الأحد  26 حزيران 2022
LOGO

ثورة مستمرة حتى النصر

2021-12-29 11:57:47 AM
ثورة مستمرة حتى النصر
رولا سرحان

مع قرب انتهاء العام، وفي كل عام، وعندما يحين موعد الاحتفاء بذكرى انطلاقة الثورة الفلسطينية يتردد في ذهني سؤالان: أما الأول فهو: "هل انتهت الثورة؟" هل انقضى عهد الثوريين والثوار والنضال الثوري، وأصبحنا مجرد أشخاصٍ عاطلين عن الثورة نتيجة مفاعيل عديدة فعلت فعلها بالفلسطيني منذ أن نبذت قيادتنا السياسية فكرة التحرير الكامل لفلسطين الكاملة، وتدرجت في خفض طموحها الثوري إلى مجرد مواقف تتنقل بين أحلام الدولة العلمانية الواحدة، إلى حل الدولتين، إلى حل يرضى بأي حل قد يمنح الفلسطينيين أي شكل من أشكال الاعتراف بوجودهم أو بأنهم مرئيون دولياً؟

أما السؤال الثاني فهو: من هو الذي يقرر أن الثورة قد انتهت أو أنها مستمرة؟ بمعنى من الذي يحدد معايير الاستمرارية ومعايير الانقضاء؟ ومن يحدد أن الفلسطينيين لم يعودوا ثوريين أو أنهم لا يرغبون في الثورة، وأن زمن الثوار قد ولى وانقضى؟ أعتقد أن الإجابة على هذا السؤال ستكون في الأساس مدخلاً مهماً للإجابة على السؤال الأول بما تطرحه من إشكالية حول آلية صناعة القرار الفلسطيني، ومن هي القوى أو النخب التي تعمل على إعادة مفهمة الذات الثورية وتشكيل الفعل الثوري، وتعمل في ذات الوقت على تشكيل وتعريف، بل إعادة تشكيل وتعريف من هو الفلسطيني. وليندرج تحت هذا التساؤل تساؤلات من قبيل: من هو الفلسطيني، هل هو الثائر أم السائر في أحلام السلام؟ وأين هي فلسطين، هل ظلت تسمى فلسطين كما كانت تسمى فلسطين؟ وكيف نُعرِّف فلسطين اليوم؟

في إحدى المرات سألتني طفلتي ما اسم هذه الدولة التي خارطتها تشبه خارطة فلسطين لكن رُسم عليها علم أبيض بخطين أزرقين من أعلى وأسفل وتتوسطهما نجمة؟ بالنسبة لطفلة في العاشرة من عمرها، فإنها تفترض أن الخارطة التي تمثل فلسطينها لا يمكن تقاسمها، فهنالك خارطة لفلسطين وهنالك خارطة مشابهة تماماً لدولة أخرى تشبه خارطة فلسطين. وبغض النظر عن التفسير الذي قدمته لها، فإنه بالنسبة لها لم يكن يعني شيئاً سوى أن هذه الخارطة الممتدة من رأس الناقورة شمالاً حتى خليج العقبة جنوباً، هي خارطة فلسطين. أما الخارطة الأخرى التي عليها علم الخطين الأزرقين، فكان ردها بسيطاً أنه وما دام باستطاعة الإسرائيليين أن يرسموا علمهم على خريطتنا، فبإمكانهم أن يرسموه على أي خريطةٍ أخرى في العالم ويتركوا لنا خريطتنا. هذا الجواب البسيط التلقائي الذي يضع التفاصيل الصغيرة في أماكنها الكبيرة، يفضي دائماً إلى رفض أطروحة جولدا مائير الأشهر عن الفلسطيني الذي يكبر فيموت والفلسطيني الصغير الذي سينسى. إذ لا تعود الذاكرة هنا مجرد أداةٍ لاستحضار الماضي، هذه الأطروحة قديمة في فهم عمل الذاكرة التي تتحرك في الزمن لترممه لا ليثقبها أو ليشوهها، وليتم التعامل مع ماضي الفلسطيني، لا كماضِ قد مضى، بل كماضٍ يعيشُ في الحاضر، أما المستقبلُ فهو الذي ما زلنا قادرين على تشكيله وعلى رسم خارطة فلسطينه كما نريدها، هكذا يريدُ أطفالنا أن يتذكروا ويروا شكل فلسطين المستقبل.

وما دام صغارنا ما زالوا يسألون عن خريطتنا، وما دام أسرانا يقاومون في زنازينهم، وما دام المزارع يزرعُ أرضه، وبرقة وجبل صبيح والشيخ جراح نقاطٌ مقاومة، وما دامت غزة عصية على كل حصار، فستظل الثورة مستمرة حتى النصر.