السبت  21 أيلول 2019
LOGO

قراءة في نظام تقاعد القطاع غير الحكومي

2014-03-04 00:00:00
قراءة في نظام تقاعد القطاع غير الحكومي
رسم كاريكاتوري رمزي الطويل

 

الحدث - إعداد: د. عصام عابدين – مؤسسة الحق

 

صادق مجلس الوزراء في جلسته التي عقدت برام الله يوم الثلاثاء بتاريخ 2014/2/18 على نظام تقاعد القطاع غير الحكومي المُحال إلى المجلس من قبل وزارة العمل. 

 

وقد أشار وزير العمل د. أحمد مجدلاني في تصريحات إعلامية عقب إصدار النظام إلى ما يلي: «انسجاماً مع الجهد الوطني المبذول حالياً لإنشاء منظومة الضمان الاجتماعي الشاملة في فلسطين، قامت وزارة العمل بتطوير وإدارة حوار وطني واجتماعي على مضمون المقترح المقدم من ممثلي القطاع الخاص، ويضمن مشروع النظام حق العامل ورب العمل اختيارياً في الالتحاق بنظام تقاعد تكميلي بشرط أن يكون المشترك منتفعاً من أحكام أي نظام تقاعد أساسي».

 

وأضاف د. مجدلاني، بأن «نظام التقاعد غير الحكومي سيكون له دور أساسي ومهم في ضمان وتعزيز منظومة الضمان الاجتماعي الإلزامية والأساسية التي تعمل الحكومة حالياً على وضع وإعداد مشروع القانون الناظم لها، بناء على التقييم الإكتواري الذي تم تنفيذه مؤخراً مع خبراء منظمة العمل الدولية». وتابع قائلا: «بالانتهاء من إنشاء المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي وقانون الضمان الاجتماعي الذي من المتوقع أن يتم البدء به عام 2015، ستكون الركائز لمنظومة الضمان الاجتماعي الأساسية والتكميلية جاهزة، بما يُساهم في تحقيق أهداف العمل اللائق ومتطلباته».

 

إقرار نظام التقاعد غير الحكومي يُعري الخطة التشريعية للحكومة

 

إن الجدل الدائر بشأن التقاعد غير الحكومي يرجع إلى عام 2007 على أقل تقدير، أي منذ إجراء التعديل على قانون التقاعد العام رقم (7) لسنة 2005 بالنص على وجوب خضوع موظفي مؤسسات العمل الأهلي والمجتمع المدني والقطاع الخاص والعمال الخاضعين لأحكام قانون العمل وموظفي وأعضاء النقابات المهنية ومنتسبيها لأحكام قانون التقاعد العام بلائحة تصدر عن مجلس الوزراء، علماً بأن القانون المذكور كان ينص في مادته الثامنة على الانتفاع الجوازي لتلك الفئات، ومع ذلك فإن هذا التعديل بقي حبراً على ورق، إلى أن صدرت اللائحة التنفيذية رقم (16) لسنة 2010 عن مجلس الوزراء بشأن تنظيم انتفاع تلك الفئات بأحكام قانون التقاعد العام ونصت على سريان أحكام هذا القانون على موظفي القطاع غير الحكومي وفق جدول زمني متفق عليه مع مجلس إدارة هيئة التقاعد الفلسطينية، ولكنها بقيت أيضاً حبراً على ورق دون تنفيذ. ومن ثم عاد الحديث من جديد عن جهود كانت تُبذل منذ شباط 2010 لإقرار نظام تقاعد القطاع غير الحكومي، الذي أقرته الحكومة مؤخراً، وقد «قلب ظهر المجن» لكل ما سبقه من تشريعات أقرتها الحكومة أو نسّبتها للرئيس للإقرار بهذا الخصوص، وجعلها أثراً بعد عين. 

 

وإذا أضفنا لكل ذلك، تصريحات وزير العمل؛ بأن أحد الأسباب الرئيسة لتأخر إقرار هذا النظام يتمثل في الجهود المبذولة لإقرار قانون الضمان الاجتماعي والذي يشكل بنظره زكيرة أساسية فيما يشكل النظام المذكور ركيزة «تكميلية» في هذا السياق، أي على طريقة العربة والحصان ومَن قبل الآخر؟ فإننا نُلخّص من واقع هذا المشوار الطويل واقع الخطة التشريعية للحكومة!

 

إقرار هذا النظام، ومن قبله العديد من التشريعات الاستثنائية، ومكانها ليس هنا، فالحديث فيها يطول، كفيلٌ بأن يُظهر الخطة التشريعية للحكومة؛ وكأنها حبرٌ على ورق، أمام حجم الهوة الواسعة بين ما جاءت به الخطة التشريعية وبين ما يحصل على أرض الواقع من غياب الرؤية والمبادىء العامة والأهداف والأولويات والمواءمة التشريعية والمعايير المعتمدة في الخطة وآليات تنفيذها وضمانات حسن تنفيذها، وفيما يبدو أن ما كُتب في الخطة التشريعية للحكومة قد تبخر مع الوقت وذهب أدراج الرياح.

 

إدارة حوار وطني على النظام أم سيرٌ على نهج الإغتراب؟

 

رغم ما أشار إليه د. مجدلاني في تصريحاته الإعلامية من قيام وزارة العمل بتطوير وإدارة حوار وطني واجتماعي على مضمون المقترح المقدم من ممثلي «القطاع الخاص» بشأن نظام التقاعد غير الحكومي، إلاّ أن سلسلة الانتقادات التي وُجهت إلى هذا النظام تسير في اتجاه مغاير تماما؛ ومن بينها الانتقادات التي وُجهت من قبل ممثلي النقابات العمالية، ومن هيئة التقاعد الفلسطينية، ومن مجموعة العمل الخاصة بالقضايا الاجتماعية في المجلس التشريعي، مضافاً إليها غياب دور القطاع الأهلي في مناقشة هذا النظام، الذي يعكس تصور القطاع الخاص، أو شريحة من القطاع الخاص بتعبير أدق، أشرفت على إعداده، وضغطت، فنجحت في إقراره من مجلس الوزراء.

 

ومن بين الانتقادات التي وُجهت للحكومة أنها تسعى إلى تفريغ نظام «الضمان الاجتماعي» الذي يجري العمل عليه من مضامينه وأهدافه، وأن نظام تقاعد القطاع غير الحكومي لا يتعدى كونه «صندوق استثماري» ولا يمثل نظام حماية اجتماعية، بل ويعرقل الجهود المبذولة على هذا الصعيد.

 

علاوة على غياب الأساس القانوني للنظام، ومخالفته أحكام القانون الأساسي والقانون، وأنه لا يعكس رؤية وأولويات واضحة لدى الحكومة تجاه الضمان الاجتماعي والحد الأدنى للأجور وضمان تطبيقه. والنقد الذي طال سياسات الحكومة تجاه مطالب الحركة العمالية وأهمية تطبيق إجراءات فعالة للحد من مشكلات الفقر والبطالة وارتفاع الأسعار ودعم المزارعين وصمودهم على أرضهم. 

 

تلك الانتقادات؛ لا توحي بأن حواراً وطنياً واجتماعياً قد دار فجاء هذا النظام ثمرة له، أو على الأقل أن حواراً جاداً قد دار واستمع أطرافه لبعضهم البعض، وخرجوا بالنظام ثمرة له، بقدر ما تؤكد على استمرار تلك الحالة النمطية في «نهج الاغتراب» السائد بين صناع القرار وشرائح المجتمع المخاطبة بتلك الإجراءات والقرارات. وفيما يبدو، أن تلك الحالة النمطية السائدة لا تقتصر على النظام المذكور، بقدر ما تعكس نفسها، وبقوة، على مجمل التشريعات والسياسات الحكومية.

 

ولا يبدو أن الحكومة أو وزارة العمل معنيّون، حتى الآن، بسياسة الإفصاح فيما يخص النظام المذكور ومذكرته التفسيرية، لا قبل إقرار النظام ولا بعد إقراره، ولا أدل على ذلك من أن هذا النظام لا يظهر على الموقع الإلكتروني الرسمي لمجلس الوزراء ولا على الموقع الإلكتروني لوزارة العمل على اعتبار أنها الجهة التي أدارت حواراً «وطنياً واجتماعياً» على مضمون النظام حسب تصريحات وزير العمل للإعلام بهذا الخصوص، كما ولا يظهر أيضاً «التقييم الإكتواري» الذي تم تنفيذه مؤخراً مع خبراء منظمة العمل الدولية بحسب التصريحات الإعلامية الصادرة عن وزير العمل.

 

إفصاح من شريحة القطاع الخاص بشأن النظام

 

أكد رئيس مجلس إدارة بنك فلسطين ومديره العام، هاشم الشوا، في تصريحاته لوسائل الإعلام على أهمية دور البنوك والمؤسسات المصرفية وشركات القطاع الخاص في إقرار الصيغة النهائية لنظام «تقاعد القطاع الخاص» والدخول كمؤسسين في الشركة المساهمة العامة التي ستتولى إدارة أموال الصناديق التي ينص عليها النظام، كما وأكد أيضاً على ضرورة المضي قدماً في الخطوات التنفيذية لتأسيس وتسجيل وترخيص هذه الشركة التي وصفها بالهامة.

 

وتابع الشوا، بأن الدراسات تُشير إلى وجود حوالي 150 مليون دولار في صناديق التوفير المختلفة العاملة في القطاع غير الحكومي؛ فضلاً عن حجم مستحقات نهاية الخدمة والتي تصل إلى مئات الملايين من الدولارات. مؤكداً على أن أكبر ما يُعيق هذه الصناديق هو عدم توفر إدارة متفرغة متخصصة لإدارة هذه الأموال، مما ينعكس بتدني ملموس في عائدات هذه الصناديق وخسارة كبيرة بالنسبة للمشتركين والمتقاعدين وللاقتصاد الوطني، ما يؤكد ضرورة العمل على خلق وإنشاء جسم متخصص يكون قادراً على إدارة هذه الأموال بكفاءة عالية ومردود مالي مرتفع. 

 

وأوضح الشوا، أنه ونتيجة لتدني الدور التمويلي لأموال صناديق التقاعد على مستوى الاقتصاد الكلي في الوطن، فقد تداعت بعض الشركات ومؤسسات القطاع الخاص إلى سد الفراغ واتباع استراتيجية في شقين؛ الأول العمل على إقرار نظام تقاعد القطاع غير الحكومي، والثاني التحضير لإنشاء شركة مساهمة عامة لإدارة أموال صناديق التقاعد القائمة حالياً والصناديق المتوقع إقامتها بعد إقرار النظام، مؤكداً أن بنك فلسطين قد قطع شوطاً كبيراً على طريق إنشاء هذه الشركة.

 

فيما أوضح المستشار الخاص في بنك فلسطين، ومعد مشروع النظام، د. عاطف علاونة، لوسائل الإعلام بأن المبادرة جاءت من بنك فلسطين، الذي رأى في الفكرة مشروعاً تمويلياً مهماً، وكلف  د.علاونة بإعداد مشروع النظام، مؤكداً جاهزية القطاع الخاص للانطلاق بنظام تقاعد القطاع غير الحكومي، ومتوقعاً أن تُقر اللجنة التأسيسية للنظام، المؤلفة من 20 شركة، التوجه لإجراء التحضيرات الضرورية لتسجيل الشركة المتوقع أن يتراوح رأسمالها بين 10 و15 مليون دولار. 

 

ومن جهته، أكد رئيس المجلس التنسيقي لمؤسسات القطاع الخاص مهدي المصري لوسائل الإعلام على ضرورة وضع آليات واضحة لإطلاق نظام «تقاعد القطاع الخاص»، خصوصاً وأن القطاع الصناعي الفلسطيني يعاني من صعوبات جمة في النفاذ إلى التمويل وتمكينه من تحسينه.  

 

والذي يبدو لنا، أن اندفاع شريحة من القطاع الخاص إلى وسائل الإعلام للترويج للنظام كمشروع استثماري مجد، قد أسقط تماما من حساباتهم أن هذا النظام ليس فقط «للقطاع الخاص» كما ورد في تصريحاتهم الإعلامية، وإنما للقطاع غير الحكومي عموماً على الأقل بحسب العنوان المدون في صدر نظام تقاعد «القطاع غير الحكومي» المقر من مجلس الوزراء. يبدو أن «الدور الهامشي» لممثلي النقابات العمالية في مضمون النظام والذي اقتصر على وجود عضوين في «مجلس المشتركين» الذي ينحصر دوره بتقديم «المشورة فقط» للشركة المساهمة العامة التي تدير الصناديق، وإقصاء هيئة التقاعد الفلسطينية نهائياً من المشروع الذي بات في أحضان هيئة سوق رأس المال باعتبارها الجهة الرقابية بموجب النظام، علاوة على طبيعة الجهات المستفيدة من أحكام هذا النظام، كان كافياً لدفع شريحة القطاع الخاص إلى توضيح المسمى الحقيقي لهذا النظام وتوضيح الأطراف الحقيقية التي أدارت وحسمت الحوار الذي تحدث عنه وزير العمل في تصريحاته الإعلامية.      

 

النظام مخالف لأحكام القانون الأساسي والقانون

 

من الواضح أن نظام تقاعد القطاع غير الحكومي مخالف لأحكام القانون الأساسي والقانون، ولا يوجد أساس قانوني يقوم عليه، كما أن العمل بهذا النظام شديد «الغموض والعمومية» يحتاج إلى إجراء تعديلات على عدة قوانين نافذة ضمن المنظومة التشريعية الفلسطينية في سبيل خدمته.

 

إذ بالرجوع إلى القانون الأساسي وبخاصة المادة (1/22) منه فقد أكدت صراحة على أن «ينظم القانون خدمات التأمين الاجتماعي والصحي ومعاشات العجز والشيخوخة». وبالتالي، فإنه عندما يحتجز القانون الأساسي تنظيم مسائل محددة للقانون فقط، من خلال عبارة «ينظم القانون»، فإن عملية التنظيم تتم حصراً بقانون، أي يقانون عادي وليس بتشريع استثنائي (قرار بقانون) ومن باب أولى ليس بنظام أيضاً، ويمكن ببساطة العودة إلى أحكام القضاء الدستوري لبيان هذه المسألة. وبالتالي فإنه، ومن حيث المبدأ، فإن تنسيبات مجلس الوزراء للرئيس بتعديل قانون التقاعد العام لسنة 2005 من خلال قرارات بقوانين قد تجاوزت حدود القانون الأساسي الذي يحصرها بالقانون.

 

وبالرجوع إلى الأسانيد القانونية التي بُني عليها نظام التقاعد غير الحكومي نجد أنه قد استند إلى القانون الأساسي (المادة 70) وإلى قانون التقاعد العام وتعديلاته وقانون هيئة سوق رأس المال. وإذا بدأنا بالقانون الأساسي؛ فإن حق مجلس الوزراء بإصدار اللوائح أو الأنظمة (المعنى واحد) مرتبط بلزومها لتنفيذ القوانين، أي أن تلك اللوائح هي مكملة ومفسرة للقوانين لغايات تنفيذ الأخيرة، ولا يمكن للنظام أن يُنشيء قواعد قانونية جديدة، أو أن يتجاوز حدود القانون، وإلاّ بات نظاماً غير قانوني.

 

وبالرجوع إلى القرار بقانون رقم (5) لسنة 2007 بتعديل قانون التقاعد وبخاصة المادة (2) منه فقد أكدت صراحة على وجوب أن يشمل قانون التقاعد العام الفئات التالية كفئات منتفعة بالقانون وهم موظفو مؤسسات العمل الأهلي والمجتمع المدني والقطاع الخاص والعمال الخاضعين لأحكام قانون العمل وموظفو وأعضاء النقابات المهنية ومنتسبوها وينظم ذلك بلائحة تصدر عن مجلس لوزراء. وقد صدر قرار مجلس الوزراء رقم (16) لعام 2010 باللائحة التنفيذية بشأن تلك الفئات المنتفعة.

 

وبمعزل عن التعليق على تلك اللائحة، فإن تلك الفئات خاضعة لأحكام قانون التقاعد العام، وبالتالي يجب أن يلتزم أي نظام يصدر هنا حدود هذا القانون، ولا يتخطاها، وحيث أن نظام تقاعد القطاع غير الحكومي قد تخطى في مختلف أبوابه أحكام قانون التقاعد العام، الذي يجب أن يخضع له بقوة القانون، فإنه والحالة تلك يصبح نظاماً غير قانوني علاوة على مخالفته للقانون الأساسي.

 

كما أن هذا النظام يتعارض مع أحكام قانون العمل رقم (7) لسنة 2000 في مسائل من بينها ما يتعلق بمكافأة نهاية الخدمة وأحكامها، ومن البديهي أن هذا النظام الأقل درجة في القوة القانونية لا يستطيع أن يتخطى أحكام قانون العمل. علاوة على ذلك، فإن الشركة أو الشركات المساهمة العامة التي ستدير الصناديق بسياساتها الاستثمارية والتي ستوظَف فيها أموال المشتركين والمنتفعين من أجل استثمارها وتنظيم صرف الرواتب التقاعدية والدفعات الشهرية ستحتاج أيضاً إلى إجراء تعديلات على قانون الشركات لسنة 1964 وتعديلاته لاستكمال إجراءات تسجيلها حسب القانون. 

 

النظام مُتنفس هروب العاجز إلى الأمام

 

يبدو أن الحكومة قد وجدت في نظام تقاعد القطاع غير الحكومي، كمشروع استثماري مجد لشريحة من القطاع الخاص، متنفساً للهروب من فشل تنفيذ وعودها التي قطعتها بشأن نظام الضمان الاجتماعي وتوفير شبكة حماية اجتماعية، من خلال اللجوء إلى سياسة وضع العربة أمام الحصان.

 

ولا بأس هنا من العودة بالذاكرة، قليلاً إلى الوراء، وتحديداً إلى جولات المفاوضات الجماعية التي استمرت عدة شهور بين ممثلي أطراف الإنتاج الثلاثة (أصحاب العمل والعمال والحكومة) لإقرار الحد الأدنى للإجور الذي أقرته الحكومة بجلستها التي انعقدت يوم الثلاثاء بتاريخ 2012/10/9، حيث جرى التوافق بخلاصة الحوارات والمفاوضات الجماعية على اعتماد الحد الأدنى للأجور وعلى وجوب التقيّد بعدة عناصر ومحددات، بحيث تكون جزءاً لا يتجزأ من الاتفاق الكامل حول الحد الأدنى للأجور؛ ومن بينها ما ورد في (البند رقم 8) من عناصر الاتفاق والذي أكد صراحة على «أن يتم استكمال التشريعات والقوانين الخاصة بالضمان الاجتماعي والتأمينات الاجتماعية خلال عام واحد من تطبيق الحد الأدنى للأجور بما يُساهم في تأمين شبكة حماية اجتماعية ووطنية شاملة». 

 

وحيث أن تطبيق قرار الحد الأدنى للأجور قد بدأ منذ 2013/1/1، وحيث أن الحكومة لم تستكمل إقرار قانون الضمان الاجتماعي كما التزمت لغاية الآن، فإنها قد نكثت بالاتفاق وعناصره باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الاتفاق الكامل حول الحد الأدنى للأجور. وحيث أن لجنة الأجور لم تجتمع لتقييم الحد الأدنى للأجور؛ كما ينص قانون العمل ولائحة مجلس الوزراء بهذا الخصوص، وفي ظل عدم وجود رقابة جدية من وزارة العمل على مدى الالتزام بما جرى الاتفاق عليه على الأرض، فإن مصير قانون الضمان الاجتماعي وقرار الحد الأدنى للأجور قد بات في مهب الريح.

 

ما موقف وزارة العمل من قانون «التأمينات الاجتماعية» المُلغى؟

 

هذا ما تُجيب عليه المذكرة الإيضاحية أو التفسيرية لنظام تقاعد القطاع غير الحكومي، المقدمة من قبل وزارة العمل، وقد ورد فيها: «وعلى مستوى القطاع الخاص فقد أسفرت جهود وزارة العمل الفلسطينية عن إقرار المجلس التشريعي قانون التأمينات الاجتماعية رقم 3 لسنة 2003 الذي احتوى على نظام تقاعد خاص بالعاملين في القطاع الخاص، اتسم بالسخاء الواسع والإدارة الفضفاضة والتي لا تلبي الحد الأدنى من متطلبات الحكم الرشيد والكفاءة والتفرغ في إدارة الأموال المجمعة من خلال هذا النظام، مما حذا بجميع المستويات الدولية والمحلية إلى اتهام المجلس التشريعي بالتسرع في إقرار هذا القانون واعتماده لأسباب سياسية بالدرجة الأولى، مطالبة بإلغائه وهو ما حصل فعلاً من خلال قرار بقانون رقم 6 لسنة 2007 بشأن إلغاء قانون التأمينات الاجتماعية الصادر عن رئيس السلطة الوطنية بتاريخ 2007/8/23. مع إلغاء قانون التأمينات الإجتماعية رقم 3 لسنة 2003 وإقرار قانون التقاعد الموحد رقم 7 لسنة 2005 بدأ مشوار الإصلاح بالنسبة لتقاعد القطاع الخاص من جديد...».

 

موقف لافت، لوزارة العمل، أن تعتبر أن قانون التأمينات الاجتماعية الملغى، والذي يعد من أرقى القوانين التي أقرها المجلس التشريعي بما يحمل من مبادىء وأحكام قائمة على الوضوح والشفافية وتراعي متطلبات ومرتكزات الحماية والعدالة الاجتماعية، بأنه لا يلبي متطلبات الحكم الرشيد والكفاءة، وأن إقرار هذا القانون (التأمينات الاجتماعية) قد حذا «بجميع» المستويات الدولية والمحلية إلى اتهام المجلس التشريع بالتسرع في إقراره واعتماده «لأسباب سياسية» بالدرجة الأولى مطالبة بإلغاؤه، وأن إلغاء قانون التأمينات الاجتماعية مرتبط بمشوار إصلاح بالنسبة لتقاعد القطاع الخاص!

 

هذا الموقف، من وزارة العمل، بما يحمله من أبعاد ودلالات، من شأنه أن يُثير العديد من الأسئلة ومن بينها: هل هذا حقاً هو موقف «جميع المستويات المحلية» أم موقف شريحة من القطاع الخاص لم يرق لها قانون مُنصف للفئات الكادحة والمُستضعفة فأجهزت عليه عملياً قبل أن يُلغى؟! وهل إقرار قانون التأمينات الاجتماعية جاء «لأسباب سياسية» أم أن إلغاء هذا القانون قد جاء استجابة لنصائح البنك الدولي في إطار سياسة التقشف ولو على حساب الأمن والحماية الاجتماعية؟! 

 

وأمّا القول بأن إلغاء قانون التأمينات الاجتماعية وإقرار قانون التقاعد وتعديلاته مرتبط بمشوار «الإصلاح» بالنسبة لتقاعد القطاع الخاص فهذا «خطأ كبير» في فهم فلسفة ومغزى وأهداف ومرتكزات قانون التأمينات الاجتماعية. وأمّا القول بأن هذا القانون قد اتسم بالسخاء الواسع والإدارة الفضفاضة التي لا تلبي الحد الأدنى من متطلبات الحكم الرشيد والكفاءة، فهذا خلط بائس بين السخاء ومتطلبات العدالة والإنصاف والحماية الاجتماعية في ظل غياب قانون للضمان الاجتماعي، والإدارة لم تُختبر أساساً على أرض الواقع لإمكانية إطلاق الأحكام عليها، والوضوح والشفافية التي جاء بها القانون في الأحكام الناظمة لتأمين إصابات العمل وتأمين الشيخوخة وتأمين العجز والوفاة، لا يمكن مقارنتها بنظام يحمل اسم «تقاعد» القطاع غير الحكومي ليس إلاّ وفي مضمونه مشروع ادخاري استثماري يُدار من قبل شركات مساهمة عامة تحت وصاية هيئة سوق رأس المال ويتسم بقدر كبير من الغموض وبخاصة في نظام المنافع قياساً على نظام المساهمات كما يتضح من هذا النظام!

 

ماذا يحمل نظام تقاعد القطاع غير الحكومي في جعبته؟

 

- أولاً هذا النظام يطال كافة القطاعات دون استثناء؛ حيث يشمل العاملين الخاضعين لقانون العمل بما في ذلك العاملين في القطاع الخاص ومؤسسات العمل الأهلي والمجتمع المدني ومؤسسات القطاع الخاص وموظفي المؤسسات العامة وموظفي النقابات المهنية، كما يشمل أيضاً العاملين الفلسطينيين أو الأجانب من غير الدبلوماسيين العاملين في المؤسسات الدولية والبعثات الأجنبية الموجودة في فلسطين، وموظفي الهيئات المحلية والعاملين لحسابهم الخاص، وكذلك العمال الفلسطينيين العاملين في الاقتصاد الإسرائيلي (بروتوكول باريس الاقتصادي). ولا ينطبق هذا النظام على موظفي القطاع العام؛ ما لم يقرر أي منهم الانضمام للنظام وفقاً للآلية الواردة فيه والتعليمات الصادرة بموجبه.

 

- هذا النظام إختياري، وفي حال اختار العامل أو الموظف الاشتراك فيه فإن المشغل (صاحب العمل أو صاحب المؤسسة) يكون مُلزماً بتنفيذ الالتزامات المترتبة عليه بموجب هذا النظام. ويتيح النظام للعامل ثلاثة خيارات محددة بتواقيت زمنية وهي: الاشتراك بنظام التقاعد غير الحكومي المنظم بأحكام النظام أو الاشتراك بنظام التقاعد العام الساري على الموظفين العموميين أو عدم الاشتراك بأي من النظامين المذكورين والابقاء على نظام استحقاق مكافأة نهاية الخدمة المنظم بأحكام قانون العمل. كما ويتيح هذا النظام أيضاً إمكانية الانتقال من نظام التقاعد غير الحكومي إلى نظام التقاعد العام وبالعكس، وفي حال الانتقال بين النظامين، فإن آلية انتقال حقوق المشتركين من نظام لآخر ستتم وفق «نظام آخر» يصدر عن مجلس الوزراء بهذا الشأن وفقاً لهذا النظام.

 

- ينص النظام على إنشاء صناديق تقاعد، على شكل شركات مساهمة عامة، برأسمال تحدده تعليمات الترخيص الصادرة عن هيئة سوق رأس المال، ويساهم المشتركون بما لا يقل عن %30 من رأس المال من خلال الاكتتاب العام، ويتم إدراج أسهم الشركات المساهمة العامة في بورصة فلسطين، بحيث تتولى هيئة سوق رأس المال ترخيص الصناديق والرقابة والإشراف عليها وتُصدر التعليمات اللازمة بهذا الخصوص.

 

- تلتزم الشركات المساهمة (الصناديق) بالفصل بين موجوداتها وحسابات المشتركين والمتقاعدين، وأمّا فيما يخص نسب الاشتراكات والمساهمات في نظام المساهمات المحددة فإنه سيتم استقطاع نسبة %10 أو %7 من راتب المشترك وتحول للصندوق فيما يساهم المشغل بنسبة %12 أو %9 من راتب المشترك وتحول للصندوق، وفقاً للآلية والإجراءات والمواعيد زمنية المبينة في النظام والتي يترتب عليها غرامات على المشغل في حال تأخير تحويل الاشتراكات والمساهمات للصناديق.

 

- تنشأ بموجب هذا النظام حسابات فردية في الصناديق تقيّد فيها اشتراكات ومساهمات الأفراد والمشغلين والعوائد والأرباح المترتبة على استثمارها، ويقوم المشغل بتحويل المساهمات النقدية إلى هذه الحسابات. والحسابات التي تنشأ في الصندوق هي: حساب خاص باشتراكات كل مشترك، وحساب خاص بمساهمات المشغل المخصصة لكل مشترك، وحساب خاص بالعوائد والأرباح. على أن يتم تزويد هيئة سوق رأس المال بتقرير عن هذه الحسابات في نهاية كل عام.

 

- الأحكام الواردة في نظام المنافع تبدو «شديدة الغموض» قياساً على نظام المساهمات. كما ويتضح أيضاً من خلال النصوص الواردة تحت نظام المنافع بأننا لسنا أمام «نظام تقاعد» بما يمثله من حماية وأمن اجتماعي بقدر ما نحن أمام «صندوق ادخاري استثماري» يحصل بموجبه المنتفع بعد بلوغه سن (65) سنة على مجموع اقتطاعاته ومساهمات المشغل مضافاً إليها عوائد وأرباح الأموال المدخرة، بحيث توزع المبالغ المترصدة على المنتفع على شكل دفعات شهرية بناء على عمر افتراضي، ويمكن للمنتفع استلام ما لا يزيد عن %20 من المبالغ المترصدة دفعة واحدة عند إكماله سن (65) سنة. كما وتوكد نصوص هذا النظام على أنه في حال وفاة المشترك بعد دخوله سن التقاعد فإن الصندوق يوزع المبالغ المترصدة «المتبقية له» على الورثة الشرعيين. 

 

- وفي حال اختار المنتفع التعاقد مع إحدى شركات التأمين لصرف راتب تقاعدي مدى الحياة، فعندئذ يقوم الصندوق بتحويل كافة المستحقات المالية العائدة للمنتفع إلى شركة التأمين وفقاً لاتفاقية تأمين على الحياة تُبرم مع شركة التأمين لهذا الغرض. كما ويقوم الصندق (الشركة المساهمة) بتوفير اتفاقيات تأمين مع شركة أو شركات تأمين مرخصة للتأمين ضد العجز الكلي الدائم والوفاة الطبيعية من خلال التأمين على الحياة، بحيث تحدد تلك الاتفاقيات حجم المنافع وآلية الاستفادة منها. 

 

- جدير بالذكر، أن قانون التأمينات الاجتماعية الملغى، الذي جرى اتهامه ظلماً، ودون اختبار حقيقي على أرض الواقع، بأنه يتسم بالإدارة الفضفاضة ولا يلبي الحد الأدنى من متطلبات الحكم الرشيد والكفاءة، قد عرض بشفافية كاملة معدلات الاحتساب في نظام المنافع بشأن تأمين الشيخوخة والعجز والوفاة الطبيعيين التي تلتزم بها المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية. ولا شك في أن ترك نظام المنافع للراتب التقاعدي وتأمين العجز الكلي الدائم والوفاة الطبيعية بين يدي اتفاقيات عائمة بين الشركة المساهمة العامة (الصندوق) وشركات التأمين كما ورد في نصوص نظام تقاعد القطاع غير الحكومي تحت ركن المنافع من شأنه أن يولّد العديد من عقود الإذعان في الاختبار العملي. 

 

- يؤكد النظام أيضاً، على وجوب رصد نسبة موحدة من قيمة الاشتراكات والمساهمات من جميع المشتركين ولجميع الصناديق تُحدد من قبل هيئة سوق رأس المال لتغطية اتفاقيات التأمين ضد العجز الكلي الدائم والوفاة الطبيعية، وينص أيضاً على أن يُعاد النظر في هذه النسب والمبالغ على ضوء تجربة السوق. ويعتبر النظام أن جميع المشتركين مشمولون حُكماً بهذه الاتفاقيات.  

 

- فيما يخص المنافع من نظام «الادخارات التقاعدية» التي يُساهم فيها المشترك فإنها تتم وفقاً لاتفاقيات خاصة يعقدها المشترك لهذا الغرض مع الصندوق (الشركة المساهمة) أو مع البنوك الفلسطينية، وتصدر هيئة سوق رأس المال بالتنسيق مع سلطة النقد التعليمات اللازمة بهذا الشأن.

 

 - ينص النظام على أن تتولى الشركات المساهمة العامة (الصناديق) إدارة استثمار الأموال لصالح المشتركين والمتقاعدين وفقاً للممارسات العالمية الفضلى بهذا الخصوص، وضمن أعلى معايير المسؤولية المهنية، كما ويشير أيضاً إلى إمكانية التشاور مع المشتركين سنوياً «للاستئناس برأيهم» حول مكان ونوع وطبيعة استثمارات المشتركين. ومن الواضح، أن كل ما يتعلق بمسؤولية الرقابة والإشراف على كافة جوانب عمل «الصناديق» مُلقى على عاتق هيئة سوق رأس المال بموجب هذا النظام؛ الذي يُطالب جميع صناديق التوفير أو الادخار القائمة حالياً «بتصويب أوضاعها» بما يتفق والتعليمات الصادرة عن الهيئة خلال مدة سنة من تاريخ سريان النظام، ويُلغي ما يخالف أحكامه.

 

وختاماً، فإنّ فلسفة هذا النظام وأهدافه ومبرراته، وقدرته الواضحة على تخطي الخطة التشريعية للحكومة، وتخطي أحكام القانون الأساسي وعدة قوانين أخرى، بل والسعي لتعديل قوانين نافذة كي تكون مُسخرة لخدمة هذا «النظام» إنما يقدم برهاناً إضافياً على أن التشريعات الصادرة باتت لا ترى ولا تخاطب بأحكامها المجتمع بمختلف شرائحه بقدر ما هي مبرمجة لخدمة شريحة معينة من أفراد المجتمع، وبذلك نبقى نُراوح في خضم أزمة حقيقية عميقة ومستمرة في مفهوم العدالة الاجتماعية.