الخميس  11 آب 2022
LOGO

البوسطة في قصص جمعة التايه.. ليست استراحة روما ولا حب فيروز

2022-06-07 08:28:56 AM
البوسطة في قصص جمعة التايه.. ليست استراحة روما ولا حب فيروز
جمعة التايه

الحدث

هدير البوسطة الذي أدخلته فيروز لكل بيت عربي على أنه معنى فائق للحب، لا يشبه وجع البوسطة الذي كتبه وكتب عنه الفلسطيني جمعة التايه الذي قضى 25 عاما في السجون الإسرائيلية. أصل المعنى لهذه المفردة (البوسطة) التي تقطر ألما في السياق الفلسطيني؛ روماني، وفق بعض الأدبيات، ويقصد به المكان الذي كان يستريح فيه ناقلو البريد.

على عكس المعنى الأصلي للكلمة، والمعنى الذي غنته فيروز، وفي معنى أبعد ما يكون عن الراحة والحب، يسلط التايه في مجموعته القصصية "أوجاع البوسطة" الضوء على قصص استثنائية حدثت مع أسرى فلسطينيين خلال نقلهم في البوسطة. جمعة الحاصل على شهادة الماجستير في الدراسات الإسرائيلية، والمشارك في إنتاج أكثر من 20 دراسة علمية، قرر أخيرا أن يخوض تجربة "أديب السجن"، ضمن هذه المساحة والمحددات كانت مقابلتنا معه لنتحدث أكثر عن مجموعته القصصية كإنتاج أدبي، وفي السياق الأوسع عن "أدب السجون" والذي تندرج هذه المجموعة في إطاره. 

  • أستاذ جمعة، ممتنون في البداية لمنحنا بعض الوقت من أجل إتمام هذه المقابلة التي جاءت في رمضان حيث الوقت يمضي سريعا. نبدأ معك باسم المجموعة القصصية، لماذا البوسطة بالذات، خاصة وأن الوقت الذي يقضيه الأسير في البوسطة أقل بكثير من الوقت الذي يقضيه في الزنازين أو غرف السجن؟ 

كما السجن هاجس من هم في الحرية، البوسطة هي هاجس من هم في السجن. باعتقادي أن هذه المساحة من الجغرافيا، جغرافيا الحديد، وهذه المسافة من الوقت أو الرحلة، التي يمكن القول إنها "طريق الآلام" لم تأخذ حقها في أدب السجون. ركز معظم الأسرى في كتاباتهم على التحقيق والظروف المعيشية، لكنهم تجاهلوا رحلة مهمة للأسير لا تقاس بعمرها الزمني بل بوجعها وأثرها الذي تتركه. من المهم التذكير أن البوسطة هي عبارة عن خزانة حديدية على شكل حافلة، كل ما فيها حديد، يُنقل فيها الأسرى من سجن لسجن أو من السجن للمحكمة، وأكبر دلالة على مدى وحشية هذه الخزانة الحديدية هو قبول بعض الأسرى بأحكام عالية مقابل الاستقرار في السجن وعدم الخروج للمحكمة جلسات إضافية. تخيل أن بعض الأسرى تنازلوا عن حقهم في العلاج وإجراء عمليات جراحية بسبب البوسطة!.  وللعلم، حتى الفرقة التي تتولى مهمة إدارة شؤون البوسطة، تختلف عن الفرق الأخرى، فهي معروفة بأنها تتعامل كعصابة خارج إطار القانون ولا تحكمها أي تشريعات حتى تلك التي تقرها مصلحة السجون. في مقابل كل هذا، استطاع الأسير الفلسطيني أن يضرب فكرة البوسطة في مقتل، وهذا ما أردت أن أقوله من خلال سرد بعض القصص، من بينها قصة الشهيدين صالح ونعمان طحاينة اللذين تمكنا من خداع طاقم البوسطة وأُفرج عن الأول بدل الثاني، رغم أن حكمه كان عالٍ، والأسير محمد أبو جاموس الذي تمكن من قص شباك البوسطة رغم سماكته.

  • بعض القصص التي وردت في المجموعة فيها بعد إنساني مكثف، مثل قصة ولادة الأسيرة فاطمة الزق في البوسطة.. كان من الممكن التركيز على مشاعر الأسيرات مثلا وهن يحتضن طفلا لأول مرة، أو بناء علاقة أمومة افتراضية بينه وبين أسيرة أخرى على شكل رواية، وعلى مشاعر أمه بكل تأكيد وهي تتنقل للمحاكم برفقة ابنها لمدة عامين، والكثير من الزوايا، وهذا من المحتمل أنه يحتاج إلى تحويل القصة لرواية وبالتالي قد تترسخ أكثر في ذاكرة القارئ من السرد الأحداثي الجاف، ويمكن تدعيمها بعالم جمالي وفني سواء متخيل أو يلامس الواقع، لماذا اختزلتها بهذه الطريقة التلخيصية؟

ما قلته بالنسبة لي ملاحظة مهمة، لكن دعني أوضح أنني بالأساس لم أتجه نحو الكتابة الأدبية في السجون، وإنما اخترت التركيز على الدراسات والأبحاث، وهذا مرده أنني قضيت فترة مهمة في معتقل هداريم حيث يقبع الأسير مروان البرغوثي، والذي كان يدير حالة علمية وبحثية وأكاديمية هامة في السجن، وأنا كنت متأثرا بتلك البيئة. وفي الحقيقة كتابة الرواية تحتاج إلى حس فني وأدبي وخيال، ومن المعروف أن الخيال نقيض المعرفة الرصينة أو المحكمة والتي إحدى تجلياتها الدراسات العلمية المحكمة، وعليه كان من الصعب العيش في عالمين نقيضين أو الخروج عن نسق البيئة المحيطة.  لذلك في قصة الأسير الزق، ذهبت باتجاه فكرة "تعويض القدر". وتساءلت هل تستطيع إسرائيل أن تعوّض الطفل يوسف الزق عن عامين من الاعتقال والبوسطات؟! وأيضا عن توازن الأوجاع والآلام، إذ أن الدعاية الصهيونية في الخارج تركز على بعض القصص التي تحاول أن تغرق فيها الرأي العام العالمي محاولة إعادة إنتاج المظلومية بشكل يومي ومستمر من الهولوكوست إلى يومنا هذا. حتى بعد أن تحولت لدولة تمتلك سلاحا نوويا وتمارس القتل والمصادرة والاعتقال والاستيطان، لا زالت مهووسة في استدعاء التراجيديا في روايتها اليومية للعالم. هذا منطق سياسي، وبالتالي مثلا في هذه القصة، إلى جانب الأحداث، علقت بمنطق سياسي حاولت أن لا يُخرجها عن سياق القصة على الأقل فنيا.

وبصراحة، ما حفزني لكتابة هذه المجموعة القصصية أنني كنت قد أنتجت قبلها دراسة علمية عن التحقيق، وبكل تأكيد عندما نتحدث عن دراسة لها علاقة بالتحقيق لا بد من استحضار بعض القصص الحقيقية للأسرى. هذا لفت انتباهي إلى أنه يمكن إنتاج المعرفة العلمية من خلال استعارة بعض القصص والتعليق عليها وربطها بالنظريات، وتحليلها على أساسها والوصول في النهاية إلى نتائج. لذلك حتى في تعريفي الملخص للمجموعة القصصية، اخترت أن أتحدث عن هزيمة العقلية الأمنية الإسرائيلية، كمفهوم نظري كبير، من خلال قصص الأسرى.

  • قلت إن الكتابة حاجة للأسير، وقد أخرجت السجون من بعض الأزمات التي كانت تعاني منها، كيف يمكن فهم ذلك من مدخل مجموعتك القصصية، وفي أي سياق يأتي هذا الاستنتاج؟!

حقيقة كنت أود الابتعاد عن نقاش هذه الفكرة، لكنني بشكل ملخص يمكنني الإشارة إلى أن السجون تحولت من الإنتاج المعرفي في القضايا الأمنية والسياسية الحزبية إلى الإنتاج المعرفي الأوسع المتمثل بالأدب والمعرفة العملية وغيرها. إذا قمت بإحصائية لأهم إنتاجات الأسرى المعرفية في الفترة التي سبقت العقد الأخير، ستجد أنها تعبر عن حالة من الغرق في الهوس الأمني والمفاهيم الأمنية وهذا النوع من الإنتاج كان يتولاه قادة التنظيمات وبالتالي كانت معرفة ملزمة وفي الواقع تسبب أزمة ثقة وأزمة في إدارة العلاقات الشخصية والتنظيمية. دخول بعض الهواتف الذكية المهربة فتح آفاقا جديدة للأسرى وخرجوا ولو قليلا من مجتمعهم المغلق، وأيضا استطاعوا اكتشاف مدى اهتمام الشارع بما يصدر عنهم من رسائل أو عبارات أو شعارات أو قصص، وتواصلهم أيضا مع بعض الكتاب والصحفيين والشعراء، هذه كلها كانت عوامل تحفيز لهم للبدء في إنتاج أدب يتجاوز الأسس التقليدية للإنتاج المعرفي.

  • في مجموعتك القصصية "أوجاع البوسطة" قمت بسرد تفاصيل 10 قصص، بينما في المقابل كل أسير لا بد وأن يمرّ بتجربة البوسطة، ما هي العناصر التي ترى أنها يجب أن تتوفر في القصة حتى تصبح قابلة للكتابة والنشر أو بمعنى آخر تستحق النشر؟ 

أنت قلتها في سؤالك، تجربة البوسطة هي تجربة قسرية على كل أسير أن يخوضها، وبالتالي هي سردية يومية في حياة الأسرى، وأحيانا كثيرة تتشابه كل التفاصيل، وهي أصلا مصممة لهندسة عذاب موحد، وبالتالي فإن ما يمكن التركيز عليه هو الاستثنائي، وهذا ما قمت به. مع أنني مؤمن بأهمية أن يكتب كل أسير قصته سواء في البوسطة أو غيرها. هذا تاريخنا في النهاية وجزء من روايتنا التاريخية والتحررية. ذات مرة، قال لي الأسير مروان البرغوثي إن قادة الاحتلال الإسرائيلي في سيرهم الذاتية يكتبون عن أحلامهم وآمالهم وتطلعاتهم وليس فقط الأحداث التي وقعت معهم، وهذا نموذج مهم يجب للأسرى أن يستوعبوه كمنهجية لكتابة تاريخ الحركة الأسيرة التي هي جزء من تاريخ الحركة الوطنية ككل. لكن أنا ككاتب أراد أن يسلط الضوء على وجع البوسطة لا يمكنني سرد كم هائل من القصص في هذا الإطار، وكان عليّ وضع معايير معينة، أهمها الاستثنائية والخروج عن الروتين. أيضا، صعوبة التواصل مع كل الأسرى والاستماع إلى قصصهم مع البوسطة هو عامل آخر قد يتسبب في حجب بعض القصص الهامة من غير قصد، وكذلك استعداد الأسير للحديث عما حدث معه، فبعض التفاصيل يختار الأسير أن يحجبها عن الآخرين وهذا بكل تأكيد حقه، رغم أن قناعاتي تقول إن كل ما يحدث في السجن هو نتيجة فعلية للفعل الاستعماري المتمثل في الاعتقال.

  • في قصة الأسيرين صالح طحاينة ونعمان طحاينة، قدمت موقفا سياسيا يتمثل بمعارضة أوسلو وتأثير الاتفاق على نفسية الأسرى الذين بقوا في السجن، وانعدام الآمال بالإفراج عنهم، وهذا كان المدخل لقصة هروب الأسير صالح على اسم الأسير نعمان، ألا تعتقد أن الموقف السياسي يضعف الطرح الأدبي ويشوشه ويخلق جمهورا محددا له، يعني كان من الممكن الإشارة إلى أن الحرية بحد ذاتها دافعا للهروب وليس اتفاق أوسلو كمصدر لإحباط صالح وبالتالي تفكيره للهرب؟ 

قلت لك في سياق المقابلة إن تجربتي في أدب السجون اتسمت بالخلط ما بين قصة الإنسان وقصة الشعب، يعني إسقاط العام على الخاص، أو فهم الخاص من خلال الجو العام، وأنا لم كن أطمح أن أكون روائيا أو أديبا، كان هدفي هو الربط بين التجارب الخاصة والتجربة العامة للشعب الفلسطيني مع الاحتلال، وحاولت في كل القصص التي سردتها أن أصل إلى استنتاجات نظرية سواء كانت سياسية أو فلسفية أو اجتماعية. 

بالنسبة للنقطة التي أشرت لها في قصة الأسيرين صالح ونعمان، جزئية الإحباط لدى أسرى المعارضة وتلاشي فكرة أو آمال الحرية لدى أسرى المعارضة من خلال عملية سياسية، فإن هذا كان جوا عاما سائدا وليس انطباعا أو شعورا خاصا بـ صالح رحمه الله، ولذلك أنا لم أقدم موقفا سياسيا بقدر ما رصدت تبعات الاتفاق على أسرى المعارضة بشكل عام وعلى الأسير صالح بشكل خاص، وهذا نوع من المسح للبيئة الأوسع للقصة. أما السؤال الأكثر عمومية، والمتعلق بمسألة الخلط بين الأدب والسياسة، هذا له علاقة بالأديب وخلفياته الاجتماعية والسياسية، وأيضا المرحلة الزمنية التي كتب فيها الأديب، فمثلا الأدباء الذين تحررت بلادهم من الاستعمار ولكنها عانت من ظروف معيشية صعبة في مرحلة ما بعد الاستعمار، ركزوا على الفقر والأحياء العشوائية والفساد… الخ. لكن من عايش منهم المرحلتين، كتب بوحي المرحلتين. يستطيع الإنسان أن يبتعد بأدبه عن كل معاني السياسة، حتى لو كان فلسطينيا، لكن ليس إذا كان أسيرا. لأنك لا تمتلك في السجن مصادر معلومة ومعرفة أكبر وأكثر من تجربتك، لأنك محاصر مراقب، وأنت في السجن عبارة عن كائن سياسي بامتياز يواجه منظومة عمل سياسي بامتياز.