الإثنين  08 آب 2022
LOGO

الفلسطيني خارج الاحتواء

2022-04-14 11:33:04 AM
الفلسطيني خارج الاحتواء
رولا سرحان

في كثير من الأحيان، تبدو لي فكرةُ "اللعب" مناسبة؛ اللعبُ على الألفاظ، أو اللعبُ في الشارعِ، اللعبُ من تحت الطاولة، أو حتى فوقها أحياناً! جميعها تبدو تكتيكات ملائمة للفلسطيني، الذي يُريدُ أن يكون لاعباً أساسياً في تقرير مصيره. وليس الجميعُ ملائماً لفكرةِ اللعب أو قادراً على اللعب بنفس المهارة، البراءة، أو الخفة، بل والمقدرة على اللعب على أعصاب عدوه والاستهزاء به. فالفلسطيني عندما يقفُ عاري الصدر في يده حجر يواجه رصاصةً أو آلية عسكرية مصفحة، أو يخرجُ من السجن من خلال نفق حفره بملعقة، أو يرتاحُ أمام البحر بعد عملية نوعية نفذها في عقر دار عدوه، إنما يُعيدُ صياغة مشهدية كاملة غير مبنية على منطق عيني أو زمني أو قياسي، بل مبنية على فكرة اللعبِ عليها جميعاً.

وفي كل مرة تتصاعدُ فيها أحداث المقاومة، تبدو المنظومة العسكرية الإسرائيلية مرتبكة في تحديد اللاعب الذي سيلعبُ أمامها، ومن أين سيأتيها وكيف سيصلها وفي أي مكانٍ سيُلاقيها، فتلك هي أصعب الألعاب، تلك التي لا عنوان أو تفاصيل لها سوى تفصيلٍ وحيد؛ إعادة تصويب خلل أساسي في اللعب أو في الأمل على اللعب.

واللعبُ اللا مُتجانسُ هذا يحذفُ أو يتجاهلُ قواعد اللعبة أو التحكيم، والتي أهم مفاعيلها المقدرة على تحديد هوية اللاعب الخصم. وفلسطينياً، لا تعود المنظومة الاستعمارية قادرة على وضع تعريف معياري ضابطٍ يُحدد ماهية الفلسطيني، أو يجيبُ على سؤال قد يبدو بسيطاً: "مَن هو هذا الفلسطيني؟" ومن "هو الفلسطيني التالي؟" وكم يُشبه السابقُ اللاحقَ؟ وأيهما الفلسطيني هل هو الذي في غرف التنسيق الأمني معها؛ وهذا الذي يُحاول أن يُجلِسها على طاولة المفاوضات، الطالبِ للوساطات الإقليمية والدولية؟ أم أنه هذا الذي في الشارع عند دوار سلواد، أو في حوسان، أو في جنين ومخيمها ويَعبَدِها وعلى جبل صبيح وبيتا؟ أم هو الذي داخل بطنها بطن الحوت في مناطق 48 وفي القدس؟ أو ذلك المُحاصرُ المتأهب دائماً للرد من غزة؟   

لعل المؤسسة الاستعمارية التي عملت منذ إنشائها على صياغةِ رزمةٍ من المتخيلات الاستعمارية التي تعملُ على ركلجتها بما يتلاءم مع السياقات الزمانية والمكانية للبنية الإحلالية لاستعمارها، لم تنجح حتى الآن في صياغة مُتخيل استعماري جامع وشامل قادر على التعامل مع "الفلسطيني" وقادرٍ على أن يضع تحديداً مُعيناً أمنياً وسياسياً له، يُساعدها في تحديد كيفية التعاملِ معهُ: نفياً وجودياً، اغتيالاً سياسياً، أم ضبطاً وسيطرة. وهذا يُساعدنا على فهم تركيز الحركة الصهيونية، منذ بداية استهدافها لفلسطين كوطن قومي يهودي، على ضرب مقومات الهوية الفلسطينية، ومن ثم العمل على تذريرها، لتتغير سياقات هذا الاستهداف بوسائل وتكتيكات سياسية ما بعد اتفاقات أوسلو متمثلةً في محاولات إعادة صياغة الفلسطيني تفكيكاً وتركيباً على المستوى الهوياتي، شاطرةً إياهُ أفقياً وعامودياً في محاولات إنتاج فلسطيني جديد أو فلسطيني ميت.

هذا الانشطارُ الهوياتي إنما أصبح مع الزمن إنشطاراً نووياً، حوّل كل ذرة من ذرات الهوية إلى عنصر قابل لتوليد كميات كبيرة من الطاقة على اللعب والمقدرة على الاستمرار في المقاومة، بل وإنتاج فلسطيني غير قابل للاحتواء. إنها لعبة Puzzle، كل قطعة تكملُ الصورة الكبيرة في تعريف الفلسطيني.