرًا من بديل الدولة ثنائية القومية.

في غضون ذلك، تقدمت المفاوضات، حيث اتفق الجانبان على تقسيم الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق، سيتم ضمنها تقسيم المسؤوليات الأمنية والمدنية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية (المنطقة أ: السيطرة الفلسطينية الكاملة؛ المنطقة ب: السيطرة المدنية الفلسطينية الكاملة مع سيطرة أمنية إسرائيلية كاملة؛ منطقة ج: سيطرة إسرائيلية كاملة). كما وعد رابين أنه بحلول منتصف عام 1997، ستنقل إسرائيل للفلسطينيين جميع المناطق التي لا تحظى بأهمية أمنية بالنسبة لإسرائيل، لكنه لم يحدد نطاقها.

وعلى الرغم من استمرار المفاوضات، حيث كان الطرفان على وشك الانتهاء، فقد نفذت حماس عمليتين خلال شهري يوليو وأغسطس 1995 وقتلت تسعة إسرائيليين. من أجل عدم السماح للمعارضة الفلسطينية بتحديد جدول الأعمال، أمر رابين بتعليق المحادثات لمدة أسبوع، وبعد ذلك يتم استئناف المفاوضات. وإدراكًا منه أن عرفات لم يكن يبذل جهدًا كافيًا لمحاربة المقاومة الفلسطينية، قرر رابين أنه لا يمكن الحكم على تصرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية إلا بعد الانتخابات. وبهذا المعنى، في حين قدر أنه في الوقت الذي كان من الصعب على عرفات العمل ضد المعارضة الفلسطينية قبل انتخابات السلطة الفلسطينية، اعتقد رابين أن رئيس منظمة التحرير الفلسطينية سيجد أنه من الأسهل التعاطي مع مطالب إسرائيل بعد حصوله على تفويض من الفلسطينيين.

في نهاية أغسطس، اتفق الطرفان على أن إسرائيل ستحول 26٪ من الضفة الغربية (23٪ في المنطقة أ و 3٪ في المنطقة ب) للسلطة الفلسطينية، وأن الوضع في القدس سيبقى على ما هو حتى الاتفاق الدائم. في نهاية المطاف، تم التوقيع على الاتفاقية المؤقتة (أوسلو 2) في 28 سبتمبر 1995. نصت الاتفاقية على انسحاب إسرائيل من المدن والقرى الفلسطينية خلال شهري أكتوبر وديسمبر 1995، ونقل جميع السلطات الأمنية والمدنية في هذه المناطق إلى السلطة الفلسطينية. كما اتفق الجانبان على إجراء انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني والرئاسة خلال الفترة من يناير إلى نيسان أبريل 1996، وأن تبدأ المفاوضات بشأن التسوية الدائمة في مايو 1996 وتنتهي في موعد لا يتجاوز ثلاث سنوات من ذلك التاريخ.

بعد أن وافقت الحكومة الإسرائيلية بالإجماع على اتفاقية أوسلو الثانية (مع 18 مؤيدًا وامتناع اثنين عن التصويت)، احتاج رابين أيضًا إلى دعم الكنيست لتنفيذ الاتفاقية مع منظمة التحرير الفلسطينية. انعقدت جلسة للكنيست في أكتوبر، وكرر رابين تحذيره بشأن التهديد بدولة ثنائية القومية وجادل بأنه إذا لم يتم الانفصال الكامل عن الفلسطينيين، فلن تكون إسرائيل دولة يهودية. لم يوافق جميع أعضاء الكنيست على سياسة رابين الأمنية، وتحدث زعيم المعارضة بنيامين نتنياهو وحذر من الاتفاقية المرتقبة مع منظمة التحرير الفلسطينية.

في النهاية، وافق معظم أعضاء الكنيست على سياسة رابين الأمنية، وفي 6 أكتوبر1995، صادق الكنيست على الاتفاقية المؤقتة مع 61 مؤيدًا مقابل 59 معارضًا. فيما يتعلق بالنظرية الأمنية، حصل رئيس الوزراء الإسرائيلي رابين (الفاعل الأمني)، الذي جادل بأن خيار الدولة ثنائية القومية يشكل تهديدًا وجوديًا لإسرائيل (الهدف)، على دعم الحكومة والكنيست (الجمهور). وهكذا، أكمل رابين بنجاح المرحلة الثالثة من سياسته الأمنية، مع خلق فصل بين إسرائيل والفلسطينيين.

بالنظر إلى الوراء، بعد 28 عامًا من توقيع إعلان المبادئ وإطلاق عملية أوسلو، يبدو أن تحرك رابين الأمني ​​لوقف تهديد دولة ثنائية القومية قد نجح، وإن كان جزئيًا. على عكس رؤية شمعون بيريس الرومانسية في تشكيل شرق أوسط جديد، يبدو أن رؤية رابين لخلق فصل سياسي بين إسرائيل والفلسطينيين، كما يتضح من التحليل في ضوء النظرية الأمنية، صمدت أمام اختبار الواقع. عمليا، أدت الاتفاقات الموقعة بين حكومة رابين ومنظمة التحرير الفلسطينية إلى إنشاء السلطة الفلسطينية وخلق فصل سياسي شبه كامل بين إسرائيل والفلسطينيين الذين يعيشون في الضفة الغربية وقطاع غزة - وهو وضع يضعف بشكل كبير التهديد بدولة ثنائية القومية.

في هذه المرحلة، لا يلوح اتفاق سلام إسرائيلي فلسطيني في الأفق لأسباب عديدة. لكن فيما يتعلق برؤية رابين الأمنية، كما عبر عنها في خطابه في الكنيست في 5 أكتوبر 1995، كان للفلسطينيين منذ ذلك الحين كيان أقل من دولة، بينما احتفظت إسرائيل بجميع أصولها الأمنية مثل غور الأردن، المستوطنات والقدس. وهكذا، فإن العملية الأمنية التي قادها رابين، والتي كان هدفها الأساسي خلق فصل سياسي بين إسرائيل والفلسطينيين، ساعدت في التغلب على خطر قيام دولة ثنائية القومية. من الصعب تحديد كيف تصور رابين الاتفاق الدائم مع الفلسطينيين، ولكن إذا كان خطابه في الكنيست في أكتوبر 1995 يعكس وجهات نظره، فمن المحتمل جدًا أنه لم يكن ينوي التوقيع على اتفاق دائم بين الإسرائيليين والفلسطينيين. من الممكن أن يكون رابين قد فهم حتى أن الاختلاف في المواقف بين الطرفين لم يسمح بالتوصل إلى اتفاق دائم، ونتيجة لذلك رأى في اتفاقيات أوسلو وسيلة لخلق الانفصال. حقيقة أنه واصل عملية أوسلو حتى عندما أدرك أن عرفات لم يبذل جهدًا جوهريًا لمحاربة المقاومة الفلسطينية، وهذا ما يعزز الادعاء بأن وقف تهديد الدولة ثنائية القومية وخلق الفصل كان الهدف الاستراتيجي الأول لرابين في تبني اتفاقيات أوسلو.

على الرغم من الادعاءات المبررة حول فشل عملية أوسلو، يبدو أنه على الرغم من أوجه القصور فيها، فإن التحرك الأمني ​​بقيادة رابين كان ضروريًا، ليثبت للجمهور الإسرائيلي وللمجتمع الدولي أن إسرائيل بذلت جهدًا للتوصل إلى اتفاق سلام مع الفلسطينيين.

عندما يتعلق الأمر بالتحليل النظري لعملية صنع قرار الأمن القومي، يساعدنا استخدام النظرية الأمنية وتحليل تصريحات رابين على فهم نطاق اعتباراته الواسع وتصوره لاتفاقات أوسلو كخطوة أمنية لخلق فصل سياسي بين إسرائيل والفلسطينيين. علاوة على ذلك، فإن دراسة اتفاقيات أوسلو في ضوء النظرية الأمنية توفر زاوية مختلفة لهذا الحدث التاريخي: ليس فقط اتفاقيات سلام وعملية المصالحة مع الفلسطينيين، ولكن أيضًا خطوة أمنية تهدف في المقام الأول إلى كبح تهديد الدولة ثنائية القومية، وبالتالي تأمين مستقبل إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية.

وهكذا، على غرار استخدام القوة العسكرية، فإن الدبلوماسية والاتفاقيات السياسية هي أيضًا أدوات في أيدي صانعي القرار لتحقيق الأمن، كما توضح اتفاقيات أوسلو جيدًا. لا شك في أنه في جميع اعتبارات رابين، لا بد أن تكون هناك حوافز أخرى لقراره بتبني اتفاقيات أوسلو. ومع ذلك، فإن النظر إلى اتفاقيات أوسلو في ضوء النظرية الأمنية يساعد على التركيز على الاعتبارات الرئيسية التي واجهت رابين عندما تبنى مسار أوسلو، والذي كان يهدف في المقام الأول إلى ضمان أمن ومستقبل الدولة اليهودية.

الخلاصة

في حين أن الإجراءات العسكرية هي الطريقة الأكثر شيوعًا للتعامل مع التهديدات الأمنية، فإن اتخاذ تدابير غير عسكرية مثل الدبلوماسية هي طريقة أخرى يمكن للدول من خلالها التغلب على التهديدات الوجودية. تناولت هذه المقالة، باستخدام أدوات النظرية الأمنية، كيف واجهت إسرائيل، تهديدًا وجوديًا، باستخدام الاتفاقات السياسية.

اعتراف حكومة رابين بأن استمرار الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة يشكل تهديدًا وجوديًا لمستقبل إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية، كان السبب وراء توقيع اتفاقيات مع منظمة التحرير الفلسطينية، التي أسست كيانًا فلسطينيًا في الضفة الغربية وقطاع غزة. قطاع غزة.

ومع ذلك، لم يتفق الجميع في إسرائيل مع السياسة الأمنية لرابين، وهي حقيقة تشير إلى أن التهديدات ليست بالضرورة حقيقية ولكن يُنظر إليها على هذا النحو، كما تفترض النظرية الأمنية. وهكذا، بينما كان رابين يعتقد أن الاتفاقيات مع منظمة التحرير الفلسطينية كانت من الوسائل الضرورية للتعامل مع تهديد وجودي على شكل تهديد للدولة ثنائية القومية، صرح نتنياهو أن اتفاقيات أوسلو نفسها تشكل تهديدًا وجوديًا لإسرائيل.

قدمت هذه المقالة مقاربة مختلفة لاتفاقيات أوسلو، باستخدام منظور النظرية الأمنية. وتم استعراض هذه الاتفاقيات كخطوة أمنية دفعت رابين إلى كبح جماح خطر قيام دولة ثنائية القومية. على عكس الأدبيات التي تناقش الأمن القومي لإسرائيل من خلال النهج التحليلي التقليدي، ويمكن أن تكون هذه المقالة بمثابة نقطة انطلاق مناسبة لفحص عمليات صنع القرار في مجال الأمن القومي من وجهة نظر نظرية. وسيكون من المناسب أيضًا تحليل الأحداث الأخرى التي وقعت في إسرائيل (على سبيل المثال، اتفاقيات ابراهام) ، وليس بالضرورة فحصها من منظور السلام والمصالحة.

في هذا السياق، في ظل الظروف المثلى، كان من الممكن أن تنتهي اتفاقيات أوسلو بسلام إسرائيلي فلسطيني، لكنها في الواقع كانت بالنسبة لرابين - الذي سعى إلى وقف تهديد الدولة الثنائية القومية - أداة لخلق فصل سياسي، ولو جزئيًا، بين إسرائيل والفلسطينيين.