السبت  30 آب 2025
LOGO
اشترك في خدمة الواتساب

كوشنر وبلير مع ترامب في "اجتماع غزة" لماذا ؟

2025-08-28 09:05:28 AM
 كوشنر وبلير مع ترامب في

الحدث العربي والدولي

في لقاء غير متوقع، جمع الرئيس الأميركي  دونالد ترامب يوم الأربعاء بكلا من صهره ومستشاره السابق جاريد كوشنر، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير. هذا الاجتماع، الذي وُصف بأنه "سياسي" بحت، تناول بشكل موسع كافة جوانب الحرب على قطاع غزة، من قضايا المساعدات الإنسانية وأزمة الرهائن إلى خطط ما بعد الصراع، وهو ما أثار تساؤلات كبيرة حول أسباب مشاركة شخصيتين بارزتين لا تشغلان حاليًا أي مناصب رسمية، لكنهما تحملان رؤى مثيرة للجدل حول مستقبل المنطقة.

اجتماع الأربعاء لم يكن مجرد لقاء عابر، بل كان إشارة واضحة إلى أن ترامب، حتى وهو خارج البيت الأبيض، لا يزال يمتلك شبكة تأثير واسعة، وأنه يعتمد على مستشارين قدامى لتشكيل رؤيته للسياسة الخارجية. ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية، يبدو أن ملف غزة سيكون له ثقل كبير في خطاباته، خاصة وأن رؤيته لحل الصراع تتقاطع بشكل كبير مع أفكار كوشنر، الذي كان مهندس "صفقة القرن" المثيرة للجدل.

لماذا عاد كوشنر إلى الواجهة؟

بالنسبة لجاريد كوشنر، زوج ابنة ترامب ومستشاره السابق، فإن مشاركته في الاجتماع ليست مفاجئة. لقد كان مهندسًا رئيسيًا للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط خلال ولاية ترامب الأولى، وله بصمات واضحة على "صفقة القرن" وتطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية. حضوره اليوم يعكس تطابق رؤيته مع أفكار ترامب بشأن غزة، وهي رؤية تتجاوز مجرد الحلول السياسية لتصل إلى الحلول العقارية.

لم يخفِ كوشنر أبدًا رؤيته لغزة كمشروع عقاري. ففي تصريحات سابقة، وصف الصراع العربي-الإسرائيلي بأنه "ليس أكثر من نزاع عقاري"، واقترح أن الواجهة البحرية لغزة يمكن أن تكون "ذات قيمة كبيرة" إذا ما تم "إجلاء الناس ثم تنظيف المكان". هذه التصريحات، التي قوبلت بانتقادات واسعة، تكشف عن عقلية تضع الربح المادي في صدارة أولوياتها على حساب الحقوق الإنسانية للشعب الفلسطيني. هذا التفكير، الذي يتقاطع مع خلفية ترامب العقارية، يثير قلقًا عميقًا حول طبيعة الخطط التي قد تُطرح لمستقبل غزة وأهلها.

تأتي تصريحات كوشنر هذه في وقت يعاني فيه سكان غزة من أسوأ أزمة إنسانية، وسط دعوات لتهجيرهم قسرًا من القطاع. وقد أُثيرت تساؤلات حول ما إذا كان اجتماع ترامب وكوشنر يهدف إلى رسم خطة لاستغلال الأوضاع المأساوية الحالية لتحقيق مكاسب اقتصادية أو سياسية.

توني بلير: من "صانع حروب" إلى "صانع سلام"؟

أما مشاركة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير في الاجتماع، فهي الأكثر إثارة للجدل. بلير، الذي يُعرف بدوره المثير للجدل في حرب العراق عام 2003، عاد إلى الواجهة عبر معهد توني بلير، وهي منظمة غير حكومية أسسها عام 2016. وقد ركزت هذه المنظمة جهودها على قضايا الشرق الأوسط، وتحديدًا على مساعي إحلال السلام في المنطقة.

وفقًا لصحيفة "فاينانشال تايمز"، شارك معهد بلير في مشروع لوضع خطة لما بعد الحرب على غزة. وعلى الرغم من أن المعهد نفى أن تكون خطته تتضمن التهجير القسري، إلا أن وجود بلير إلى جانب كوشنر، المعروف بآرائه الصريحة حول التهجير، يثير الشكوك. فبلير، الذي ارتبط اسمه بالتدخلات العسكرية التي قوضت استقرار المنطقة، يُنظر إليه اليوم من قبل البعض على أنه يسعى لاستعادة مكانته عبر المشاركة في "صنع السلام".

تاريخ بلير الحافل بالقرارات المثيرة للجدل يجعله شخصية غير موثوقة بالنسبة للكثيرين، خاصة في الشرق الأوسط. كما أن اجتماعه مع ترامب وكوشنر، وهما شخصيتان لا تتمتعان بثقة كبيرة في المنطقة، يزيد من الشكوك حول طبيعة نواياهم المشتركة. هل يهدف بلير حقًا إلى إيجاد حل سلمي، أم أنه يسعى لتوظيف شبكته الواسعة من العلاقات في خدمة أجندة سياسية قد لا تكون في مصلحة الشعب الفلسطيني؟

غزة: بين الأجندة الإنسانية والأجندة العقارية

يُمكن وصف اجتماع ترامب وكوشنر وبلير بأنه "لقاء القوة الناعمة". فهو يجمع بين شخصيات خارج السلطة، لكنها تمتلك تأثيرًا كبيرًا على الساحة الدولية. الأجندة المعلنة للاجتماع، وهي زيادة المساعدات الإنسانية ومناقشة مستقبل غزة، تبدو إيجابية على السطح، لكن الخلفية الحقيقية للمشاركين تُثير تساؤلات حول الأهداف غير المعلنة.

ففي الوقت الذي يتحدث فيه العالم عن وقف إطلاق النار وتقديم المساعدات، يبدو أن كوشنر يرى في غزة فرصة استثمارية. هذه الرؤية العقارية، التي تُجرد الصراع من بُعده الإنساني، تُعدّ خطيرة للغاية. أما بلير، فهو يسعى لإعادة تأهيل صورته كـ "صانع سلام"، لكن سجله التاريخي يلقي بظلال من الشك على نواياه.

الاجتماع ليس مجرد حدث عابر، بل هو مؤشر على أن "غزة ما بعد الحرب" لم تعد مجرد قضية إنسانية، بل أصبحت ميدانًا للمصالح السياسية والاقتصادية. إن حضور كوشنر وبلير إلى جانب ترامب يُرسل رسالة واضحة: هؤلاء الأفراد، الذين كانوا في قلب القرارات الدولية لعقود، لا يزالون يمتلكون رؤية لمستقبل المنطقة، وهي رؤية قد لا تكون في مصلحة الشعب الفلسطيني الذي يُعاني من ويلات الحرب.