الإثنين  17 حزيران 2024
LOGO
اشترك في خدمة الواتساب

عدالة فلسطين في عيون الحراك الطلابي

2024-05-30 08:58:55 AM
عدالة فلسطين في عيون الحراك الطلابي
رولا سرحان

لم تسفر عقود من التغطية على فلسطين قضية وشعبا وتاريخا عن تهميشها، ولم تؤدي محاولات التغطية عليها بمؤتمرات السلام بدءا من مدريد وأوسلو وما بعدها، وصولا إلى مسارات التطبيع العربية -الإسرائيلية، إلى نبذها عبر سحب تمثيل فعلها المقاوم من شعبها، بل أصبح هذا الفعل معامل تصحيح لسنوات من التضليل السياسي المفروض بالقوة خارجيا وداخليا، والذي كان يهدف أساسا لتكييف التوحش الاستعماري في فلسطين وجعله مقبولا، بل طبيعيا. غير أن ما نشهده اليوم من تضامن شعبي عالمي مع القضية الفلسطينية، وتحديدا من قبل الحراكات الطلابية التي تجتاح الجامعات الأمريكية وتتمدد لتصل أوروبا، إنما يعيد طرح مسألة فلسطين كقضية عدالة إنسانية بالأساس، فسؤال القضية الفلسطينية الرئيس، على تعقيده، هو سؤال أخلاقي بسيط، بمعنى لا يحتمل المراوغة أو التشكيك، قائم على ثنائية حادة: إما أنك مع العدل والحرية أو أنك ضدهما؛ هو سؤال قيمي، يحدد رؤية الشخص لذاته، الآن ومستقبلا.

   وقد اختار الطلاب الجامعيون موقفهم مع العدل والحرية، فكان وما زال حراكهم لافتا وملهما، له خصائصه الرافعة لنجاحه والمتمثلة أولا، في طبيعة القضية التي يدافعون عنها؛ وثانيا، أنه حراك سلمي؛ وثالثا، أنه يتبنى رسالة واضحة؛ ورابعا، أنه حراك قابل للاتساع والتمدد؛ وخامسا، القدرة الذاتية والفردية المستقبلية لهؤلاء الطلاب على التأثير على عملية صناعة السياسات مستقبلا. وهذه الخصائص، إلى جانب مقدرة الطلاب على الحفاظ بثبات عليها، تسببت في خلق معضلة للنخب السياسية الأمريكية، لكنها بشكل أكبر أرعبت إسرائيل. فاستنفر السياسيون الإسرائيليون، وعلى رأسهم نتنياهو، أدواتهم الدعائية في وسائل الإعلام الغربية لتوجيه النقد اللاذع للحراك الطلابي وشيطنته، واسمين إياه بمعاداة السامية والتحريض على الإرهاب، في حين سيخصص نتنياهو خطابه، في إثر تصاعد الحراك واتساعه، لمهاجمة الحراك، مدعيا أنه دعوة لإبادة إسرائيل. وفعليا، وإن لم يكن الطلاب المعتصمون في باحات الجامعات قد دعوا إلى القضاء على إسرائيل، بل كانوا حريصين في تحديد مطالبهم بوضوح والمتمثلة أساسا بوقف الإبادة في غزة، إلا أن مجرد مطالبتهم تلك إنما تعني أساسا أنهم قادرون على فهم السياق العام لما يجري هناك واليوم تحت نيران آلة الحرب الإسرائيلية وفي سماء غزة، وهو ما يفضي تلقائيا إلى تحديد من هو المعتدي وتحديد من هي الضحية، والتي هي هنا ليست إسرائيل. وفي اللحظة التي ستخسر فيها إسرائيل تأبيدها لحصرية وسمها بـ"الضحية" الأولى والأخيرة أو "الضحية دائما"، فإنها تكون قد خسرت معاملها الوجودي الذي يضمن استمرارها وبقاءها. فهذا الغطاء الوثير، "الضحية دائما"، هو في ذات الوقت درع صلب، وفر الدعم المطلق المستمر وغير القابل للتشكيك لإسرائيل، فحولها من وحش استعماري يقتات من دماء الفلسطينيين ليكبر ويتمدد، إلى طرف مهيض معرض دائما للاعتداء، ومحاط بالأعداء. غير أن الحرب الطويلة التي تخوضها إسرائيل اليوم، والتي تعد الأطول في تاريخها منذ تأسيسها، والصمود الفلسطيني في غزة العامر بالتضحيات الجسام، والمقاومة الباسلة التي استمرت محافظة على ثباتها، إنما عادت وطرحت سؤال "من هي الضحية؟" من جديد، لتخسر إسرائيل الإجابة عليه.  وما فعله الطلاب هو أنهم أحدثوا شرخا ظاهرا في السردية الإسرائيلية القائمة على احتكار خاصية "الضحية دائما"، لأنهم تمكنوا من سحب احتكار إسرائيل للرواية حول واقع ما حدث ويحدث في فلسطين منذ عام 1948. وهذا ما يفسر ضخامة الاهتمام بدعم السردية الإسرائيلية في وسائل الإعلام الرئيسية (Mainstream Media) في الولايات المتحدة وأوروبا، وتجنيد الأقلام في الصحف والخبراء والسياسيين في الإعلام المرئي للدفاع عن إسرائيل وسرديتها. وهو ما قد يمكن وصفه بأكبر عملية تضليل غير مسبوقة للذاكرة المعاشة والمستقبلية، عبر محاولات تفريغ الحراك من مضمونه أو التسخيف والاستخفاف بعقول هؤلاء الطلاب كما فعلت هيلاري كلينتون في مقابلتها مع شبكة “MSNBC” الأمريكية عندما وصفتهم بأنهم يجهلون تاريخ الشرق الأوسط، أو بوصفهم بأنهم يفتقرون إلى التفكير النقدي كما فعل توماس فريدمان في عموده الدوري في صحيفة نيويورك تايمز.

وسيلاحظ المتتبع للأحداث، كيف أن التغطية على السردية الفلسطينية قد بدأت مع بداية العدوان على غزة، عندما شهدنا محاولة التخدير الجماعي العالمي لمنع التحرك لنصرة الفلسطينيين، ولحشد وتجنيد التأييد لإسرائيل كطرف معتدا عليه، يحق له الدفاع عن نفسه، فسادت هذه الرواية فترة لم تصمد طويلا أمام حجم الدماء التي سالت وأعداد الضحايا التي مرت أمام أعين الجميع، لكن هذه المرة في وسائل الإعلام البديلة عبر منصات التواصل الاجتماعي التي تعتبر المصدر الرئيس لجيل جديد من الشباب،  يصفه علماء الديموغرافيا ومنظرو الإعلام بالجيل “Z”. وهم الجيل الذين أتاحت لهم الثورة التكنولوجية والاتصالية ووسائل التواصل الاجتماعي العابرة للثقافات التعرف على وجهات النظر المختلفة، وتكوين أرائهم بصورة مستقلة، تمكنهم من محاكمة وتقييم السرديات والمعلومات التي تقدمها وسائل الإعلام التقليدية، إذ أن لديهم قدرة على النفاذية والتواصل والوصول إلى مصدر أولي للخبر Primary source وللمعلومات وللصورة، وبالتالي تمكنوا من التحرر من البروباغندا التي تحاول المؤسسات الإعلامية التقليدية ترويجها. وتتبنى هذه الفئة العمرية، التي تشكل الرافعة الاجتماعية الرئيسية للحركة الطلابية في الجامعات، المبادئ الحقوقية والقضايا التي تحضر فيها فكرة العدالة والمساواة وحقوق الإنسان بشكل رئيس. فهم جيل يتبنون القيم العالمية الكبرى بمعزل عن وجهات النظر الأيديولوجية، لذلك لم يتأثر أبناء هذا الجيل بالدعاية الرسمية والتيار العام المؤيد لإسرائيل في أميركا، فكانوا مصدر قلق كبير لكليهما.

 

ما يحصل اليوم في الجامعات يؤذن بأن وعيا مضادا يعمل على خلق حيزه ومساربه، وله مقاربة مختلفة كليا عن النخب السياسية في التعاطي مع القضايا الأخلاقية العادلة. وبعد جيل أو جيل ونصف سنكون أمام مجموعات قد تكون قادرة على صناعة القرار، أو على الأقل اتخاذ موقف ضد إسرائيل، وهذا مكمن أهميتها. لذلك، وبعد أن وصلت المؤسسات الرسمية والإعلامية الغربية إلى حدها الأقصى من عدم المقدرة على الإقناع عبر الأدلة المنطقية والمادية بأن إسرائيل "ضحية دائما"، إنبرت إلى اللجوء إلى أساليب القمع والترهيب واستخدام العنف، والتحريض، أو في أقل تقدير الادعاء بأن هؤلاء الطلاب لا يمثلون الرأي العام الأمريكي، في محاولة لمنع تسرب هذا الموقف الأخلاقي إلى مجموع الرأي العام الأمريكي. غير أن اللافت في هذه الانتفاضة الأخلاقية التي يقودها الطلاب أن دلالاتها بالغة الأهمية، وفي صلبها أن هنالك تحولا في المخيلة الجمعية، إن لم يكن لدى شعوب العالم، تجاه إسرائيل، فعلى الأقل في المخيلة الجمعية لهؤلاء الطلاب، فإسرائيل اليوم بالنسبة لهم دولة استعمارية ترتكب إبادة جماعية، وليست دولة مستضعفة أو "ضحية دائما".

وعلى هذا سيكون الطلبة قادرين على خلق جبهة إسناد إضافية للقضية الفلسطينية، وهو وازع كفيل بأن يصبح مصدر قلق وتُشن عليه حرب إعلامية مثلما التي نشهدها اليوم في وسائل الإعلام الغربية، بينما يتم استهداف الطلاب والأساتذة المتضامين مع القضية الفلسطينية بشكل مباشر وشخصي، أما السبب الخفي لهذا الاستهداف فيمكن لنا أن نستمده مما يعلمنا إياه التاريخ: أن الطلاب دائما ما يكونون في الجانب الصحيح من التاريخ، لأنهم لم يدخلوا بعد لعبة المصالح والأجندات، لذلك فإن صوتهم دائما هو صوت نقي وحي لأنه صوت المستقبل.