الخميس  01 كانون الأول 2022
LOGO

مميزات القائد الملهم| بقلم: أ. سليم العابد

2022-09-30 08:10:22 PM
مميزات القائد الملهم| بقلم: أ. سليم العابد

       من أهمّ مميزات القيادي الملهم قدرته على التأثير الإيجابي فيمن حوله من موظفين أو مدرسين. وذلك ببث روح الحماس في الفريق الذي يقوده وبناء الثقة في كل فرد منهم لتحقيق أهداف المؤسسة ورسالتها. وكثيرا ما استوقفني مفهوم القائد الملهم، وقد اقتُرح عليّ في عدة مرات أن أقدّم عرضا حول مفهوم الإلهام، ولكنني كنت أتراجع في كل مرّة لأن الموضوع انطباعي، فما أراه ملهما قد يراه غيري على غير ذلك.

حباني الله أنني قابلت وعملت مدرّسا ورئيس قسم منذ ما يزيد عن خمس وعشرين سنة مع العديد من المدراء ونظّار المدارس والقياديين والمنسقين في دول عربية وأجنبية مختلفة ومن بين هؤلاء: 

السيد راس ماكلين Russ Mcleen وقد كان ناظرا بالمدرسة الأمريكية الدولية بالكويت، كان لقائي مع راس في صيف ٢٠٠٧ حيث أجرى معي مقابلة اكتشفت من خلالها مدى ما يتّصف به من مهارة حسن الإنصات والهدوء. لم يكن راس مهذارا أو متسرّعا، بل كان محنّكا بارعا يردّ عليك بسؤال أو ابتسامة وتأتيك قراراته صائبة وتصب في مصلحة المدرسة بصفة عامة. في مكتبه يتوقف صخب الحياة الخارجي إنها الرصانة والثقل الذي تحدث عنه ميلان كوندرا في روايته "كائن لا تحتمل خفته". عملت مع راس ماكلين لسنوات وبعد تقاعده عن العمل تطوع لإدارة مدرسة مع زوجته الرسّامة في إفريقيا لعدة سنوات وهو الآن يتمتع مع أحفاده بحياة عائلية مميزة في الولايات المتحدة الأمريكية.

على مدار ثلاث سنوات، كان بلار لي  Blaire lee مدير المرحلة الثانوية بنفس المدرسة يبدأ  يومه المهني منذ الخامسة صباحا ليتواصل إلى ما بعد الثالثة ظهرا. وهو يعدّ من أكثر المدراء الذين اعتنوا بتكوين المدرّسين فقد أشاع في المدرسة ثقافة قراءة الكتب والمقالات، وكان يهدي العديد من النسخ للمدرّسين. هذه الثقافة التي رسّخها بلار ومن أحاط به من رؤساء أقسام ومنسقين جعلت عمل الفريق مميّزا في تعاونه وتقديم أفضل ما يمكن للطلاب.  كان بلار يشعر بمن حوله. وكم مرّة بكى في الاجتماعات وهو يثني على مدرّسيه وما يقدّمونه من عمل للطلاب. في كلمة واحدة كان بلار إنسانا لا يخجل من دموعه.

في سنة ٢٠٠٨، استضافت مدرستنا محاضرات Peak  "القمة" التي تشارك فيها جميع المدارس الدولية بالكويت وقد كنت أحد أعضاء الفريق الذي عمل على تنظيم المحاضرات. عندها تعرّفت على دايفيد بوطبيل David Botbyl قائد فريق التنظيم ومدير المرحلة المتوسطة. دهشت لمعرفته العميقة بالتقنية وسرعة إنجازه وتحديده لدور كل شخص في الفريق. لاقت التظاهرة نجاحا مميزا في التنظيم، وقد اكتشفت في دايفيد سرعة الإلمام بالتفاصيل، والقدرة على التنفيذ، مع المثابرة، وسرعة الحركة. وشاءت الأقدار أن نفترق سنوات ثم نعمل مع بعض مرة أخرى بعد أن أصبح ناظرا للمدرسة. دافييد من أكثر المديرين إلماما بتفاصيل البكالوريا الدولية وشروطها في كل مراحلها وقد نجح في إدارة المدرسة في سنتيْ أزمة كورونا بامتياز. 

 في سنة ٢٠١٠، تلقيت رسالة من مديرة اشتغلت معي وسافرت إلى قطر لتدير مدرسة دولية هناك. كانت إدارة المدْرسة تسعى لتطوير مدرّسيها وانتداب مدرّسين وقياديين أكفاء. دانيس والش Denise walsh لم تشتغل معي في نفس المرحلة، ولكنها كانت تحسن الملاحظة وقد عرضت عليّ أن أنتقل للعمل معها. لقد وفرت لي فرصة لتطوير خبرتي في القيادة وتحسين ظروف إقامتي. لأكون قائدا ناجحا عليّ أن أعدّ من يشتغلون معي ليكونوا قادة في المستقبل وأؤمن بقدرتهم على ذلك.

انتقلتُ في ٢٠١١ للعمل بالبحرين تحت قيادة الناظرة كارن موفيت Karen Moffat ، كانت كارن امرأة واسعة الاطلاع تمتلك مكتبة مدهشة إضافة إلى كونها متحدثة بارعة تشد إليها كل المستمعين. لا تملّ من حديثها لصدق سياستها في تطوير مستوى الطلاب. في زيارة هيئة الجودة صنّفت المدرسة البريطانية بعد سنتين مدرسة متميزة. كان عملها دؤوبا يبدأ بوقوفها صباحا على دخول المدرسين ووصول الطلاب إلى المدرسة وينتهي بمتابعة الأنشطة الرياضية مساء. كانت كارن تحسن انتداب المدرسين ولا تقبل التحاق الطلاب بالمدرسة إلا وفق شروط صارمة. كانت تدفع مجلس الإدارة دائما إلى التطوير وإحداث مرافق جديدة لفائدة الطلاب والمدرسين وكانت طلبياتها متميزة وغاب عنها الجانب التجاري للمؤسسة. عندما غادرت كارن المدرسة غادر معها عشرات المدرسين. فقدت المدرسة بريقها في بضع سنين لكن كارن صارت تشرف على مجموعة من المدارس في آسيا. 

 ومن الذين تأبى الذاكرة نسيانهم د. شارلز وال Dr. Charles Wall   وهو دكتور في الفيزياء استلم نظارة المدرسة البريطانية بالبحرين سنة ٢٠١٣. لم تكن مهمته سهلة ولكنه اتصف بالصبر والشفافية وفي أصعب القرارات اختار المعرفة على جشع الربح المادي. ارتضى شارل أن يكمل العقد الذي يربطه بالمدرسة كمدرّس على أن ينحني ويتجاوز مبادئه الأخلاقية. القائد الملهم لا يكون نفعيا، بل يُعرف العظام في الشدائد وحين تغلق أبواب الاجتماعات. 

د. شارل مدير مدرسة الآن في كراتشي.

من أفضل الاختيارات التي قمت بها في سيرتي المهنية أنني زاوجت بين التدريس وتدريب الطلاب في مختلف الأعمار والصفوف رياضة الجري وكرة القدم وقد شرفت سنة ٢٠١٥ بفرصة العمل مع مدير الأنشطة الرياضية سكوت هيرنغتون Scott Herrington ومساعده نوفل الورياشي Naoufal Uariachi في مدرسة جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية. لقد كان عملهما فريدا من نوعه في سلاسته ودقته لأنهما شغوفان بما يقدمان من عمل منظم. نوفل اليوم قائد منتخب الفريق المغربي لكرة السلة وسكوت مدير مدرسة في كندا. 

 في صيف ١٩٨٦، توفّي والدي -رحمه الله- ولم أبلغ أشدّي بعد. ووجدتني بعد الدفن، أتجه لبيت أستاذ العربية لأعلمه بوفاته وأستأنس بنصائحه فقال لي: من توفي والده فليكن أبا لنفسه. أنت الآن مسؤول عن أفعالك وأعمالك. وقد قال رسول الله: "إن الله يحبّ إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه". رحم الله أستاذي الشايبي كان ملهمي الأوّل. 

هناك العديد من القادة الملهمين الذين أعمل معهم الآن، ولكن أعفّ عن ذكرهم حتى لا يعدّ ذلك محاباة وتملّقا. ولذلك فإن ما تعلّمته من كلّ هؤلاء ألخصه في القواعد التالية:  

يجب أن يكون القائد الملهم:

- هادئا ويحسن الإنصات ويتخذ القرار في الوقت المناسب.

- متحدّثا بارعا وواسع الاطلاع.

- دقيقا وعارفا بالتفاصيل.

-  يحسن الملاحظة ويوفر فرص النجاح والتطور لمن يعمل معه.

- قدوة حسنة وصادقا وشفافا وذا مبادئ.

- شغوفا ومركزا ويتشارك مع فريق عمله الإنجازات في تناغم.

- مهتمّا ومسؤولا ومتقنا. 

   وختاما، فإنّ المؤسسات عامة والتربوية خاصة عليها أن تكون لها سياسة صارمة في انتداب القياديين ومنظوريها بما يضمن استدامة تلك المؤسسات ومحافظتها على الجودة المرجوة.

 

  سليم العابد

رئيس قسم اللغة العربية والاجتماعيات بالمرحلة الابتدائية 

 المدرسة الأمريكية الدولية بالكويت