الأحد  08 كانون الأول 2019
LOGO

قراءة في الخطة الاقتصادية للحكومة الفلسطينية

2015-04-07 01:01:05 AM
قراءة في الخطة الاقتصادية للحكومة الفلسطينية
صورة ارشيفية

 

 د. أحمد قطامش
 
 
تتكون الخطة من ستة محاور(تشجيع المنتج الوطني + تشجيع الاستيراد والاستيراد المباشر+ حماية المنتج الوطني+ تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني+ت نظيم القطاع الزراعي+ إعمار غزة). وقد أبدى القطاع الخاص ارتياحاً واستعداداً للتعاطي مع الخطة كما جاء في صحيفة الحدث (العدد 33).
 
خلفية
عرفت البشرية نموذجين تنمويين كبيرين في القرنيين الأخيرين ذلك أن المجتمعات الإقطاعية ومجتمعات نمط الإنتاج الآسيوي التي امتدت قرونا وقرونا كرست قصوراً في الديناميكبة جعلها تراوح مكانها آمادٌ طويلة.

النموذج الأول: الرأسمالي الذي اكتسح اوروبا ولاحقا امريكا ومن بعدها اليابان..الخ فنجح في بناء تشكيلة اقتصادية-اجتماعية بما اتصل بها من بنى فوقية وثقافية وعلمية وديمقراطية وليبرالية..وهو النموذج الأقوى عالمياً اليوم.

أما القوى الاجتماعية والطبقية التي قادت وانجزت هذا المشروع الاضخم، بل المرحلة التاريخية، فهي البرجوازية الصاعدة التي قادت ثورات في بريطانيا، فرنسا، ايطاليا، المانيا، امريكا...وقد تحولت هذه البرجوازية إلى رأسمالية احتكارية والآن احتكارات معولمة في عصر الثورة التقنية وانهيار المعسكر السوفييتي.

وسواء كانت هذه البرجوازية - الرأسمالية قطاعاً خاصاً او دولة رأسمالية- احتكارية بما اقامته من قطاع عام يصل احياناً 20-30 % من الاقتصاد الكلي فهي التي امسكت بدفة هذه العملية.

وعلى امتداد قرن ونصف وأكثر كان تركيزها على الاقتصاد الانتاجي وبدايته "الثورة الصناعية" الذي استوعب الشغيلة واسس المدن المعاصرة بما فيها من طبقات وشرائح جديدة وتنظيمات اجتماعية ونقابية ونسوية واحزاب سياسية ومؤسسات اكاديمية واعلامية وقواعد ضغط وحريات وحقوق..الخ.

النموذج الثاني: التنمية في مصلحة الطبقات الشعبية التي عرفتها التجربة السوفيتيية والصينية وأكثر من نصف القارة اللاتينية اليوم وبعض الولايات الهندية لا سيما كيرالا وفيتنام.. وهي لئن قادها اليسار الماركسي فأساسها الاجتماعي (كتلة تاريخية) غرامشي، تضم عمالاً وفلاحين وفئات وسطى ومهمشة، ثارت على الاوضاع من أسفل على أعلى، وحسمت الصراع الطبقي سواء بالثورة او بالانتقال السلمي البرلماني وأحرزت خطوات على طريق التحول الاشتراكي. والبداية كانت الثورة الروسية عام 1917 والصينية عام 1949. وقد سارت على نفس النهج البرجوازي من ناحية بناء قاعدة اقتصادية انتاجية وعلمية ثقافية ومؤسسات دولة عصرية، جنباً الى جنب مع تحرير ثرواتها من نهب شركات العواصم الرأسمالية، ولكن بمضامين طبقية وعلاقات إنتاج مغايرة.

والتنمية هنا انجزتها بشكل اساس الدولة التي استحوذت على مساحات واسعة من الاقتصاد والمؤسسات المتصلة به تراوحت بين 30-50% في بلدان و 70-80% في بلدان أخرى، ناهيكم عن حصة التعاونيات الانتاجية والخدمية.. وللصين الشعبية التي تنافس اليوم أمريكا في حجم الانتاج القومي السنوي ( اكثر من 17 تريلييون دولار لكل منهما) قصة أكثر تشعباً.

وعلى صعيد ان ( الديمقراطية صنو الاشتراكية) لينين، كانت لدى هذه التجارب "سكر قليل" رغم نجاحها على صعيد الديمقراطية الاجتماعية من ناحية توزيع الثروات والمنافع العامة وغياب الفجوات الطبقية الكبيرة وعدم تبلور رؤيتها للاشتراكية الديموقراطية.

 ويبدو لي ان البشرية لم تصل بعد المرحلة الاشتراكية ذلك ان الطور الاشتراكي مرهون اولاً بتطور عالٍ في (قوى الانتاج) ماركس، أي الاقتصاد والتكنولوجيا ومهارات العمال وقوتهم الانتاجية، فيما الثورات الاجتماعية التي قادها اليسار اندلعت في البلدان الاقل تطوراً (روسيا نصف الاقطاعية، نصف البرجوازية) لينين (الصين الاقطاعية) ماو، و(فيتنام الانتاج البضاعي الصغير) هوتشي منه، وامريكا اللاتينية التي بالكاد غادرت المحوطة وحكم العسكر وتشهد بدايات تحول تنموي.

النموذج الثاني فك تبعيته وارتباطه بالمركز الامبريالي، اما النموذج الاول فلم يعرف التبعية والمحوطة اصلاً، ولكن نشأت فيه قوى طبقية رأسمالية أفضت الى حربين عالميتين.

وعليه، فالسؤال النظري هنا: ما هو النموذج التنموي الذي تسعى له السلطة الفلسطينية، وكذا البرجوازية الفلسطينية من "رجال أعمال"، النموذج الذي تسعى لتأسيسه في الاراضي الفلسطينية المحتلة؟

سؤال طليق وإجابة طليقة.. بداهة أن الفقاعات الشعاراتية التي روجت بعد اوسلو عن "النمور السبعة" وما قيل عن "ثورة زراعية في اريحا" قد تبخرت، وهذا حال الاحتفال بانجاز الف مشروع والفي مشروع، ذلك ان كل هذه التمنيات لم تحقق الهدفين الكبيرين للتنمية (تخفيض نسبة البطالة وتخفيض نسبة الفقر) فالإحصاءات الرسمية تشير إلى بطالة تناهز 25% ونحو 50% في اواسط الشباب والاغلبية من خريجي الجامعات لعام  2014 (الدكتور سمير عبد الله)، اما الفقر فيتخطى 50% والنسبتين بداهة اعلى في قطاع غزة.

لكن ثمة نموا في المشروعات والجامعات... في مرحلة اوسلو.  

ولولا القطاع الحكومي الذي يستوعب ما لا يقل عن ثلث قوة العمل لتضاعف الفقر وتضاعفات البطالة.
 
ملامح بارزة في الوضع الفلسطيني الذي تتحرك فيه الخطة الحكومية
ليس الهدف تقديم دراسة معمقة او التطرق للشأن السياسي، انما ينحصر الحديث فيما يتصل بالخطة الاقتصادية للحكومة وحسب.

كان المجتمع الفلسطيني في الضفة وقطاع غزة قبل التوقيع على مبادئ اوسلو/ 93 نحو 2.3 مليون اما اليوم فقد أصبح 5 مليون (3 مليون ونيف في الضفة و2 تقريباً في غزة) بزيادة طبيعية تتراوح سنوياً بين 5-6% يتوزعون على نحو 900 الف عائلة.

اما قوة العمل الناشطة فهي تصل المليون، اي (20%) (دائرة الاحصاء) بما هو أقل من 10-12% من نسبتها في الاردن ومصر على التوالي .

وحسب دائرة الاحصاء المركزية هناك 45% يعملون في القطاع الحكومي و46%  في القطاع الخاص و9% في القطاع غير الحكومي(2012).

وهذه ارقام تحتاج الى تدقيق، ذلك انها تتجاهل توظيفات حماس في سلطة غزة (هنا ثمة رقمين 42 الف او 52 الف) ناهيكم عن اكثر من 40 الف مقاتل لحماس والجهاد في القطاع، والاف اخرى على ملاك التفريغ وهذا حال حركة فتح وارقام اخرى محدودة لبقية الفصائل التي يقيد تفريغها وضعيتها المالية.
 
اي ان القوام الذي يتلقى راتباً شهرياً لا يقل عن 300 الف وليس 170 بحسابات السلطة الفلسطينية ناهيكم عن 100 الف عائلة تصرف لها وزارة الشؤون الاجتماعية مساعدة شهرية.

اما حجم الزراعة في الداخل الوطني فهو بالكاد يصل الى 6% (دائرة الاحصاء) يمكن اضافة نسبة مشابهة اقتصاد منزلي وغير رسمي، بينما كانت نسبة الزراعة 69% قبل عام 67.

اي لقد تدهور قطاع الزراعة دون ان نتحول لمجتمع صناعي. اذ لم تنفك الصناعة المتوسطة التي تضم بين 50-100 عامل واكثر على حالها اقل من 20 مصنعاً. اما النمو فقد وقع في المصانع والورش الصغيرة دون نسيان ان 92% من الورش تضم 1-9 عمال (الدكتور هشام عورتاني).
 
وبالتالي فقطاع الخدمات والبناء هو القاعدة الاوسع، علاوة على شريحة تبلورت وغدت مركز ثقل البنية  الاقتصادية: الكمبرادور التجاري الذي يسوق السلع الاجنبية بشكل اخص والمؤسسة البنكية التي تبلغ ودائعها (12مليار).  

والعين المراقبة ترى تداخلاً بين بعض دوائر المساهمين الكبار في البورصة (5 مليار) انخفضت قيمتها السوقية في السنوات الأخيرة ودوائر بيروقراطية سياسية واخرى تجارية وثالثة مصرفية.

ويمكن ان نلحظ وزن الوسطاء التجاريين (الكمبرادور) عندما ننتبه الى حجم وارداتنا السنوية التي تصل 5 مليار دولار من السوق الاسرائيلية وعبرها فيما صادراتنا لم تصل الى بعد 1 مليار دولار بعجز تجاري 400% الامر الذي لا تشاطرنا فيه اي دولة اخرى.
 
ولكن كيف يتدبر المجتمع شؤون حياته في ظل هذا العجز الذي يذكرنا بحال جزر الهنولولو في اواخر القرن التاسع عشر. فتحت وطأة سوء الاحوال الاقتصادية ذهب وفد قبائلي الى واشنطن قائلاً: خذوا الجزر! وضمتها امريكا لها.
 
1- المساعدات الخارجية لتمويل المشروع السياسي التسووي، وحسب الدكتور خليل نخلة ( ناهزت 27 مليار دولار) باشكال مختلفة. سواء الذي صب في خزينة السلطة الفلسطينية او مشروعات وكالة الغوث (التي ضاعفت عملياتها لدعم عملية السلام) او المنظمات عير الحكومية، ناهيكم عن المساعدات التي حصلت عليها حركتي حماس والجهاد.

ومنذ عام 1994 حين تلقت السلطة 370 مليون دولار (الدكتور شعث) مروراً بـ 500 الى ان اصبحت 1.5 مليار واكثر. واحياناً تشكل المساعدات 30 او 40% من الموازنة وفي سنوات الاجتياح عام 2002 وبعدئذ اصبحت 60-70% ( الدكتور ماجد صبح).

وهذه المساعدات غير ثابتة، وقد تقلصت عقب ذهاب القيادة الفلسطينية للأمم المتحدة وانتزاع قرا ر(دولة غير عضو) وتشددت العقوبات من امريكا واوروبا وكندا عام 2014 الى درجة أن حجبت حكومة نتنياهو المستحقات الضريبية الفلسطينية بعد التوجه لميثاق روما ومحكمة الجنايات الدولية.

وما يزيد الطين بلّه مديونية السلطة على البلديات في مجال الكهرباء وحجب أو اتلاف فواتير المقاصة في غزة مما رفع مديونية السطلة الى 4.5 مليار دولار او اكثر.

2- عمالة نحو 150 الف فلسطيني (غالبيتهم من القدس الشرقية) في مشروعات إسرائيلية بما يعود سنوياً بأكثر من مليار دولار وهذا الرقم متحرك ايضاً ارتباطاً بوتيرة الصراع الوطني.

وسوف اذهب لما هو أبعد من ذلك بالقول ان ما يسمى "سوق حرة" و"حرية السوق"... من المقولات الليبرالية هو كذبة كبرى. فالاحتكارات المعولمة مسيطرة عالمياً (30 شركة تسيطر على 70% من السوق العالمية) هيكل. ومعظم دول العالم التحقت بمنظمة التجارة العالمية، وليس هناك سوى الدول "المتمردة" على شروط العولمة لديها قدر من السوق الحرة، وبكل تأكيد السوق الفلسطينية التي يطبعها ارث سياسيات الاحتلال واتفاق باريس الذي يحرمها من التبادل التجاري الحر مع العالم مثلما يحرمها اتفاق اوسلو من الاستثمار في منطقة ج التي تعادل 60% من الضفة الفلسطينية علاوة على القدس التي كانت مساحتها 3% في العهد الاردني والآن 17%  في زمن الاحتلال، دون ان ننسى الخلل المريع في الميزان التجاري.
 
بل ولم يخف الوفد الاسرائيلي في مفاوضات التسعة اشهر ان الاغوار خارج البحث بما تحويه من ثروات وهي التي تصل اكثر من 20% من مساحة الضفة.

واكثر من ذلك، فبرنامج الليكود صريح (سيادة واحدة من البحر للنهر) وهذا حال القوى المتحالفة معه. أي ليس ثمة تسوية قريبة او استقلال قريب حتى لو على مدينة واحدة طالما استمر ميزان القوى الراهن.

وهذا يوجب بالتالي الجمع بين النضال التحرري والمشروع التنموي في آن والتخلص من أوهام أن ثمة مفاوضات ومبادرات وحل سياسي قريب. فليس ثمة فرصة لحل سياسي قريب لا سلمي يعيد الحد الادنى من الحقوق الفلسطينية في ظل الخلل في ميزان القوى، ولا استسلامي تقرره املاءات حكومة اليمين الاسرائيلية الامر الذي لن توقع عليه اي قياده فلسطينية لا براغماتية ولا معتدلة ولا مبدئية متشددة.
 
وكي لا ينشأ أي التباس، فلست من أنصار الرأي الذي يتداوله البعض بأن (ليس ثمة تنمية دون زوال الاحتلال) فمثل هذا الاستخلاص يغلق الباب امام اي توجه تنموي. وهذا غير علمي، ذلك ان ثمة مساحات يتحرك فيها القطاع الخاص وثمة نموا كميا ايضا وهذه حقائق يمكن البناء عليها، وهي شاهد قوي رغم وجود الاحتلال. ولو كان هناك ابداع اكبر، اي (تحليل ملموس للواقع الملموس) لينين بروحية الانتماء للوطن لا الفصائيلية او النخب الطبقية، تمهد لها تشريعات وسياسيات ومشروعات واضحة المعالم فمن شأن ذلك اختراق الحصار الاحتلالي، بما يتطلبه ذلك من مواجهات. وهذا الموضوع يستحق ورقة منفصلة.

كان يقال في مصر (تضخم سكاني، مديونية، فرار رأس المال..) واستمر الحال عقوداً متأثراً بهذه المقولات الى ان برزت ملامح تفكير جديد مؤخراً (ضرائب تصل 22%، حد أدنى واعلى للأجور، تقليص الفارق من الف ضعف الى اقل من 20 ضعف، تحديد شعرة قطاعات للاستثمار والتقدم بـ 50 مشروع استثماري برأسمال بعشرات المليارات، حفر قناة سويس ثانية، مدينة جديدة "القاهرة الإدارية") والسلطة الفلسطينية تستطيع أن تضطلع بدور استثماري في قطاع الانتاج من عوائد الضرائب لا المساعدات، وهي تناهز سنوياً 2 مليار دولار وان ترفع حصة الزراعة..ويمكن ان نتابع ما يدور في اليونان اليوم..فثمة تشابهات مع وضعنا الفلسطيني من ناحية (الزراعة 6% ونسبتها في الموازنة 1% وميدونيتها تعادل انتاجها السنوي مرة ونصف) والتوجه في هذه الدولة وسواها من البلدان المأزومة يقضي فيما يقضي برفع حصة الزراعة في الموازنة الى 10% ومثال على ذلك دول الكوميسا الافريقية.
 
 مسألة أيديولوجية
المبهورون بالعولمة الرأسمالية والذين يرهنون انفسهم بها او يتلقون "المساعدات والتسهيلات" منها، يضبطون ايقاعهم على ايقاع ايديولوجيتها، ويعطسون ان عطس البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية، وهذا حال أبواقها من الاقتصاديين الاختصاصيين وبالتالي فهم لا يرون دوراً تنموياً اقتصادياً للدولة، تاركين ذلك لقوانين السوق على نهج تاتشر وريغان وبوش الاب والابن واضرابهم الذين اطاحوا بالكنزية التي قالت بدور للدولة بعد الركود العظيم(ازمة1929-1933) الذي عبد الطريق لصعود النازية والفاشية والحرب العالمية الثانية، وبدل الكينزية انحازوا لليبرالية الجديدة ورمزها الالمع ميلتون فريدمان واقل شأنا جرين وروستوف، والتي قضت بالغاء دور الدولة حتى الرقابي على المضاربات في البورصة ( مركز الثروة الاقتصادية العالمية اليوم) بما أفضى للازمة المالية عام 2008 التي تحولت لأزمة اقتصادية اسفرت عن خسائر تناهز 35 تريليون دولار في انحاء المعمورة، حيث اصبحت مديونية امريكا اكثر من 17 تريليون دولارومديونية اوروبا 10 تربليون  دولار .. الخ. اما الدولار فخسر اكثر من 10% ورفعت اسعار المواد الغذائية باكثر من 40 % والخسارة كانت عالمية، وهذا شمل فيما شمل الاقتصاد الفلسطيني الهش والمحدود..ويكفي التذكير بالبورصة الفلسطينية الناشئة التي خسرت 45% من قيمتها السوقية، ناهيكم عن الودائع بالدولار، فهل ثمة مؤشرات ولا اقول مرجعيات يستند لها العقل الاقتصادي الفلسطيني في دوائر السلطة او النخب العليا من برجوازية القطاع الخاص؟وما هي؟ وما رأيها في مقولة بريجنسكي مستشار الامن القومي في عهد كارتر" امريكا تفكر لكم، امريكا تنتج لكم" اي لا داعي ان تفكر او تنتج الشعوب، وما عليها سوى ان تكون استهلاكية تستعذب عبوديتها، ام تراها تتمرد على هذ المقولة بنقيضها " لا خير في أمة تأكل مما لا تنتج وتلبس مما لا تصنع" وتتجاوز مقولة المصلح الكواكبي "أعجب من أمة تنفق على السجائر اكثر مما تنفق على التعليم".
 
والمسألة هنا ليست مزاجية او مصالح نخبوية فقط، بل أبعد من ذلك، فخطة اقتصادية لا تقطع شوطاً في التنمية يليها خطط أخرى واشواط اخرى هي افضل وصفة لنزيف الهجرة( أشار استطلاع ان 70% من الشباب لديهم استعداد للهجرة) وبيئة مناسبة لاحتضان اكثر التوجهات التكفيرية دموية، ويكفي الالتفات لدول الجوار دون خداع النفس بأن بيئتنا الفلسطينية محصنة، فضلاً عن زيادة البطالة والفقر والقهر الاجتماعي ووو..

كما ثمة حاجة للاجابة عن سؤال: هل ثمة امكانية لمشروع تنموي فلسطيني متدرج؟ الجواب، نعم. سواء في الحقل الاقتصادي او العلمي او الثقافي او الاجتماعي...

اذ ما الذي يمنعنا ان يكون لدينا جامعة حقيقية متقدمة تنتج ابحاثاً يتحول بعضها لتكنيك وهذا تكنولوجيا؟ فالجامعة غدت قوة انتاج. او دراسات علمية يستند لها القرار الفلسطيني في كافة الميادين. وما الذي يمنعنا ان يكون لدينا مستشفى يغنينا في كثير من الاحيان عن الذهاب للعلاج في مستشفيات غير فلسطينية؟ وما الذي يمنعنا من تطوير تلفزيوننا وصحفنا او نظام السير او تجميل بيئتنا او تشجيع مبادرات شبابية أو مضاعفة إنتاجنا الزراعي...؟ الجواب: اداءنا المتوسط او دون المتوسط. اي العامل الذاتي في كثير من الاحيان. ولكن ما ان "يعطى القوس باريها" فلدى الشعب طاقات قادرة على انجاز روايات نجاح، نرى بعضها مبعثراً في عموم الوطن. أي لسنا شعبا عاقراً او مصاباً بالعقم، بل على العكس "لدينا عبقرية التاريخ" فلم نندثر كما تمنت وثائق الخارجية الاسرائيلية بعد سنوات من النكبة والتطهير العرقي( الفلسطيني سيتحول لغبار الارض" ، كما لم يستسلم شعبنا للعجز، وما الخطة الحكومية سوى محاولة، وما قتال بيروت 82 وصمود غزة 2014 او استعدادية الحركة الاسيرة للمواجهة سوى محاولات في سيل المحاولات.

ان الذي يحدد الحصاد في التحليل الاخير هو ما سبقه من حرث وزرع..واننا ملزمون بالسير في مشروع تنموي شامل تتحقق أهدافه بتدرج ودون ذلك تتفاقم معضلات الشعب ويغدو الحديث عن ثقافة حداثية تؤكد المواطنة وحق الاختيار والابداع والتنوع وحرية التفكير وحقوق الانسان..وكل ما يمكن ان يصد المنظورات المنغلقة الاحادية التي يمكن ان تزعزع الصمود المجتمعي في ارض الوطن هي بخار يتطاير في الهواء.

ان الديناميات التدميرية في دول الجوار ليست بعيدة عن اوساط شعبنا، وما رأيناه في مخيم نهر البارد مثالاً. وما سقناه اعلاه يمهد بل يتواشج مع ما تبقى من المقاربة.
 
ملاحظات على الخطة الاقتصادية الحكومية
 
مقدمة لا مندوحة عنها
من الكتب الاكثر شهرة عالمياً كتاب آدم سميث ( ثروة الامم) والذي كان توطئة لكتابات ريكاردو في الاقتصاد وقانون ن- ب - نَ (نقد- بضاعة- نقد وربح) ورأس المال لماركس الذي تضمن التراكم البدائي كممهد للتراكم الرأسمالي والانتقال من الحديث الضبابي عن الربح الى قانون فائض القيمة كميانيزم حاسم للتركيم.

ولولا فعل هذا القانون الريكاردي وفائض القيمة الماركسي لما حدثت تنمية رأسمالية في العالم ولما تم تجاوز المجتمع الاقطاعي الراكد.
 
ودون أن تفعل هذه القوانين بانسيابية لن تخرج الوضعية الفلسطينية الاقتصادية من ازمتها البنيوية ( عجز دائم في موازنة السلطة، وارتهان كبير للمساعدات الخارجية"، اختلال مريع في الميزان التجاري، الحاق السوق الفلسطينية التي لا يصل انتاجها 12 مليار دولار بالسوق الاسرائيلية التي تجاوز انتاجها 200 مليار دولار سنوياً، مديونية على السلطة والشعب معاً دون حيوية كافية للسداد، تقهقر قطاع الزراعة ونهب نحو 80% من الثروة المائية (60% حسب صندوق النقد الدولي) بطالة متنامية الى درجة ان يؤثر الجيل الشبابي انتظار فرص عمل لن تأتي عوضاً عن خلق فرص عمل بالاعتماد على الذات من خلال مشروعات صغيرة ومتناهية الصغر.

ولا تفوتني الاشارة الى خلل بنيوي آخر بتوسيع قطاع الخدمات والاستيراد الخارجي على حساب القطاع الانتاجي (صناعة، زراعة) الشيء الذي يفضي الى تعطيل كبير لقانون التراكم البدائي الذي يؤدي للتراكم الرأسمالي..اي القانون الذي نقل اليابان في القرن الاخير ومجمل اوروبا في القرنين الاخيرين والصين في العقود الاخيرة( رغم الخصوصية) الى ما اصبحت عليه.

ربما يخطر في بال أحد، من باب السفسطة الاغريقية، ليس  في نشأتها الفلسفية باثبات الشي ونقيضه بل من آلت اليه من ثرثرة لا قيمة علمية لها، بأن شعبنا خارج التاريخ وفوق التاريخ ويصنع تاريخاً افتراضياً لا يشبه أحد. وهذا بداهة اقرب الى الهزل منه للجد، ذلك ان تاريخ البشرية "متمازج كثيراً ومتداخل كثيراً" ادوارد سعيد، والقوانين العامة في كل مرحلة هي ذاتها والقوانين الدائمة هي ذاتها، ولكنها تحضر ضمن الخصوصية القومية. اي لا مناص من الامساك "بالعام" والانطلاق منه "للخاص". ( من الفكر العام المجرد الى الملموس الخاص)، ماركس.
 
مثلاً: هل تستطيع اي خطة تنموية او قوانين السوق ان تقفز عن قانون الزيادة السكانية؟ وفي حالتنا نحو 6% سنوياً فيما فرص العمل والخدمات لا تنمو 2% واحياناً تكون سلبية، اي تتراجع في زمن  الاجتياحات والعدوانات التي تتكرر دورياً.
 
وهل تستطيع اي خطة تنموية "او قوانين السوق" ان تقفز عن الجيل الجديد الذي ينضم لصفوف العاملين سنوياً. وفي حالتنا يتقدم لامتحان الثانوية نحو 90 الفا سنوياً ينجح اقل من 60 الف ويلتحق بالجامعات نحو 45 الفاً فيما يتخرج نحو 40 الفاً وبالتالي ثمة حاجة ل 70 الفاً فرصة عمل كحد ادنى سنويا.

وهل يستطيع أحد أن يتجاهل فائض القيمة، أو علاقة المركز بالمحيط، أو التوافق بين علاقات الإنتاج وقوى الإنتاج...؟
 
فالسلطة اليوم (بل السلطتين) في حالة اشباع، بل ثمة بطالة مقنعة (معهد ماس) ضمن منطلقات عديدة منها "مكافأة المقاتل" وكأنه لا يوجد وسيلة للمكافأة سوى التوظيف! ومرت سنوات على السلطة انتهجت فيها فلسفة الرئيس الامريكي روزفلت بعد الحرب العالمية الثانية (توظيف في جهاز الدولة- رفع الرواتب- قوة شرائية- دوران العجلة الاقتصادية) دون انتباه الى ان سل المشتريات الامريكية كان من المنتجات الامريكية اي قانون ن- ب- نَ وبالتالي تدفقت العجلة الاقتصادية وذهبت الضرائب لخزينة الدولة وهذه بدورها دفعت الرواتب. اما فلسطينياً فمعظم مشترياتنا من السوق الخارجية اسرائيلية وسواها، وبالتالي لم تتدفق العجلة الاقتصادية بل تطلب الأمر المزيد من الارتهان للمساعادت الخارجية والمزيد من الالحاق بالسوق الاسرائيلية عوضاً عن فك متدرج للارتباط الذي يتطلب بشكل قاطع زيادة المنتوجات الوطنية.
 
ومثال معاكس: قررت الحكومة الصينية ونفذت تقليصاً لحجم جيشها من 4.6 مليون الى 3.7 مليون، تسريحات مع توفير فرص عمل، علماً ان معدل النمو في الصين في العقد الأخير يتراوح بين 8-12% سنوياً واحتياطها يبلغ 2.4 تريليون دولار علاوة أنها ابتاعت سندات حكومية امريكية ب 1.1 تريليون دولار.

ويفيدنا كفلسطينين ان نتابع وان ندرس التجربة التنموية البرازيلية في السنوات الاخيرة، من باب تلاقح الافكار والفائدة المتبادلة. وهذا ليس ترفاً فكرياً، فلربما ذلك يكون له أصداء على تفكيرنا الاقتصادي.
 
ملاحظات مباشرة
تأسيساً على ما تقدم لا يبدو ان الخطة الحكومية معنية بالتذكير بالاستراتيجات التنموية، ولا بالمؤشرات النظرية الموجهة للخطة، كما أنها لم تتطرق سوى بصوت منخفض لللبيئة الاقتصادية-الاجتماعية الفلسطينية، التي تشكل تربة فعل الخطة، وانما ذهبت مباشرة للمحاور. وفيما تبقى من مقاربتي سوف أذهب لهذه المحاور مباشرة.

نشرت صحيفة الحدث(33) خطة الحكومة كما مقابلات مع رجال أعمال واكاديميين.
 
 المحور الاول: دعم المنتج الوطني والترويج له واعطائه اولوية في العطاءات والمشتريات الحكومية.
وعلى امتداد صفحة ونصف، اي حوالي 60% من مساحة الخطة جرى التركيز على الترويج الاعلامي والقيام بحملة توعوية للتعريف بالمنتج الوطني، ودفع مستحقات القطاع الخاص واعداد دراسات جدوى وانشاء مراكز للابتكار وترشيد استهلاك الطاقة ورفع القيود عن استغلال المناطق ج من خلال الضغط الدولي وتنظيم السوق الداخلية وتفعيل الرقابة ومكافحة منتجات المستوطنات..الخ.

البنود كثيرة، وهي في مجملها ايجابية، ولكن يعوزها بندين 1- الاولوية، أي ما هو البند المركزي الذي بالامساك به يتم الامساك بالبنود الاخرى، وبالتالي تركيز الجهود والامكانات فيه. هل هو الترويج الدعائي ام التسويق ام تحسين جودة المنتج المحلي ام تعظيمه وتحسينه، وما هي مراحل تحقيقه؟
 
فبنود الخطة لا تتساوى من ناحية اهميتها، فهناك الرئيسي والثانوي، المحرك لغيره والذي يتحرك بفاعلية غيره..واعتقد ان البند الاساس هو التعظيم والتحسين بما يتطلبه من استثمارات ومراحل وتشجيع المشروعات الصغيرة.

2-غياب التوجه لجوهر العملية التنموية أي الاستثمار في القطاع الانتاجي من قبل السلطة وراس المال المحلي، فهذه الآلية هي المجربة عالمياً لبناء التنمية، فالاستثمار اي  ن هو الذي ينتج ب اي البضاعة التي تحقق ربحا اي نَ وتتكرر الدورة وتتوسع افقياً ورأسياً. وطالما ان الخطة تحدثت عن دراسات جدوى، فمن شأن ذلك التحرر من الضياع والتيه، وذلك بتقديم 20-30 مشروع جدوى على قدرعالٍ من الاعداد. فمثلاً لقد اعلنت الحكومة المصرية عن سياستها الاستثمارية واجرت تعديلات تشريعية جاذبة، وحددت 10 قطاعات للاستثمار واكثر من 35 مشروع استثماري برأس مال يصل 100 مليار، ناهيكم عن بناء قاهرة جديدة مرحلتها الأولى ب 45 مليار دولار.. بالتالي أصبح على طاولة راس المال المصري والعربي والدولي قاعدة بيانات بل مشاريع جدوى يمكنه ان يختار منها كما يمكنه ان يستثمر بناء على دراساته الخاصة.
 
واتصالاً بذلك فالمطلوب تنمية مستدامة، وبشكل اخص في القطاع الانتاجي الذي يراعي خصائص الوضع الفلسطيني، فهو القادر على تخفيض البطالة والفقر معاً وصولاً الى توسيع المنتج المحلي الذي يكفل فك متدرج للارتباط والالحاق..

ولئن لم تتحقق هذه الاهداف فما جدوى اي خطة اقتصادية؟ بل سوف تفشل، واكثر ما يمكن ان تحققه هو نمو كمي هنا وهناك واستمرار لما هو قائم بما يحمله من مخاطر وازمات.

اما المحور الثاني: فتناول في نصف صفحة تنظيم الاستيراد وتشجيع الاستيراد المباشر من خلال قاعدة بيانات وتحديد السلع التي يمكن استيرادها واجراءات عديدة لها صلة بالعمل الاداري والبيرورقراطي.

والمحور الثالث: امتد على ربع الصفحة الاخيرة داعياً لحماية المنتج الوطني بدراسة الرسوم الجمركية واعداد دراسة حول البدائل للمنتجات الاسرائيلية.

المحور الرابع: مكون من سطرين داعياً لتعزيز الشراكة بين القطاين الخص والعام والمجتمع المدني.

والمحور الخامس: تعرض في بضعة سطور لتنظيم قطاع الزراعة بالتركيز على قطاع التبغ وتنظيمه وتوسيع الاستثمار فيه.

واخيراً المحور السادس: قال باعادة اعمار غزة من خلال استخدام المواد الاولية الوطنية وتوسيع معبر كرم ابو سالم وتسهيل الحركة فيه.

والمحاور الاربعة الاخيرة غطت نصف الصفحة الاخيرة، الامر الذي يستحق وقفة من خلال النقاط التالية:
 
1- الزراعة: كان تَوزع السكان في عموم فلسطين قبل التطهير العرقي عام 48 على النحو التالي(70% ارياف و20% مدينة و10% في الصحراء) من كتاب "الفلاحون الفلسطينيون من الاقتلاع للثورة".

اي ان المجتمع الفلسطيني زراعي وفلاحي بالدرجة الاولى، وشكلت الزراعة 69% من الانتاج الوطني قبل 67 (اقتصاديات الجوع).

ويمكن الزعم ان الزراعة في الضفة الفلسطينية من ارض وثروة حيوانية وتصنيع غذائي  هي المجال الارحب المتاح للتنمية رغم كل عقبات التسويق وشح المياه وو.. ودون دعم  الفلاح والزراعة سوف تتقلص المساحات المزروعة اكثر فأكثر والاعتماد على السوق الاسرائيلية اكثر فاكثر، وباسعارها العالية، وهذه مشكلة تعاني منها اليونان على سبيل المثال وهي أحد اسباب فوز اليسار مؤخراً.

وعليه، ينبغي ان تحظى الزراعة في خطة الحكومة باهمية كبيرة كما في موازنتها ايضاً، اذ لا يعقل ان تكون حصة وزارة الزراعة مجرد 1% او حول ذلك! فيما ينحصر الحديث في الخطة عن زراعة التبغ! وحريٌ وضع خطة كاملة للنهوض بالزراعة والارياف وهذا تسير عليه العديد من البلدان غير المتطورة "لمحاربة الفقر والهجرة الى المدينة حتى أن هذا الخط أصبح من نصائح البنك الدولي. وهل يصدقن أحد أن حكومة التشيلي في بداية السبعينات قبل انقلاب بينوشيت الدموي كانت توزع نصف زجاجة حليب مجانية لكل طفل؟ وان فنزويلا اليوم توزع وجبة طعام مجانية لتلاميذ المدارس! وكل ذلك من انتاجها الوطني، وان مصر أقرت بعد سبات طويل استصلاح 4 ملايين فدان؟
 
وعلاوة على ذلك لماذا لا تتهيأ الحكومة لاعداد قائمة باسعار السلع الضرورية والتي تباع باسعار متفاوتة بين مدينة واخرى وبين سوبر ماركت واخر.

وينهض سؤال على الدوام: من أين نأتي بالأموال؟ في حالة رفع موازنة الزراعة الى 10% كما حال العديد من البلدان النامية، او اقامة صندوق للاقراض او شق الطرقات أو إقامة مشروعات للتصنيع الغذائي...؟الخ.

الجواب، ما يفعله غيرنا،ان توسيع الاستثمار لتلبية الاحتياجات الحيوية يوفر سلعاً ارخص وتدفقات ضريبية لخزينة السلطة في آن. وحينها يكون لمقاطعة منتجات المستوطنات واعداد قائمة بالسلع المستوردة معنى وامكانية عملية.

ويمكن أيضاً اتخاذ اجراءات حمائية كما تفعل الكثير من الدول حتى التي التحقت بمنظمة التجارة العالمية وهذا يحمي المنتج المحلي ويزيد من الضرائب التي تذهب لخزينة السلطة.

فلسنا "سوقا حرة" والسوق لا تنظم نفسها من تلقاء نفسها، والبرهان الأزمات الاقتصادية الدورية وأخرها أزمة 2008 التي لم تخرج منها البشرية بعد. ان سوقنا الفلسطيني مستباحة كما حال شعبنا ووطننا.

2- أن أي حديث، وثمة غزارة هنا فيما يعقد من ورشات ومؤتمرات وما يصدر من تقارير عن محاربة البطالة ودعم صمود الشباب... دون مضاعفة الاستثمارات مرات ومرات في القطاع الانتاجي هو مجرد هباء. والدليل ان البطالة كانت في بداية التسعينيات بين 6-8% بينما هي اليوم تزحف الى 30 % وربما أكثر في حالة احتساب النساء في سن العمل.
 
" وتحسين جودة المنتج الوطني" كما جاء في الخطة من المتعذر أن يتحقق بانتظام دون تطوير البحث العلمي في الجامعات والكليات ذي الاختصاص، فالجامعة ليست مؤسسة تعليمية كما المدارس، بل مؤسسة بحثية وقوة اقتصادية في آن. وهذا يمكن السير فيه بتدرج، مع التأكيد على ما جاء في الخطة من اعداد مهني بما يتطلبه من متابعة جادة. فالمهارات المهنية تتطلب قفزة نوعية.

والتأييد أيضاً يشمل المحور المقتضب حول تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني. ولكن ليس في اعداد الدراسات فقط بل في تأسيسي مشروعات مشتركة أيضاً ( أي رأسمالية الدولة) وهذا خط مجرب في العديد من البلدان.
 
اما اعادة اعمار غزة، فقد جاء ذكره بسطر، والخطة معذورة هنا من ناحية ان الاعمار حتى اللحظة هو مجرد تنميات وحبر على ورق، رغم الترميمات والمساعدات المحدودة. فالموضوع سياسي بامتياز.

اذا تعرض القطاع لثلاثة عدوانات في 6 اعوام اخرها كان اقرب لمجزرة بعد اتباع تكتيك الضاحية الجنوبية،  في مخيم الشجاعية وبيت حانون، ودون تسوية القضية العالقة المتصلة بحرس الرئاسة على المعابر يتعذر اختبار صدقية الدول والجهات المانحة التي تحدثت عن 5 مليار دولار تقريباً نصفها لأعادة الاعمار ونصفها لخزينة السلطة، كما يصعب اطلاق سيل من الضغوط على سياسات الاحتلال التي تماطل ولا تأبه بزيادة عدد الشاحنات،  بغية معاقبة غزة على نموذجها القتالي والصمودي..الخ." فالسياسة اقتصاد مكثف" في النهاية والعكس صحيح.
 
ثمة جزئية على قدر من الأهمية، هي زيادة مداخيل السلطة كيما تفي بالتزاماتها. وهذا يمكن من اجراء تسويات ضريبية وتسديدات لمديونية البلديات وبشكل أخص اسعار الكهرباء، والارقام تتحدث هنا عن مليارات الشواقل، مما يتطلب وقفة ابداعية خاصة للمعالجة، كما يمكن اتباع سياسات تقشفية، وما قررته الحكومة بشأن الرواتب في الشهور الثلاثة الاخيرة احدى الآليات.

ولكن يبقى الاستثمار في قطاع الانتاج الذي يؤمن فرص تشغيلية كبيرة كما يؤمن دخلاً ضريبياً، وقبل هذا ذاك ينتج فائض قيمة لأصحاب العمل لتوسيع استثماراتهم. كل هذا من شأنه أن يقلص الخلل في الميزان التجاري والفك المتدرج للتبعية والالحاق.
 
ولا خوف حقيقي من تقليص الاستيراد الذي يؤدي لتقليص المقاصة لأن زيادة الانتاج الوطني يعود بمزيد من الضرائب. كما لا خوف من تسهيلات ضريبية على الاستثمارت لفترات محددة، لأن نجاحها يعني في المطاف الاخير زيادة الضرائب.

وكان جيداً ما جاء في الخطة من ضريبة تصاعدية تبعاً للدخل فهذا قانون أثبت جدارته في دول اخرى.

وختاماً، يتعين نشر الخطة على أوسع نطاق لخلق حوار اجتماعي حولها بحيث تصبح التنمية وخططها همْ وطني عام وليس مجرد احاديث صالونات لبعض النخب.

اما ان يكون أصحاب القرار في واد والناس في واد، فلذلك اسقاطات سلبية على أي قرار سواء كان صائباً او نصف صائب. ولعل الخطة أيضاً تعبد الطريق لخطط مستقبلية تسهم في التوغل عميقاً بحيث تنطوي على بنود تتحدث عن زيادة المنتج الزراعي بنسبة 20% والمنتج الصناعي 15 % مثلاً من خلال مشروعات محددة وسلع محددة واعداد مشروعات جدوى" لرأسمالية الدو